يستطيع الوكلاء الذين قامت بتعيينهم الحكومة المركزية أن يتتبعوا نشأة وظائفهم إلى العهد الاستعماري عندما كانت البلاد مقسمة إلى تسع مقاطعات، حيث عمل شاغلو تلك الوظائف كرؤساء إداريين لتلك المقاطعات. 22 ديسمبر 2005- وكان ليونارد وولف هو أحد أشهر وكلاء الحكومة إذ طبقت شهرته الآفاق في سرى لانكا من خلال كتاباته، ثم لاحقاً كزوج للأديبة العملاقة فيرجينيا وولف. وقد بدأ حياته العملية في جهاز الخدمة المدنية البريطانية كوكيل حكومي في جهاز الإدارة الحكومية في جافنا. ومع التغيّرات التي شهدها الهيكل الإداري لجهاز الإدارة الحكومية المحلية وتعيين وزراء للمقاطعات، هم أيضاً أعضاء في البرلمان، فلم يعد وكلاء الحكومة الآن يتمتعون بنفس القوة التي كان يتمتع بها وولف في الماضي. وعلى أية حال، وفي أعقاب كارثة تسونامي، أعلت الحكومة من صلاحياتهم وأصبحوا هم السلطة المختصة، التي تدير عمليات الإغاثة. وكما خلصت شولي دي سيلفا مسئولة البنك الدولي للشئون الخارجية في كولومبو، فالأمر بالنسبة لكثير من وكلاء الحكومة يعني التعلّم الفوري على رأس العمل لما تعنيه إدارة الكوارث. كان غاميني جاياسيكيرا، وكيل الحكومة في ماتارا، قد شاهد الأمواج وهي قادمة، وقد أمسكت به ولكن كُتبت له النجاة، وما هي إلا سويعات حتى أقام مكتباً مؤقتاً لبدء عمليات الإغاثة. ولم يكن ذلك بالمهمة السهلة. فابنه الوحيد كان في عداد المفقودين، ورغم أن ابنته كانت بأمان إلا إنه واجه مدينة محطمة تتراكم فيها الجثث إلى عنان السماء، فضلاً عن تدمير أمانة مكتبه. وكم كانت صدمته هو نفسه ولكنه تماسك حتى يظل على تركيزه على المهمة التي بين يديه، فجمع الأطباء ورجال الشرطة والجيش ومعاونيه للبدء في مجهود الإغاثة. ويقول جاياسيكيرا، "أزال الجيش الحطام، وعمل الأطباء على مدار الساعة بدون كلل أو ملل، وتشير سجلاتنا إلى عدم تعرض أي من المصابين للموت في المستشفى، وعدم تعرض أي شخص للموت جوعاً، فضلاً عن عدم تفشي أية أمراض أو أوبئة في أعقاب هذه الكارثة". وكان الأرقام في ماتارا أرقاماً كالحةً: 1391 حالة وفاة، و6652 مصاباً، و508 مفقودين. كما كان 70 في المائة من حالات الوفيات من النساء. |  |  | | وكيل الحكومة السيد غاميني جاياسيكيرا |
|  |
وبينما يعدد لنا أحداث ذلك اليوم، قال وقد تحمس قليلاً، إنه وجد ابنه بأمان في منزل أحد أقربائه بعد يومين من حلول الكارثة. ويضيف جاياسيكيرا، "لم يكن المال مشكلة"، مشيراً إلى ما قامت به الحكومة من تقديم حوالي 98 ألف دولار أمريكي (حوالي عشرة ملايين روبية سري لانكية) إلى وكلاء الحكومة لصالح عمليات الإغاثة وجعلتهم بمثابة سلطات مختصة بموجب نظام مواجهة حالات الطوارئ. "قمنا بأخذ بصمات الموتى وتصويرهم ووضعنا هذه المعلومات على أقراص مدمجة للتمكن من التعرف عليهم. وكنا نعقد اجتماعات كل يوم مع المعنيين من الشرطة والجيش والموظفين لاستعراض مدى التقدم المحرز في أعمالهم وتحليل أوجه القصور." ويستطرد جاياسيكيرا قائلاً، "كان أهل المجتمعات المحلية يساندوننا مساندة قوية، حتى إن أشدهم فقراً كان ليحضر لنا كيلو من السكر كمساهمة منه. وقد كنا نعاني النقص في مركبات الخدمة الشاقة، فقام السكان من البلدات حتى أبعدها عنا كبلدة باناديورا بتقديم مركباتهم لنستخدمها، فصاغ هذا علاقات جديدة مفيدة". في مجال الخدمة العامة كان ك. باثماناثان ذلك العضو المخضرم صاحب الخبرات في الجهاز الإداري يعمل في الأيام الأخيرة من مدة خدمته في جافنا بالرأس الشمالي لسري لانكا حين عصفت بها كارثة