في محاولة لتهيئة أوضاع ملائمة لتحقيق التنمية في الدول التي خرجت من صراعات، يعمل برنامج البنك الدولي المتعدد الأقطار للتسريح وإعادة الاندماج عن قناعة بأن أحد العناصر الرئيسية للاستقرار يكمن في إعادة دمج المقاتلين السابقين والجنود الأطفال في المجتمع. ويؤكد برونو دونات، مسؤول الاتصال في وحدة الدول الهشة والصراع والتنمية الاجتماعية في منطقة أفريقيا بالبنك الدولي، أنه في المرحلة المؤلمة التي تعقب انتهاء الصراعات، ينبغي النظر أيضا إلى إنجازات المجموعات الصغيرة من الجنود السابقين الذين تم تسريحهم ويعملون في بيئات شديدة الصعوبة. ما هو البرنامج المتعدد الأقطار للتسريح وإعادة الاندماج؟ يساند هذا البرنامج، وهو مسعى يشارك فيه العديد من الوكالات، وتوجد أمانته في الوحدة المعنية بالتنمية الاجتماعية في الدول الهشة والبلدان الخارجة من الصراعات التابعة لمكتب منطقة أفريقيا في البنك الدولي، عملية تسريح الجنود وإعادة اندماجهم في المجتمع في منطقة البحيرات الكبرى في وسط أفريقيا. ويستهدف هذا البرنامج، الذي يعتبر أكبر علاقة شراكة من نوعها في العالم، المقاتلين السابقين في سبعة بلدان، هي:أنغولا وبوروندي وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية الكونغو ورواندا وأوغندا. ويقوم البرنامج الذي يموله البنك الدولي و13 مانحا – بلجيكا وكندا والدنمرك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وأيرلندا وإيطاليا وهولندا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة واللجنة الأوروبية - بالتعاون مع أكثر من 30 منظمة شريكة، من بينها وكالات الأمم المتحدة والبنك الأفريقي للتنمية والاتحاد الأوروبي ومنظمات غير حكومية. |
|
"فعلى سبيل المثال، قامت 12 سيدة من المقاتلات السابقات في بوروندي بتأسيس جمعية السلام والتنمية في مجتمعهن المحلي، وهي تضم الآن 35 سيدة يعملن معا في الزراعة ويتصدرن أنشطة خاصة بالتوعية بغية تشجيع السلام والمصالحة." نساء يتغلبن على العزلة توضح إحدى عضوات الجمعية من المقاتلات السابقات ذلك بقولها "حين عدنا إلى موتيمبيزي، وجدنا أنفسنا معزولات وضحايا التمييز. وكان الناس حولنا يقولون إن المرأة التي كانت تحارب في ساحة القتال لا يمكن الوثوق فيها. ولذا، بحثنا عن وسيلة لكسر طوق عزلتنا وبدأنا الاتصال بالنساء الأخريات في القرية، وكنا نساعدهن في الأعمال البسيطة ونتحدث إليهن في سلام." وبعد أن تمكنت المقاتلات السابقات من إقامة علاقات صداقة مع غيرهن من النساء وكسبن ثقتهن، قمن بدعوتهن إلى الانضمام إلى جمعية السلام والتنمية. وتستأجر الجمعية حاليا 10 هكتارات من الأرض لزراعتها وتجتمع العضوات مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيا للعمل في الحقول. ويعقدن اجتماعا أسبوعيا لتوعية النساء في المنطقة بقضية السلام، ويحاولن تغطية كل منطقة مجتمعهن المحلي موتيزيمبوزي.
وتضيف كونستانس نداييزيجي، المقاتلة السابقة ورئيسة الجمعية، قائلة "الجمعية مفيدة للغاية لنا، فهي تساعدنا على أن نبدو مثل النساء الأخريات، بدون أي علامة مميزة. وما نحصده في حقولنا يساعدنا على تلبية احتياجاتنا الغذائية." | نساء في بوروندي يعملن في الحقول. | |
وتبيع الجمعية ما يتبقى من المحصول. وتغطي عائدات بيع المحصول رسوم الدراسة لأبناء العضوات، وكذلك الأيتام في المنطقة. ومع تراكم المدخرات تدريجيا، تأمل النساء في أن يتمكنّ يوما ما من شراء مزرعة خاصة بالجمعية. ويقول مارسيلو فابري، الأخصائي الأول في مجال التنمية الاجتماعية في البنك الدولي "تأتي هذه الجهود ضمن العمل الجاري في بوروندي لتدعيم السلام وإعادة تنشيط الاقتصاد. وتعتبر جمعيات مثل السلام والتنمية عنصرا بالغ الأهمية لتسهيل التعايش السلمي بين المقاتلين السابقين والسكان الآخرين في مجتمعاتهم المحلية."
