خدمات تحتاج إلى الإصلاح بينما يمثل التحدي الأكبر في أغلب البلدان النامية توسيع قاعدة البنية الأساسية وتوفير الخدمات، فإن دول شرق أوروبا ووسط آسيا تناضل لمنع أنظمة الطاقة الحالية من الانهيار. كان ميراث الاشتراكية عبارة عن بنية أساسية قوية وعادلة لكنها كانت غير فعالة لأقصى حد. كانت الطاقة في ظل الأنظمة الشيوعية مركزية التخطيط ذات تكلفة معدومة أو ضئيلة. تستهلك الأبنية العامة في المنطقة قدراً كبيراً من الحرارة مقارنة بالأبنية المماثلة في دول غرب أوروبا، غير أن الحكومات الحالية لا يمكنها الاستمرار في جعل المنافع شركات تابعة. لذا فخلال العقد الماضي، بدأت المنطقة تواجه مشكلات تتعلق بتوفير الحرارة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتدهور البنية التحتية. تعتبر هذه المنطقة أقل كفاءة من ناحية الطاقة في العالم في إجمالي الناتج المحلي لكل وحدة طاقة مستخدمة، بالرغم من ازدياد الكفاءة بنسبة 35% منذ عام 1992، وفق تقرير تلبية الأهداف البيئية الإنمائية للألفية الجديدة. بينما تحتاج المنطقة إلى زيادة بنسبة 74% لتصل إلى نفس درجة كفاءة الطاقة في البلدان ذات مستويات تنمية مشابهة. ولهذا فالتحدي الآن مزدوج: تحديث أنظمة المنافع لتحسين الكفاءة وتحقيق لامركزية الأنظمة لجعلها مستدامة اقتصادياً. يشرح ديفيد كينيدي، اقتصادي كبير متخصص في الطاقة بالبنك الدولي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، قائلا: "هناك حاجة للبحث عن نموذج مختلف، وبالتحديد لتحويل الصناعات إلى وسائل تجارية". أنظمة الإصلاح – والاتجاهات كانت المنافع جزءاً من وزارات الحكومة (باستثناء دول يوغوسلافيا السابقة) وكانت تدار كمؤسسات موحدة وفق مباديء هندسية وليس وفق مباديء إدارة الأعمال. يقول جوليان لامبيتي، اقتصادي كبير متخصص في الطاقة في البنك الدولي في منطقة أوروبا ووسط آسيا: "تم تصميم أنظمة التدفئة ليتم الاعتماد عليها بدرجة كبيرة وكانت تحتاج إلى صمامات ومقابض قليلة للتشغيل، حتى لا تتعطل. كان هناك رأي ينادي بتوفير 18 درجة مئوية لكل شخص لمدة 90 يوماً في العام". لكن سرعان ما اتضح أن الأشخاص لا يريدون هذا القدر من الحرارة إذا طلب منهم دفع نفقاته بالكامل. إن عمليتي لامركزية أنظمة الطاقة وجعلها تجارية ستسمح للأشخاص بالتحكم في قدر الحرارة الذي يريدون استهلاكه. سيتحتم إعادة تصميم الأنظمة للتعامل مع سعة أقل ولتكون أكثر مرونة وتكون متاحة عند الطلب عوضاً عن اعتمادها على هدف هندسي هو توفير 18 درجة مئوية، كما يقول لامبيتي. غير أن إعادة هيكلة المنافع يعني رفع الأسعار أمام المستهلكين الذين قد يعارضون دفع مال مقابل الخدمات التي كانت تأتيهم مجاناً. ونظراً للصعاب التي ظهرت خلال سنوات الانتقال هذه فإن لامبيتي يقول: "هناك رأي قوي في الكثير من هذه البلدان يرى أن الحكومة مدينة لهم بشيء". "الأشخاص متحفظون جداً بشأن اضطرارهم فجأة لدفع ثمن ما كانوا يحصلون عليه دائماً مجاناً أو مقابل مبلغ بسيط، فجأة يأتي شخص ويطالبهم قائلا: "يجب أن تدفعوا ثمنه"، بالرغم من أنهم لم يدفعوا لك مرتبك كما أن مالك الذي في حسابك بالبنك قد اختفى، فبالطبع لن تدفع ثمن ذلك". بدائل غير صحية قد يؤثر رفع تكاليف الطاقة وتعطيل الخدمة على سلوك الأشخاص لدرجة كبيرة، وفي بعض الحالات، يتجهون