تسونامي. "اندفعتُ إلى المكان الذي وقعت به الكارثة حين سمعت بهذه المأساة. فوجدت أن مياه البحر قد دخلت على اليابسة لمسافة كيلومتر تقريباً" ثم تناول خريطة واستطرد قائلاً، "هذا الحزام الساحلي من هنا إلى هنا" – يشير إلى أن قطاع اليابسة من بوينت بيدرو لأسفل قد غمرته المياه عن آخره. "لم يكن للناس سبيل إلى الأمان على هذا الجانب أو ذاك. ولم يكن هناك ضباط شرطة أو جيش – وكان عدد كبير من الجنود قد أصابتهم موجات تسونامي أيضاً أثناء أدائهم للخدمة في المنطقة الساحلية." وقال، "صحيح إننا في جهاز الخدمة العامة، ولكننا إن اتبعنا اللوائح والقوانين فلن نفعل شيئاً"، وهو بذلك يوضح كيف استنفر همم المجتمع المحلي للاستجابة لهذه المأساة. وكانت خبرته الشخصية خير معين وقت الحاجة في النهوض بعمليات الإنقاذ والإغاثة في جافنا إبان سنوات الحرب. فيقول، "عندما دق الجيش وحركة "نمور تحرير تاميل إيلام" (LTTE) طبول الحرب كنا نعد لحماية الناس". وفي عام 1995، حين تشرّد حوالي 400 ألف شخص، قاد باثماناثان عملية إنقاذ وإغاثة فأتاح المأوى المؤقت للناس والطعام والضرورات الأخرى.  |  |  | | ك. باثماناثان عضو في الجهاز الإداري |
|  |
“ويعلق على ذلك بقوله، "لقد دربتُ الناس، وهم الآن يعلمون أين يوجد الملاذ الآمن، وكيف يساعدون الآخرين، وكيف يكون رد فعلهم الفوري، -- لا أعني هنا فقط الضباط، بل المنظمات غير الحكومية والجمعيات التعاونية أيضاً". نظم باثماناثان رجال "غراما سيفاكا" – وهم الضباط التابعون لجهاز الإدارة الحكومية المحلية حالياً على مستوى القرى – وأغلق الطريق فمنع بذلك اللصوص من دخول هذه المنطقة. وكانت الجمعية التعاونية لصائدي الأسماك هي المجموعة المجتمعية المحلية الرئيسية التي قادت مجهود الإغاثة العاجلة. فقام باثماناثان بتنظيم المتطوعين في مجموعات من خمسة إلى عشرة أشخاص وشرع في تمشيط المناطق المنكوبة حتى يتأكد من عدم ترك أي مصاب بدون أن يحصل على الرعاية اللازمة. استخدام عربات التوك توك في جمع المساعدات لعبت التقاليد الثرية للمجتمعات المحلية في سري لانكا دوراً حيوياً وقت عمليات الإغاثة والمتمثلة في تقاسم الطعام وتقديمه ومساعدة كل أخ لأخيه في الشدائد. وقد كان هناك نظام راسخ تمام الرسوخ في جافنا غرسته السنوات التي شهدت احتدام الصراعات بالمنطقة. فكان تنشيط هذا النظام سهلاً يسيراً، إذ أرسل باثماناثان الرسائل في عربات التوك توك ذي الثلاث عجلات يدعو الناس إلى تقديم المواد الغذائية والثياب لمن تأويهم المدارس. وقد لاقت دعوته الاستجابة المتوقعة. فبعث الناس بالطعام المطهي والثياب والمساعدات إلى الضحايا عن طريق عربات التوك توك فرجع بها إلى أماكن الإيواء المؤقتة. اكتسحت المياه المنازل في ذلك الحزام الساحلي المنخفض الأرض في جافنا؛ ولم يكن هناك عند وصولنا إلا بضع أشخاص وقد أثخنتهم الإصابات التي لحقت بهم، أما الغالبية ـ أي أكثر من 2000 شخص ـ فكانت بين قتيل أو مفقود. واعترى مَن نجا إحساس طاغٍ بالحيرة والضياع. ولم يكن على البعض منهم ثياب، فقد مزقها عنفوان الأمواج القاهرة. كما لم تكن معهم أية نقود، أو ممتلكات، وفقدوا بطاقات هويتهم. ولكن مع ذلك، كان هناك واجب مهم على عاتق معظم الناس، ألا وهو أداء الطقوس الدينية الأخيرة على أحبائهم الذين وافتهم منيتهم. وأدرك باثماناثان حاجة الناس هذه، فلم ينتظر أن تفتح البنوك أبوابها أو تصدر الحكومة موافقاتها. فتحرك سريعاً لجمع المال من أصحاب المحال ليقدم 98 دولاراً أمريكياً (حوالي 10 آلاف روبية سري لانكية) إلى كل فرد من أفراد الأسر يقوم بإخراج جثة أحد أقربائه من المستشفى، وذلك لتغطية نفقات الجنازة. شردت فاجعة تسونامي أكثر من ستة آلاف أسرة في منطقتي جافنا ومولاتيفو. أما منطقة باتيكالُوا التي مُنيت بأشد النكبات فكان بها أكثر من 54 ألفاً ممن أفلت من كارثة تسونامي يأويهم 100 مركز إغاثة.  |  |  | | إملدا سوكوماران وكيلة الحكومة في مولاتيفو |
