Click here for search results

شرق آسيا بعد عشرة أعوام على الأزمة المالية

Available in: English, 中文, Français, Español

لم تكد تمر عشر سنوات من وقوع الأزمة المالية التي عصفت بمنطقة شرق آسيا في عام 1997، إلا وكانت تلك المنطقة قد انتصبت واقفة على قدميها فازداد ثراؤها وقل فقراؤها، وباتت تلعب دوراً عالمياً أكبر من أي وقت مضى. وتحسنت مستويات دخل السكان تحسّناً ملحوظاً مقارنة بما كانت عليه الحال قبل وقوع تلك الأزمة، وشهدت بعض بلدانها ـ كالصين وفييتنام وكمبوديا وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية ـ تحقيق معدلات نمو استثنائية في مستويات الدخل. ونتيجة لذلك، استطاع أكثر من 100 مليون شخص في مختلف أصقاع شرق آسيا منذ عام 2000 الخلاص من براثن الفقر المدقع، ومازالت معدلات الفقر تواصل تقلصها.

وتمضي منطقة شرق آسيا، بعد أن استطاعت التصدي لتلك الأزمة والتغلب على الكثير من أوجه الضعف الاقتصادية التي أفضت إليها، بخطى سريعة لتنضم إلى مصاف البلدان المتوسطة الدخل. وواقع الأمر أنه مع انتقال فييتنام من مصاف البلدان المنخفضة الدخل إلى شريحة البلدان المتوسطة الدخل ـ وهو أمر من المرجح حدوثه في أوائل عام 2010 ـ فإن أكثر من 95 في المائة من سكان منطقة تلك المنطقة سيكونون في بلدان متوسطة الدخل. وبالنظر إلى معدلات النمو الحالية التي تشهدها تلك المنطقة، فإن عدد من يعيش تحت خط الفقر لن يتعدى 25 مليون نسمة بحلول عام 2020 وذلك من إجمالي عدد السكان البالغ بليوني نسمة.

ولكن، تأتي في معية هذا النمو المدهش الموجة التالية من التحديات القاسية التي يمكن أن تؤدي إلى إبطاء معدلات النمو إذا لم يتم التعامل معها على نحو لائق.

الفكاك من شَرَك البلدان المتوسطة الدخل

يتمثل أحد أهمّ تلك التحديات التي تواجه منطقة شرق آسيا في ما يُطلق عليه مجازاً اسم "شَرَك البلدان المتوسطة الدخل". ويوضح لنا التاريخ أنه بينما نجح العديد من البلدان في الانتقال من مصاف البلدان المنخفضة الدخل إلى مصاف البلدان المتوسطة الدخل، فإن عدداً قليلاً نسبياً قد واصل تقدمه لينضم إلى شريحة البلدان المرتفعة الدخل. وعلى أي بلد يرغب في الانتقال إلى مصاف البلدان المرتفعة الدخل، أن يكون لديه اقتصاد يتخصص على نحو متميز في مجالات منتقاة بحيث يمكنه تحقيق وفورات الحجم والريادة التكنولوجية.

إلا أن تحقيق ذلك صعب المنال عندما تجد البلدان نفسها محصورةً بين منافسين يتمتعون بانخفاض مستوى أجور الأيدي العاملة في البلدان الفقيرة، وشركات قوامها الابتكار والتقدم التكنولوجي في البلدان الغنية. ويتعين على تلك البلدان التصدي للكثير من التحديات المعقدة التي تتراوح بين ضرورة الارتقاء بمهارات قوة العمل ومستواها الابتكاري، وإقامة أنظمة مالية متقدمة، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، وتخفيض الفساد تخفيضاً ملموساً. وما لم تتمكن تلك البلدان من إحداث وتفعيل تغيّرات صارمة من هذا القبيل في سياساتها ومؤسساتها، فإنها لن تبرح مكانها وستظل غير قادرة على الخروج من شرنقة البلدان المتوسطة الدخل.

وتُظهر تجربة كل من اليابان وسنغافورة وتايوان (الصين) وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ (الصين)، وهي بالفعل من بلدان منطقة شرق آسيا، أن الانتقال إلى مستويات الدخل الأعلى هو أمر ممكن. ولكن هذه المهمة ليست بالمهمة السهلة.


التحديات الماثلة أمام الصين...

عاد الصعود الاقتصادي للصين ـ والذي يمثل أهم تغيّر هيكلي في الاقتصاد العالمي لعقود ـ بمنافع هائلة على الاقتصاد العالمي. فقد أدت معدلات النمو التي شهدتها على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية إلى انتشال أكثر من 400 مليون شخص من براثن الفقر فوق مستوى الدخل البالغ دولار واحد في اليوم للفرد، كما ارتفع مستوى الدخل بواقع يزيد على سبعة أمثال، وذلك من 280 دولاراً أمريكياً إلى 2000 دولار أمريكي.

