كولومبيا: السعي إلى تحقيق السـلام

متاح باللغة: English, Français, русский, Español, 中文
Resources

مواقع رسمية
 منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي
البنية الأساسية

موارد البنك الدولي
قصص مشروعات التنمية 360

أخبار ذات صلة
كولومبيا: فرصة للإفلات من براثن 

المكسيك: مدارس بلا مرافق لصرف مياه الأمطار
كولومبيا: السعي إلى تحقيق السـلام

29 أغسطس/آب 2005، سان مارتين، كولومبيا – ما كانت تختلف تلك الغرفة الصغيرة  ـ الواقعة على جانب دهليز قصير في مبنى مُكون من طابق واحد في قلب هذه البلدة التي تقوم على رعي الماشية ـ عن أي مكتب متهالك بعض الشيء في هذه البلدة الصغيرة.

ولكن ما تتميز به هذه الغرفة هو ذلك الميكروفون وأولئك الأشخاص الذين يستخدمونه. فهي المكان الذي يحتضن محطة الإذاعة المحلية لبلدة سان مارتين، وتجدها على التردد 97.5 على مؤشر الإف إم، حيث تقدم مزيجاً من الموسيقى والأخبار المحلية، والإعلانات العائلية، وإعلانات عن المجتمع المحلي، فضلاً عن أخبار الرياضة.

يقول خوان هيمينيز سالازار أحد الأصوات التي تقف خلف الميكروفون إن أهمية المحطة تتجاوز مجرد إذاعة موسيقى المزارع (Ranchera) التي يفضلها رعاة الماشية الذين يشكلون أغلبية سكان هذه المنطقة.

يقول سالازار، "نحن نحاول أن نتيح مساحة للناس كي يعبروا عن آرائهم، وعن أحلامهم".

إن فكرة الإعراب بحرية عن الأفكار التي ترد في النفس فكرة جديدة على مستمعي المحطة في وسط منطقة وادي نهر مجدلينا - أو ما يُطلق عليه مجدلينا الوسطى؛ هؤلاء المستمعون الذين اعتادوا أكثر حياتهم على التحفظ الشديد في إبداء آرائهم.

في ثمانينيات القرن العشرين، سيطر رجال حرب العصابات اليساريون على أجزاء شاسعة من منطقة مجدلينا، بيد أنه في العقد التالي من السنين اُضطرت معظم مجموعات حرب العصابات إلى الانسحاب إلى أعماق المناطق الجبلية. أما اليوم فتسيطر قوات "الدفاع عن النفس" شبه العسكرية اليمينية على المراكز السكانية. ويسعى كلا الجيشين غير الشرعييْن إلى السيطرة على هذه المنطقة، حيث يساعدهما معدل فقر تصل نسبته إلى 70 في المائة – رغم أنها منطقة غنية بالموارد– في الحفاظ على فيض منتظم من المجندين.

nerry
نيري إسكوبار,سكرتارية ومحاسبة في شركة طوب 

السير على الخيط الـرفيــع

وهكذا يصبح البقاء على الهواء في مجدلينا الوسطى كساعٍ على خيط رفيع بين حديث يأمنه وأخر يحذره – راغب فيما تبعثه النار من دفء دون أن يطاله لهيبها. فموظفو المحطة الثلاثة مثلاً لن يفكروا في أن يستخدموا الموجات الهوائية لحث الشباب على عدم الانضمام إلى أية منظمة غير قانونية؛ غير أنه على الجانب الآخر، تتم دعوة القساوسة البروتستانت للإذاعة من هذه المحطة، التي بدأت كمشروع للكنيسة الكاثوليكية.

يقول سالازار: "نحن نحاول أن نقول للشباب إنه يجب التمسك بقيم معينة، مثل التسامح".

في منطقة مثل هذه المنطقة، تعد هذه المحطة فكرة جديدة ودعوة للتحرر.

إن محطة الإذاعة مجرد أحد مشروعات "برنامج مجدلينا الوسطى للتنمية والسلام" و"معمل السلام" التابع له. ويبلغ مجموع مشروعات البرنامج 340 مشروعاً يشارك فيها 30 ألف شخص في كافة أرجاء المنطقة. وهو يغطي أربع مقاطعات في شمال وسط كولومبيا ويشمل 29 بلدية.

ومن بين هذه المشروعات تنظيم جمعيات تعاونية لإنتاج زيت النخيل وزراعة أشجار الكاكاو، وإنشاء برامج تعليمية تهدف إلى الحيلولة دون تسرب الطلاب من المدارس، وحلقات عمل للمجتمع المحلي حول الصحة الجنسية والصحة الإنجابية.