|  |
مهمة ضخمة ”كم كانت مهمة ضخمة أن نبدأ من جديد" بهذه الكلمات تفتتح إملدا سوكوماران وكيلة الحكومة في مولاتيفو كلامها. وكانت إملدا تلك المرأة القوية الشخصية الديناميكية قد فقدت بيتها الجديد تماماً. ولكنها كانت سعيدة الحظ، إذ نجت عائلتها لأنها غادرت المنزل في وقت مبكر من الصباح لزيارة بعض الأقارب. وكانت تجري في مولاتيفو عملية إعادة توطين 80 في المائة من الأشخاص الذين شُرِّدوا داخل البلاد عندما وقعت كارثة تسونامي. وكم كانت الانتكاسة شديدة الوطأة على العائدين بعد الحرب. وتلوح إملدا بقلم رصاص في يدها وتقول معبرة، " لم استنقذ حتى قلم رصاص من بيتي، بيد أن ما قدمناه من مساعدات إلى مصابي تسونامي كان جيد التنسيق". ولكنها ضربتها فاجعة أخرى ألا وهي فقدان 12 من معاونيها ذوي القدرة على تحمل المسئولية. . فتقول عن ذلك، "كان معنا المال، ولكن كانت تنقصنا القدرة على تنفيذ خطة انتعاش عاجلة". فما كان منها رغم ما تواجهه من معوقات إلا أن ترأست برنامجاً خلُص إلى إيواء الناس في 22 معسكراً، وإتاحة الغذاء والماء الصالح للشرب في الحال؛ حتى إن المدارس فتحت أبوابها في موعدها في شهر يناير/ كانون الثاني بعد عطلة ديسمبر/ كانون الأول. كانت الجهود التي بذلها وكلاء الحكومة ومعاونوهم وراء انتقال الأشخاص الذين أُسكنوا المعسكرات المؤقتة. فقد انتقلت كافة الأسر التي أويت إلى المعسكرات الأولى الآن إلى مآوٍ انتقالية. واستطاع بعض أفرادها أن يستعيدوا سبل كسب معايشهم. كان برنامج "إعادة الناس إلى منازلهم" (العنوان الذي أطلقته الحكومة على برنامج إعادة الإعمار هنا) في ماتارا يحرز تقدماً جيداً، طبقاً لما أورده المسئولون. ورغم ذلك، حظيت برامج إعادة الإعمار في أماكن أخرى بقدر من المشاكل. فيقول باثماناثان مدير المشروع حالياً في برنامج البنك الدولي للإسكان في المنطقة الشمالية الشرقية، "إن البرنامج متوقف في الوقت الحاضر". وتعزى هذه الصعوبات إلى المعوقات التي تواجهها عمليات برنامج الإسكان غير الحكومي، إضافة إلى ندرة الأراضي لنقل الأهالي الذين كانوا يعيشون في منطقة الحظر الممتدة بعمق 100-200 متر من خط الساحل، تلك المنطقة التي أعلنتها الحكومة السري لانكية منطقة محظورة لإعادة البناء كإجراء وقائي. وقد تم الآن تخفيف قرار الحكومة الخاص بالمنطقة الفاصلة (المحظورة)، الأمر الذي يقتضي ضرورة إعادة تقييم التمويل الذي تتيحه الجهات المانحة لغرض عمليات الإسكان داخل المنطقة الفاصلة. ويقول البعض إن عدم توافر الموظفين المدربين فنياً لتعجيل صرف شرائح المنح هو أيضاً ما أعاق إحراز أي تقدم في برنامج "إعادة الناس إلى منازلهم". كما تدرك الحكومة والجهات المانحة الحاجة إلى إشراك المنتفعين في عملية التنفيذ واستعراض مخصصات المنح لتشمل الزيادات في تكاليف عمليات الإعمار. ويتمثل هدف الحكومة وشركائها في التنمية مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى في أن تعرف جميع الأسر المعيشية التي فقدت منازلها بحلول الذكرى السنوية الأولى أو بعدها بقليل جداً أين ستكون منازلها الجديدة، وكيف سيتم تمويلها، ودورها في تحقيق ذلك. |