تحقيق نتائج في مواجهة التحديات | مقاتلات في منطقة البحيرات الكبرى في أفريقيا. | |
يقول إيان بانون، وهو مدير قطاع في الوحدة المعنية بالتنمية الاجتماعية في الدول الهشة والبلدان الخارجة من الصراعات التابعة لمكتب منطقة أفريقيا في البنك الدولي "يهدف البرنامج المتعدد الأقطار للتسريح وإعادة الاندماج إلى الإسهام في تعزيز بيئة الأمن بصورة عامة وفي عمليات إحلال السلام والاستقرار في منطقة البحيرات الكبرى، وبالتالي إرساء الأساس للتنمية المستدامة. فعن طريق هذا البرنامج، الذي يشمل مكوّنات ملائمة خصيصا للنساء والأطفال، تم تسريح نحو 300 ألف فرد، وتمت مساعدة نحو 185 ألفا منهم، أو تجري مساعدتهم حاليا، من خلال المساندة لإعادة الاندماج." ويشير بانون أيضا إلى أنه من بين التحديات الكامنة في هذا البرنامج "بيئة التنفيذ العسيرة في المنطقة وما تتسم به أنشطة التسريح من الخدمة وإعادة الاندماج في المجتمع من طبيعة معقدة في المناطق التي خرجت من الصراع".
إعادة الاندماج في المجتمعات المحلية يضيف دونات: "هناك قصة نجاح مماثلة في رواندا لمقاتلين سابقين انضموا إلى أفراد في المجتمع المحلي في مشروع المخابز التابع لجمعية كلنا معا تويسونجان Tous Ensemble Twisungane التعاونية برئاسة جيمس هابياريمانا." ففي عام 2000، كانت جمعية تضم بضعة أعضاء قاموا بتجميع مواردهم وبدأوا إقراض كل منهم الآخر بالتناوب. وتوفر الجمعية التعاونية الآن تأمينا صحيا لأعضائها الذين أصبحوا قادرين على تلبية بعض احتياجاتهم المالية. وأصبح بوسعهم سداد رسوم تعليم أبنائهم وبعض الاحتياجات الضرورية الأخرى، إلى جانب شراء الملبس والمأكل. ويقول هابياريمانا بفخر "نعتزم توسيع نطاق إنتاجنا وزيادة العرض لزبائننا عن طريق إقامة المزيد من نقاط البيع في منطقتنا وغيرها من المناطق." كما يأملون بشراء معدات حديثة للمخبز. رغم قصص النجاح التي تحققت، يشدد برونو دونات على ضرورة توجيه التوقعات، قائلا "في حين أني أميل إلى التركيز على الجوانب الإيجابية لهذه الشراكة، يجب أن نكون واقعيين ونأخذ في اعتبارنا أيضا أن برنامجنا هو مجرد جزء صغير من الصورة الأكبر كثيرا للسلام وأن هناك جوانب عديدة في الوضع الأمني الإقليمي ليس لنا عليها أية سيطرة." ومع دخول البرنامج عامه الأخير، فإنه ينظر إلى كل ما حققه، لكن الأهم أنه ينظر للأمام لكل التحديات التي لا تزال قائمة على الطريق. وتختتم مديرة البرنامج ماريا كوريا قائلة: "إلى جانب التحديات الجوهرية لبرنامج من هذا النوع، فإننا ندرك أن العمل على نطاق إقليمي وفي علاقة شراكة هو أمر أكثر صعوبة وأشد خطورة من المبادرات الثنائية التقليدية. بيد أن المكاسب أكبر كثيرا وبالتالي فهي تستحق بذل المزيد من الجهد." |