إلى وقود أقل كلفة كالفحم والخشب للتدفئة. لكن حرق هذه المصادر للوقود لا يعتبر وسيلة ملائمة للذين يعيشون في مناطق مدنية عالية الكثافة. يقول لامبيتي: "إذا بدأت في استهلاك الخشب أو الفحم في مبنى مرتفع والذي لم يصمم لهذا النوع من الوقود، تبدأ في خلق كافة أنواع المشكلات التي قد تصل إلى إزالة الأشجار في المناطق الريفية وإلى التلوث الداخلي في شقتك نظراً لعدم وجود نظام تهوية". هدف طويل المدى: إعادة هيكلة قطاع الطاقة سيستغرق تفكيك قطاع الطاقة إلى شركات أصغر لا مركزية سنوات طويلة، كما أنه يتطلب استثمارًا. ولكن القطاع الخاص لم يتطور بدرجة كافية، ومن ثم قد يستغرق الأمر سنوات قبل توافد المستثمرين الأجانب نظرًا لأن العديد من البلدان لا تملك أطر تنظيمية كافية. شهدت بعض بلدان وسط أوروبا- المجر، وجمهورية التشيك وبولندا- تقدمًا في إضفاء الطابع التجاري والتنظيم، إلا أن الوقت لا يزال مبكرًا للتكهن بما إذا كانت الخصخصة ستثمر عن النتائج المتوقعة أم لا. يقول كينيدي: "لا يمكن إجراء الخصخصة في ليلة، ونتوقع أن نرى ثمار ذلك. فلا بد من إجرائها من خلال سلسلة من الخطوات". "من المحتمل أن تكون هناك خصخصة ضيقة النطاق في المنطقة خلال السنوات الخمس القادمة خارج البلدان المنضمة واثنين من بلدان ما قبل الانضمام [إلى الاتحاد الأوروبي]". إن هذا يعني بدوره أن هناك حاجة إلى تدخل المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي أو البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير لفترة مؤقتة تصل إلى خمسة أعوام أو أكثر. وقد أعد البنك، بالتعاون مع المنظمات الدولية* الأخرى سلسلة من السياسات ترمي إلى توجيه العمل في قطاع الطاقة. تركز السياسات* هذه على إلغاء الاحتكار، والتنظيم، الأسعار والسياسة المالية، التجارة الخارجية، سياسة الاستثمار فضلاً عن الحماية الاجتماعية والبيئية. ويقول أنيل ماركانديا، كبير أخصائي وحدة البيئة والتنمية المستدامة اجتماعيًا بالبنك الدولي، والذي ساهم في إعداد تقرير تلبية الأهداف البيئية الإنمائية للألفية الجديدة: "إن البنك حريص تمامًا على تحسين سبل توصيل الطاقة في هذه البلدان". ولكن في ضوء تحرك البلدان باتجاه إنشاء أنظمة توصيل للطاقة تمول ذاتيًا، يستطرد ماركانديا، في حديثه قائلاً: "لا بد وأن نعترف بأن أسر عديدة ستواجه مشكلة خطيرة في تحمل الإنفاق الكلي المتوقع". وفي إطار مساعدة الناس على مواكبة هذه التغيرات، يضع البنك حلولاً لتوفير شبكات السلامة الاجتماعية للأكثر فقرًا. ومن أمثلة هذا المنهج المشروع الذي يجري في بامير، طاجكستان*، وهي منطقة فقيرة تركت بدون كهرباء بعد انحلال الاتحاد السوفيتي. هذا وقد أعادت شركة خاصة إحياء نظام محطم للطاقة الكهرمائية في المنطقة بمساعدة صندوق خاص أنشأه البنك والحكومة السويسرية. أكد الصندوق أن المزود سيتمكن من تغطية التكاليف التي تحملها، بينما يسمح بتذبذب الأسعار، ومن ثم لا تتكبد الأسر الفقيرة تكلفة الكهرباء بالكامل. يشرح ماركانديا هذه النقطة قائلاً: "إنها إعانة من المقرر أن تلغى تدريجيًا خلال عشر سنوات". ثمة مخططات مشابهة جاري دراستها أيضًا في بلدان أخرى تنطوي على قدر من الحماية الاجتماعية للأسر الفقيرة. وحاليًا، يعمل البنك جاهدًا في أكثر من 30 مشروعًا* في البنية التحتية