وتملك الصين حالياً رابع أكبر اقتصاد في العالم، وهي تأتي في المرتبة الثالثة من حيث حجم التبادل التجاري، وهي كذلك الوجهة الرئيسية لصادرات بلدان شرق آسيا النامية (تخطت اليابان في عام 2004). وخلال تلك الأزمة المالية، كان دور الصين في الحفاظ على استقرار عملتها وتوفير مصدر ثابت للطلب أمراً حاسم الأهمية؛ وكان نموها المتسم بالقوة والاستمرار منذ ذلك الحين محركاً رئيسياً للإنعاش الاقتصادي السريع الذي شهدته تلك المنطقة.

وتواجه الصين حالياً تحديات تتصل بكونها بلداً متوسط الدخل، ويتعلق الكثير منها بالضغوط البيئية. فعلى سبيل المثال، تضم الصين 20 من بين مدن العالم الأكثر تلوثاً البالغ عددها 30 مدينة، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى ارتفاع استخدام الفحم لأغراض توليد الطاقة. كما أن التآكل الشديد في التربة والأمطار الحمضية وتلوث المجاري المائية يؤثر كذلك على حياة الملايين. ويهيمن قطاع الصناعات التحويلية، وليس قطاع الخدمات، على الاقتصاد الوطني، مما يؤدي إلى تفاقم الضغوط البيئية.

ولمعالجة تلك المشاكل وغيرها، تعكف الحكومة الصينية حالياً على وضع سياسات تستهدف "تصحيح توازن الاقتصاد" و"السعي لإقامة مجتمع متجانس". ويتمثل هذا الهدف، إلى جانب الحفاظ على معدلات نمو سريع، في تحقيق تحوّل في طبيعة الإنتاج من الصناعة إلى الخدمات، وزيادة الاعتماد على الطلب المحلي، وتحقيق نمو يتشارك الجميع في قطف ثماره بشكل عادل ومنصف، وعلى نحو يتسم بقدر أكبر من الاستدامة البيئية.

... وفيما يتعلق بباقي بلدان هذه المنطقة

تختلف طبيعة تلك التحديات إلى حد ما في أجزاء أخرى من منطقة شرق آسيا. فتلك المنطقة تضم بين جنباتها العديد من البلدان المتوسطة والمرتفعة الدخل التي تشهد معدلات نمو تبلغ نحو 2 في المائة، وهو أقل مما كان عليه قبل وقوع الأزمة. وقد شاب الضعف الاستثمارات في تلك البلدان، كما أن نصيبها من التجارة العالمية يتعرض لضغوط في الوقت الذي تعمل فيه على التكيف مع الصعود السريع للصين. وبينما حقق صعود الصين مكاسب هائلة في مستوى الرفاهية لدى المستهلكين في جميع أنحاء العالم، فقد أدى إلى خلق ضغوط تنافسية شديدة لاقتصادات بلدان أخرى من شرق آسيا في الأسواق العالمية.

وتخلص استقصاءات مناخ الاستثمار التي يقوم بها البنك الدولي إلى أن الشركات العاملة في منطقة شرق آسيا تُقيّم "عدم اليقين" على أنه أحد أكبر العوائق التي تواجهها في عملياتها. وليس هناك ما يُثير الغرابة في ذلك في ضوء التحديات التنافسية العنيفة وإجراءات التصحيح الهيكلية التي تمر بها تلك البلدان. فالمنافسة العالمية باقية. والجهود الحالية لتقوية مناخ الاستثمار هي عامل أساسي في تهيئة بيئة تستطيع الشركات في ظلها السعي إلى استثمارات كفؤة ومجالات تتمتع فيها بميزة نسبية عالمية.

نصيب متكافئ

من بين القضايا الأخرى التي تواجهها البلدان المتوسطة الدخل ضمان تقاسم شعوبها للمنافع الناشئة عن تراكم الثروات في هذه المنطقة على نحو يتسم بالعدل والإنصاف. فبينما تواصل معدلات الفقر تقلصها، فإن التفاوت الكبير في مستويات الدخل آخذ في الارتفاع ـ ـ ويظهر ذلك بصورة صارخة في بعض الحالات. وتشير الأبحاث إلى أن العديد من القوى والعوامل المؤثرة التي تساهم حالياً في تحقيق النمو السريع وزيادة الاندماج الإقليمي والعالمي هي أيضاً نفس القوى والعوامل التي تخلق تبايناً في معدلات النمو ومستويات الدخل. فعلى سبيل المثال، يلاحظ أن ازدياد وتيرة التغيّر التكنولوجي والعولمة يؤدي إلى ارتفاع الطلب على العمالة الماهرة، وزيادة أجور الأشخاص الذين يتمتعون بحظ أوفر من التعليم والمهارات. كما أن الفجوة بين الريف والحضر تلعب دوراً في ذلك الصدد، وذلك من خلال حصول العمالة على أجور مجزية في المناطق الساحلية والمدن التي توجد بها روابط وطرق نقل جيدة إلى الأسواق العالمية. وقد بات التصدي لعدم الإنصاف مع العمل على تشجيع نمو الإنتاجية وخلق الثروات حالياً أحد أكبر التحديات المتعلقة بالسياسات في منطقة شرق آسيا.

