على الرغم من بلايين الدولارات الأمريكية التي تم استثمارها في قطاع الصحة في أفريقيا، فإن نقص العاملين المؤهلين في مجال الرعاية الصحية، وبخاصة في المناطق الريفية في العديد من البلدان، يشكل عائقاً رئيسياً أمام مد مظلة الخدمات الصحية لتشمل الفقراء. قال طبيب من إحدى البلدات الإقليمية في إثيوبيا، " تم تكليفي بالعمل في منطقة نائية على بعد نحو 38 كيلومتراً من البلدة المحلية، ونحو 18 كيلومتراً من أقرب طريق رئيسي، لكني لم أذهب لتسلم العمل. وبعد مضي عامين، تم إرسال طبيب حديث التخرج إلى هذه المنطقة. وزاول هذا الطبيب مهام عمله لمدة شهر، لكنه لم يكن بوسعه الحصول على راتبه إلا إذا سافر لمسافة 18 كيلومتراً ممتطياً صهوة أحد الخيول. وبعد شهرين، لملم هذا الطبيب أغراضه، وحصل على راتبه، ثم سافر مباشرة إلى واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة [1]." وبرغم الاستثمارات الكبيرة في قطاع الرعاية الصحية في أفريقيا، فإن السكان ـ ـ وبخاصة سكان المناطق الأفقر في العديد من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ـ ـ مازالوا يعانون أشدّ المعاناة بسبب محدودية تغطية خدمات الرعاية الصحية. يقول أوكي بانينبورغ، وهو مستشار أول في مجال الرعاية الصحية في مكتب منطقة أفريقيا بالبنك الدولي، "تكمن هذه المشكلة، بدرجة كبيرة، في نقص العاملين المؤهلين في مجال الرعاية الصحية ممن يقومون بأعمالهم على أتم وجه، ولاسيما في المناطق النائية والأكثر فقراً في الكثير من البلدان. فالفقراء لا يمكنهم الاستفادة من الاستثمارات والبرامج الجديدة في مجال الصحة ما لم تتوافر القوى العاملة الملائمة لترجمة هذه الاستثمارات إلى خدمات صحية". المناطق الحضرية أفضل حالاً | أم شابة وطفلها في زيارة إلى طيب في أحد مراكز الرعاية الصحية في إثيوبيا. © البنك الدولي / Michael Tsegaye | | تضم المناطق الحضرية والأكثر اكتظاظاً بالسكان بشكل غير متكافئ أمهر العاملين في مجال الرعاية الصحية في معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، إن لم يكن كلها. ففي زامبيا، على سبيل المثال، يزيد عدد الأطباء في المناطق الحضرية بواقع 20 ضعفاً مقارنة بالمناطق الريفية، كما يزيد عدد الممرضات والقابلات بواقع خمس مرات مقارنة بالمناطق الريفية. وفي ملاوي، بالرغم من أن 87 في المائة من السكان يعيشون في مناطق تُعتبر ريفية، فإن 96.6 في المائة من الأطباء يعملون في مرافق الرعاية الصحية في المناطق الحضرية. وفي بوركينا فاصو، هناك قابلة واحدة لكل 8 آلاف من السكان تقريباً في المناطق الأكثر غنى، مقابل واحدة لكل حوالي 430 ألفاً من السكان في المنطقة الأكثر فقراً. أضف إلى ذلك أن بعض المناطق والمقاطعات النائية لا يوجد بها ولو طبيب واحد أو ممرضة أو قابلة واحدة لتوفير المساعدة لمن يكونون في أمسّ الحاجة إليها. يقول كريستوفر هـ. هيربست، وهو متخصص في تحليل بيانات الصحة العامة ويبحث حالياً في قضايا القوى العاملة في مجال الرعاية الصحية في مكتب منطقة أفريقيا بالبنك الدولي إن هناك أسباباً وجيهة توضح لماذا يفضل الكثير من العاملين في مجال الرعاية الصحية العمل في المناطق الحضرية أو الحصول على وظائف خارج منطقة أفريقيا جنوب الصحراء كلياً. "غالباً ما يحقق العاملون في مجال الرعاية الصحية دخلاً أعلى، ويمكنهم التخصص في عملهم، كما أنهم يتمتعون بنوعية حياة أرقى على الصعيدين المهني والخاص في المناطق الحضرية". ويشكل عدم كفاية الجهاز الإداري ونقص التجهيزات والإمدادات، بالإضافة إلى انعدام التعليم الجيد وقلة الفرص لزيادة مستوى الدخل أسباباً تحول دون قبول العاملين في مجال الرعاية الصحية