وقطاع الطاقة عبر المنطقة، بل أنه ساهم في تحسين نظام التدفئة في مدرسة فاليريو من خلال صندوق مولدوفا للاستثمار الاجتماعي*. وفي كل من كييف وأوكرانيا*، عمل البنك على تسهيل تحديث أنظمة القياس وتركيب عوازل حرارية في أكثر من 1000 مبنى، تتضمن مدارس ومستشفيات. تنويع خيارات الطاقة يعمل البنك، الذي يخطط لإصدار دراسة حول البنى التحتية للمنطقة خلال العشرة-الخمسة عشر سنة الماضية في يونية/حزيران، جاهدًا لإنشاء سوق الطاقة في جنوب شرق أوروبا* المقرر افتتاحه عام 2006. ونظرًا للحاجة الواضحة إلى أسواق إقليمية للطاقة، يدعم عمل البنك أيضًا المجهودات التعاونية التي تبذلها البلدان المجاورة لتنويع خيارات الطاقة لديها. يقول كينيدي في هذا الصدد: "تفتقر بلدان معينة إلى بدائل كهربية للتدفئة. فعلى سبيل المثال، نجد أن الكهرباء هي وسيلة التدفئة الوحيدة في المناطق الحضرية بالبلقان. هناك حاجة إلى منح الشعب فرصة لتنويع وسائل توفير الحرارة لديهم عن طريق بناء خطوط للغاز". في الوقت الذي يكون فيه سوق الطاقة للاتحاد الأوروبي مفيدًا للبلدان المنضمة، هناك مجال لتحسين التعاون الإقليمي في كل من آسيا الوسطى والقوقاز. ورغم أنهما مصممان كأنظمة متكاملة للطاقة، لم يعمل كلاهما كأنظمة طاقة متكاملة في منطقة ما بعد الشيوعية تاركين العديد من الناس منبوذين في البرد. مرافق أخرى ثمة مرافق أخرى، من بينها إمداد المياه ومعالجة مياه الفضلات والمرافق الصحية*، تمر بصعوبات مشابهة. وقد جرت العادة أن تقوم الدولة بدعم هذه الخدمات وتوصيلها من خلال مرافق تدار مركزيًا. إلا أنه بعد عام 1991، قام العديد من البلدان بخفض الدعم الحكومي المركزي بشدة وتدهورت البنية التحتية الموجودة نظرًا لعدم توافر موارد لإجراء أعمال الصيانة. بالإضافة إلى ذلك، وهنت حماية مصادر المياه، أضاف ماركانديا موضحًا أن المناطق التي تصل إليها المياه اعتادت أن تحصل على درجة أفضل من الحماية. إن إحياء الأنظمة ليس بالأمر اليسير، فلا بد من تقييم تكلفة المياه وإصلاح إدارة مرافق المياه وشبكة المجارير. وأضاف: ولكن "أناس كثيرون سيعجزون عن تحمل [أسعار المياه المرتفعة]. ورغم أن بعض المناطق الريفية لا يزال حصولها على المرافق الصحية غير كافي، تكمن المشكلة الرئيسة في تدهور خطوط الأنابيب. إن الإصلاحات لا غنى عنها، ولا سيما في بعض بلدان آسيا الوسطى، حيث أدى تلوث مصادر المياه إلى تفشي مرض التيفوئيد وغيره من الأمراض المنقولة بالمياه. صحيح أن الأمر لم يصل لحد الوباء، ولكن تواتر تفشي هذا المرض في ازدياد. يقول ماركانديا: "هناك مشكلة صحية مرتبطة بذلك". يعد الحصول على المرافق الصحية معضلة في كل من ألبانيا ورومانيا وبلدان رابطة الدول المستقلة. وفي كازاخستان، لا تفي نحو 33% من أنظمة معالجة مياه المجارير الكبيرة ومتوسطة الحجم وكذا 26% من القرى الأصغر حجمًا بمعايير الصيانة الأساسية. أما في أوكرانيا، ثمة حاجة إلى إصلاح 23% تقريبًا من خطوط الأنابيب وإعادة تأهيل 25% من أنظمة معالجة مياه المجارير. وبالنسبة لمولدوفا، تم تصميم معظم أنظمة الصرف للبقاء لمدة 20 عامًا، وقد تجاوزتها. وهناك حاجة إلى استبدال 100 كم تقريبًا من الشبكة بالإضافة إلى إصلاح معظم المعدات. تشير العلامة * إلى أن المواقع المراد تصفحها باللغة الإنجليزية. |