التحوّل إلى المدن

بالإضافة إلى مواطن الضعف السالفة الذكر، فإن منطقة شرق آسيا تمر حالياً بأسرع عملية توسع حضري يشهدها العالم على الإطلاق، إذ تشير التوقعات إلى أن أكثر من 500 مليون شخص سينتقلون إلى المدن في تلك المنطقة على مدى السنوات الخمس والعشرين المقبلة ـ بواقع مليوني شخص شهرياً تقريباً. ويفرض ذلك ضغوطاً هائلة على أنظمة النقل والكهرباء وإمدادات المياه والصرف الصحي التي تعاني في الأساس من عدم كفايتها.

ماذا يمكن لمنطقة شرق آسيا أن تفعل؟

وفقاً للعدد الأخير من تقرير آخر المستجدات في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ (East Asia & Pacific Update) ـ وهو تقرير نصف سنوي صادر عن البنك الدولي يُعنى بسلامة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في هذه المنطقة ـ ينبغي على شرق آسيا مواصلة التركيز على:
• إصلاح مناخ الاستثمار بها
• تلبية النقص في العمالة الماهرة
• تحرير التجارة في الخدمات
• الاستثمار في مرافق ومقومات البنية الأساسية
• تعميق أسواق رأس المال وتنويع أنشطتها
• العمل على بناء وتحسين أنظمة الحماية الاجتماعية.


نشأة تلك الأزمة
هناك عدد من العوامل أدت إلى وقوع الأزمة المالية التي عصفت بمنطقة شرق آسيا. فقد نشأ موطن الضعف الرئيسي نتيجة لارتفاع مديونية البنوك ومؤسسات الأعمال في تلك المنطقة بسبب حصولها على قروض كثيرة قصيرة الأجل من مصادر أجنبية بالعملة الصعبة. وقد وقع ذلك، جزئياً، في وقت كانت أسعار الصرف مربوطة عملياً بالدولار الأمريكي لمدة طويلة، مما أدى إلى خلق شعور زائف بالأمان، وشجع ذلك على الاقتراض الخارجي، الأمر الذي أدى إلى زيادة التعرض لمخاطر الصرف الأجنبي في القطاع المالي وقطاع مؤسسات الأعمال. وأدى الإخفاق في الحد من وصول النشاط الاقتصادي إلى مستويات محمومة في تايلند وكثير من البلدان الأخرى في هذه المنطقة، إلى وجود عجز كبير في الحساب الخارجي، وبوادر ظهور "فقاعات" في أسعار الأصول وسوق الأوراق المالية. وقد أخفقت القواعد التحوطية والرقابة المالية المتراخية في معالجة التدهور الحاد في نوعية حوافظ القروض لدى البنوك.
اتساع نطاق الأزمة

ما إن حل منتصف عام 1997، حتى بدأ مستثمرو القطاع الخاص، فجأة ودون سابق إنذار، في تحويل قسم كبير من أموالهم من خمسة من بلدان منطقة شرق آسيا، هي: تايلند وكوريا وماليزيا والفلبين وإندونيسيا. وفي واقع الأمر، جرى سحب أكثر من 100 بليون دولار أمريكي من هذه المنطقة في عامي 1997 و 1998، بواقع حوالي 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لهذه المنطقة كل عام، مما أدى إلى حدوث كساد اقتصادي، وتخفيضات هائلة في قيمة العملات، وارتفاع معدلات التضخم بشدة، وانهيار أسواق المال في تلك البلدان الخمسة التي تمر بهذه الأزمة.

وفي غضون ستة أشهر، ازداد عدد العاطلين عن العمل في إندونيسيا بحوالي 800 ألف شخص على الأقل، وفي تايلند بحوالي 1.5 مليون، وفي كوريا بحوالي 1.35 مليون. ومع انخفاض قيمة عملات تلك البلدان، انخفضت أجور القوى العاملة. حيث انخفضت القيمة الحقيقية للأجور بحوالي 12.5 في المائة في كوريا بنهاية عام 1998، وبحوالي 6 في المائة في تايلند.

وبدأت دوامة الفقر ـ الذي كان قد انخفض في مختلف بلدان منطقة شرق آسيا إلى معدل غير مسبوق يبلغ 9 في المائة سنوياً في السنوات الخمس التي سبقت وقوع هذه الأزمة ـ في الارتفاع بشدة ثانية. وشهد عام 1998 سقوط نحو 19 مليون إندونيسي و1.1 مليون تايلندي في براثن الفقر. ولم ينتظم آلاف الأطفال في تايلند والفلبين وإندونيسيا في المدارس في العام الدراسي الجديد في 1998 بعد أن فقد آباؤهم وظائفهم ومقدرتهم المالية على دفع الرسوم المدرسية. وأشارت بعض التقارير في وقت لاحق إلى سرعة تدهور الأوضاع الصحية بين النساء والأطفال إذ لم يعد الناس قادرين على تحمل أسعار الأدوية.




Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/6A26JO3NW0