معدلات عالية من الفقر والجهل والقتل

يتمثل موضع عمل هذا البرنامج في منطقة تعاني من فقر مدقع (ما يقارب ثلاثة أضعاف معدل الفقر الوطني البالغ 11 في المائة)، ومعدل جهل يبلغ 20 في المائة، وارتفاع معدلات القتل (رغم انخفاضها في عام 2004) التي ترتبط بالصراعات المسلحة في البلاد.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن كسر الحلقة التي تربط ما بين الثروة والفقر والصراع المسلح؟

يقول الأب فرانسيسكو دي رو وزملاؤه الخمسة والثمانون في "برنامج مجدلينا الوسطى للتنمية والسلام" إنه يمكن كسرها، ولكن تتطلب هذه المهمة ما يطلق عليه الأب دي رو تحقيق التنمية في خضم المعركة، حيث أوار النار على أشده.

وقد ساعد الأب دي رو، القس اليسوعي النحيف هادئ الكلام ذو الواحد والستين عاماً والحاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة باريس – في تأسيس هذا البرنامج في عام 1995. وشملت مصادر التمويل الأولى كلاً من "إيكوبترول" شركة البترول التي تملكها الدولة، والكنيسة الكاثوليكية.

بدأ البنك الدولي في إتاحة المساندة في عام 1998، وذلك بتقديمه قرض من خلال الحكومة الكولومبية قدره 5 ملايين دولار أمريكي، تبعه قرض ثانٍ بقيمة خمسة ملايين دولار أمريكي في عام 2001، علماً بأن "معمل السلام" التابع للبرنامج يحصل على أغلب تمويله من الاتحاد الأوربي.

تركز كافة المشروعات على السلطة المحلية بهدف تقوية المجتمعات المحلية وتمكينها من أجل تطوير القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الضرورية لمكافحة العنف الذي يطغى على هذه المنطقة. وإن البون لشاسع لهؤلاء القوم الذين اعتادوا ألا ينطقوا ببنت شفة في شؤون حياتهم.

 إحـداث فارق

لقد أحدث البرنامج فارقاً شاسعاً في حياة إيسولينو كوينتيرو بنت الثلاثة والثلاثين عاماً. ويتذكر أحد موظفي البرنامج كيف كانت إيسولينو منذ خمس سنوات شديدة الانطواء على نفسها حتى أنها لتجلس طوال اجتماع "رابطة تنمية المجتمع المحلي" دون أن تنبس بكلمة واحدة. غير أن مواظبتها على الحضور ساعدها على أن تجهر بما يجول في خاطرها.

إن إيسولينو كوينتيرو اليوم ناشطة تسعى إلى إيجاد وبناء بيوت جديدة لما يبلغ 116 أسرة تعيش على ضفاف نهر مجدلينا، وهي منطقة تغمرها الفيضانات ثلاث مرات أو أكثر في السنة.

حدث ذات مرة أن حصلت الرابطة على أموال للمساعدة في تمويل منازل جديدة على أرض مرتفعة بعيدة عن النهر فأمرها مسئول في البلدية آنذاك بأن تودع هذه الأموال في حساب الحكومة المحلية، وإلا..، على حد قوله، "سوف آمر بقتلك". ووفقاً لما حدّثت به إيسولينو أجابته بقولها: "إن وجدوني ميتة فسوف تكون أنت المسئول".

اتضح بعد ذلك أن هذا التهديد كان مجرد جس نبض، ولكن ما أثار الدهشة الحقيقية هو جرأتها في منطقة يمكن أن يكون فيها النشاط من أجل صالح المجتمع المحلي خطراً وأي خطر.

ففي السنوات الأخيرة، تعرض 15 شخصاً يرتبطون بمشروعات برنامج التنمية والسلام في أرجاء منطقة مجدلينا الوسطي للقتل.

هل البرنامج نفسه مستهدف؟ يقول الناس في المنطقة لا. ويرى أحدهم أن عمليات القتل هذه إنما هي طريقة للتخلص من الزعماء الشعبيين الذين يتوسطون بين مجتمعاتهم ومسئولي الحكومة المحلية والإقليمية.

التقـدم الاقتصـادي

يركز كثير من الناس في مثل هذا المناخ ممن يسعون لتحسين مستوى معيشتهن على الجانب الاقتصادي دون سواه.

يدير ماكسيمو فيجا، البالغ من العمر 35 عاماً، مشتلاً لأشجار الكاكاو في الجبال فوق لاندازوري. ويستخدم ماكسيمو أساليب علمه إياها أحد موظفي برنامج التنمية والسلام في زراعة نباتات تلائم ارتفاع المنطقة وظروفها.

والهدف هو زيادة الإنتاجية إلى 2000 كيلوجرام لكل هكتار مقابل المعدل الحالي الذي يبلغ 1300 كيلوجرام لكل هكتار. وبهذه الطريقة يستحدث المزارعون اقتصاداً زراعياً محلياً، بحيث تكون لديهم مصلحة في مقاومة الضغط الذي يمارس عليهم حالياً لزراعة الكوكا. ويقدر مزارعون آخرون أن المساحة الحالية المزروعة بالكوكا تبلغ 2500 هكتار في هذه البَلديَّة.