العمل في المناطق الريفية. جهد مشترك لإيجاد حلول | قابلة تقليدية في أوغندا. صورة فوتوغرافية مقدمة من Africa Vox ، 2007 | | في عام 2006، بدأ البنك الدولي، بتمويل من مؤسسة بيل غيتس والوكالة النرويجية للتنمية الدولية برنامجاً لمساعدة حكومات بلدان أفريقيا جنوب الصحراء على تصميم وتنفيذ حلول خاصة بكل منها للتصدي لمشكلة نقص الموارد البشرية في مجال الرعاية الصحية في هذه المنطقة. تقول أغنيس سوكات، كبير الخبراء الاقتصاديين ورئيس فريق برنامج الموارد البشرية في مجال الرعاية الصحية بمكتب منطقة أفريقيا بالبنك الدولي، " إن السياسات المبتكرة والمحبذة لمصالح الفقراء التي تركز على تحسين الإدارة وبناء القدرات التعليمية، وكذلك الإجراءات التدخلية التي تحفز العاملين في مجال الرعاية الصحية وتلك الخاصة بمعالجة مرضى فيروس ومرض الإيدز كلها عوامل أساسية في ضمان توافر تغطية الرعاية الصحية للفقراء في أفريقيا. فالهدف ليس فقط إحداث تحوّل في توازن العاملين في مجال الرعاية الصحية بين الريف والحضر في الكثير من البلدان الأفريقية، ولكن أيضاً ضمان توافر هؤلاء العاملين أمام الفقراء واستجابتهم لاحتياجاتهم". ويقوم برنامج الموارد البشرية الصحية بتنسيق الجهود بشكل وثيق مع منظمات أخرى ثنائية ومتعددة الأطراف، وكذلك مع كل من المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية. كما يساند الحكومات في سعيها للحصول على/ وتفسير الشواهد الضرورية الخاصة ببلدان محددة والمعلومات الأساسية اللازمة لتوجيه وضع السياسات والبرامج بشأن الموارد البشرية في مجال الرعاية الصحية. وفي بعض بلدان منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، فإن الجهد المشترك لمعالجة نقص العاملين المؤهلين في مجال الرعاية الصحية في المناطق الريفية قد بدأ يؤتي ثماراً مبكرة. ففي إثيوبيا على سبيل المثال: يقول دكتور تادروس أدهانوم، الوزير الاتحادي للشؤون الصحية في إثيوبيا، " إن جميع الطرق اليوم تؤدي إلى العاملين في مجال الإرشاد الصحي". | عاملون في مجال الإرشاد الصحي في إثيوبيا صورة فوتوغرافية مقدمة من جامعة كولومبيا | | لقد قامت إثيوبيا بتدريب ونشر أكثر من 27 ألفاً من العاملات في مجال الرعاية الصحية في المناطق النائية. وجرى اختيارهن من المجتمعات المحلية بغرض توفير الخدمات العلاجية والوقائية الأساسية في جميع المجتمعات المحلية تقريباً في جميع أنحاء البلاد. وتشرح فانتي، وهي إحدى العاملات في مجال الإرشاد الصحي في كيبيل ثيرو بورو، مقاطعة ملو، " نقوم بزيارات منزلية ثلاث مرات أسبوعياً. وأحياناً نسير لمدة تصل إلى ساعتين، ولكن ذلك لا يفل في عزمنا [2]". ومثل هذه البرامج هي التي قد تكون ضرورية لتسريع مسيرة أفريقيا نحو التنمية. ونوه بانينبورغ، في إطار الإشارة إلى الأهداف التي حددتها الأمم المتحدة للقضاء على الفقر بحلول عام 2015، "ما لم نعمل جميعاً معاً ونضع إستراتيجيات مبتكرة لضمان وصول بلايين الدولارات المستثمرة في مجال الرعاية الصحية في أفريقيا إلى الذين تمسّ حاجتهم إليها، فمن غير المرجح بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة". [1]http://www.dfid.gov.uk/casestudies/files/africa/ethiopia-water.asp [2] الشبكة الإقليمية لتحقيق الإنصاف في مجال الرعاية الصحية في الجنوب الأفريقي (EQUINET)، واتحاد أنظمة الرعاية الصحية (جنوب أفريقيا) ومؤسسة MEDACT (المملكة المتحدة)- "العاملون في مجال الرعاية الصحية في الجنوب الأفريقي: مواجهة سوء التوزيع ونزف العقول" (2003)، ص 16. متوافرة في الموقع التالي: http://www.equinetafrica.org/bibl/docs/healthpersonnel.pdf
|