ولا يرى ماكسيمو فيجا أن الكوكا محصول له إمكانات طويلة الأجل في هذه المنطقة، مضيفاً، "إذا زرعت الكوكا وكانت هي ما أقتات منه فماذا سأترك لأولادي إذا؟ فكل ما سيعرفونه حينئذٍ هو زراعة الكوكا".

من جانبه، فقد حقق ماكسيمو فيجا كسباً جيداً من مشتل الكاكاو الذي يضم 9 آلاف شجرة بما يكفي للشروع في بناء بيت من الطوب الآجر مُكون من أربع غرف – وبه مياه جارية وكهرباء. ويشتد الطلب على الشتلات المصممة لتراعي طبيعة الطلب بين المزارعين الذين يصل عددهم إلى 1500 مزارع ممن يعملون مع مستشاري البرنامج. ويستطرد ماكسيمو قائلاً، "لو كان عندي 100 ألف بل 200 ألف شتلة لبعتها كلها". 

من الطـوب الآجر إلى المال

كانت نيري إسكوبار البالغة من العمر 37 عاماً تنتمي إلى شبكة غير رسمية لأشخاص يعملون لحسابهم الخاص استخدموا أفران لهم محلية الصنع تم وضعها في الأفنية الخلفية لبيوتهم في صناعة الطوب.

ولكن نيري والآخرون صارعوا تلك الأيام العصيبة المريرة التي مرت بهم في تسعينيات القرن العشرين. ومع ازدياد طلب شركات البناء على الطوب، لم يستطع الطوب المصنوع يدوياً أن ينافس ما تنتجه المصانع.

ورغم الموقع الإستراتيجي لصانعي الطوب في مدينة بارانكابيرميجا – مدينة مصفاة البترول – والتي تعتبر العاصمة غير الرسمية لمجدلينا الوسطى – إلا إنه كان من الصعب عليهم الاستمرار. لذا فقد اقترح بعض موظفي البرنامج أن عليهم أن ينافسوا مصانع الطوب كتف بكتف.

مرت ست سنوات فإذا جمعية تعاونية جديدة ترى النور. افتتحت "الجمعية التعاونية لصانعي الطوب في بارانكابيرميجا" مصنعاً قيمته 745 ألف دولار أمريكي مجهزاً بماكينة لتشكيل الطوب وفرنيْن بقدرة إنتاجية تبلغ 144 ألف طوبة شهرياً.

وفي أوائل شهر يونيو/ حزيران من العام الماضي بدأ المصنع في إنتاج أول "طلبية" له وهي شحنة من 10 آلاف طوبة لإحدى شركات البناء في هذه المدينة.

لم يكتف برنامج التنمية والسلام بالتشجيع على تكوين هذه الجمعية التعاونية بل تعداه إلى المساعدة في حصولها على المنح أيضاً - من شركة "إيكوبترول" التي تملكها الدولة، من بين مصادر أخرى – ليتيح لها رأس المال المبدئي.

ولم تتضمن هذه الأموال أية إعانات مالية لمساعدة أعضاء الجمعية التعاونية على أمور حياتهم أثناء السنوات التي استغرقها تمويل المصنع وبنائه. فعاشوا على ما يكسبه أعضاء الأسرة الآخرون أو على إيجار أفرانهم إلى صانعين آخرين لم ينضموا لهذه الجمعية التعاونية.

تقول نيري إسكوبار: "عندما قابلنا الأب فرانسيسكو دي رو قال لنا، "نحن لن نعطيكم شيئاً؛ بل سوف يتعين عليكم أن تعملوا". فشجعنا هذا أكثر مما كان يمكن أن تفعله الوعود."

تعيش نيري أيضاً لتحقيق هدف يتمثل في إتاحة مستقبل أفضل لأطفالها الثلاثة البالغين من العمر 9 أعوام، و10 أعوام، و14 عاماً على التوالي. فتقول، "أريد لهم أن يصبحوا موظفين مهنيين."

يتمثل تحقيق الالتزام تجاه هذه الجمعية التعاونية في مدى التمسك بقواعد السلوك الخاص بمجدلينا الوسطى.

تقول نيري، "إن قانون الصمت هو القاعدة المتبعة". حيث كانت تحاول أن تشير إلى قرارها بعدم السعي إلى معرفة حقيقة قتل زوجها فيكتور دانيال جوميز الذي لقي مصرعه حين كانت القوات شبه العسكرية تدفع برجال العصابات إلى خارج بارانكابيرميجا. ولم يكن زوجها طرفاً في الصراع، ولكنها تقول إن توجيه الأسئلة يمكن أن يجر عليها الموت "من الأفضل أن نترك الأمور على ما هي عليه."


What do you think of this article? Send us your comments.




Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/RB2HVXOAM0