المشاورات المجتمعية أضحت أحد المبادئ التوجيهية الرئيسية لعملية إعادة البناء بعد الدمار الذي أحدثته كارثة التسونامي في العام الماضي. منحة من البنك الدولي بمبلغ 5000 دولار أمريكي لإحدى المنظمات غير الحكومية البارزة في سري لانكا، وهي منظمة سارفودايا (Lanka Jathika Sarvodaya Shramadana Sangamaya)، في وقت سابق من العام الحالي ساعدت على بدء المحادثات بين المجتمعات المحلية التي تضررت من موجات المد تسونامي في جنوب وشرق البلاد. وقد أسفرت هذه المحادثات عن تقرير سارفودايا بعنوان صوت قادة المجتمعات المحلية بعد التسونامي. وفيما يلي قصة أحد قادة المجتمعات المحلية الذي أسهم في البحث ويدعى راكافا أساجي ثيرو، وهو كاهن بوذي من معبد ماها فيهارايا أناجاما الرئيسي في قرية أناجاما بجنوب سري لانكا. 21 نوفمبر 2005- بروح من التواضع الجم الذي يطمح إليه أي بوذي، يقول كبير الكهان راكافا أساجي ثيرو في المعبد الرئيسي في أناجاما بجنوب سري لانكا، " لقد قمنا بما نقدر عليه." أما ما "يقدر عليه" وما "قام به" فيتجاوز كثيراً تقديم المأوى والطعام لأكثر من 1000 من الناجين من كارثة التسونامي كل يوم ولمدة تجاوزت الشهر. إذ قدم أساجي أيضا الإرشادات والتوجيهات للناجين، وقد نبعت مساعدته تلك من مشاعر التعاطف التي اقترنت بإدارته للمخيم التابع لمعبده بكفاءة. في كثير من القرى الساحلية التي اجتاحتها موجات التسونامي، لجأ الناس إلى المعابد البوذية والهندوسية والمساجد والكنائس. وغالباً ما كان الزعماء الدينيون هم أول من يقدم المساندة. وفي أناغام كما هو الحال في غيرها من الأماكن، هرع السكان إلى المعبد مذعورين شعّثاً وقد أصابهم الذهول من هول الكارثة غير المتوقعة التي وقعت صبيحة يومٍ عاديٍ صفت فيه السماء. ومن المعتاد في المعابد البوذية والهندوسية تقديم الطعام لأعداد كبيرة من الناس لكن توفير الملجأ والطعام وتوزيع المعونات توزيعاً منصفاً والحفاظ على النظام والانضباط وسط هذه الأعداد الضخمة كان يشكّل تحدياً أكبر من المعتاد. “يقول أساجي، "كان هناك قدر هائل من الحزن لفقدان الأطفال والأمهات." وتُعد الطقوس الجنائزية التي تشكّل في الغالب جزءاً أساسياً في تخفيف الحزن أمراً مهماً في سري لانكا. وتم تكريم الجثث التكريم اللائق في الصالة الرئيسية للمعبد، وأُجريت كافة الطقوس ثم دُفنت كل جثة في مدفن الأسرة. يقول أساجي، "حين بدأ الناس يتدفقون، لم يكن لديّ سوى ثلاث علب من الألبان المجففة كنت أحتفظ بها للطلاب الأصغر سناً من الرهبان." وسحب أساجي من موارده المالية الخاصة حيث بلغت قيمة فاتورة الطعام في اليوم الأول وحده 130 دولاراً أمريكياً (13000 روبية سري لانكية). وقام المدرسون في المدرسة الملحقة بالمعبد بإعداد طعام الغداء والعشاء المؤلف من الأرز وثلاثة أنواع من الخضار والأسماك بالكاري. ويتابع قائلأ "أدركنا أن الناس في حالة صدمة شديدة إلى درجة أننا فعلنا كل ما في وسعنا للتخفيف عنهم. كان الأطفال يشعرون برعب شديد. ولم نسمح لهم حتى بغسيل الصحون. كنت أقوم أنا بذلك أيضاً." وقد انقطع التيار الكهربائي وتعطلت الهواتف. وحين يحلُّ الظلام، كان العمل يستمر تحت أضواء القناديل والشموع. ولم يمرض أحد بسبب الحفاظ على النظافة في كل الأوقات وكانت عملية التخلص من القمامة صارمة. ورُصّت حصائر إضافية إلى جانب 75 حصيرة للنوم في المعبد واتُخذت ترتيبات للنوم في الشرفة العلوية في ضوء النجوم المتلألئة حيث كانت السماء صافية في أواخر ديسمبر/كانون الأول. ووُضعت ناموسيّات من أجل توفير الراحة اللازمة خلال الليل لهؤلاء الناجين. . تقرير سارفودايا
يوضح هذا التقرير وعنوانه صوت قادة المجتمعات المحلية فيما بعد التسونامي كيف كان للإجراءات التي اتخذها واضعو القرارات والجهات المقدمة للمساعدات ومتلقو المعونات تأثير على الوضع بعد كارثة التسونامي في شرق وجنوب سري لانكا. ويلفت هذا التقرير الانتباه إلى أسلوب فرض القرار الداعي إلى وجود منطقة فاصلة يتراوح مداها بين 100 و200 متر إلى الداخل من خط الشاطئ، وهي المنطقة التي صدر بموجبها مرسوم لحظر إعادة البناء فيها بعد وقوع الكارثة. ويدرس هذا التقرير كيف أثّر ذلك القرار على سبل كسب العيش لدى السكان. كما أنه يقدم إجابات ممكنة على التنمية الاقتصادية التي تراجعت في المناطق المتضررة من جراء موجات المد ويناقش التغيرات التي طرأت على نظام القيم في المجتمعات المحلية. علاوة على ذلك، فإنه يتناول قضية المساءلة بالبحث. وقد تم استكمال هذا التقرير في أغسطس/آب 2005. ومنذ ذلك الحين، خففت حكومة سري لانكا من تطبيق قرار المنطقة الفاصلة التي تمتد لمسافة 100/200 متر. وبموجب مجموعة القواعد الجديدة، سيتم خفض عمق المنطقة الفاصلة إلى ما بين 25 متراً و55 متراً في المناطق الجنوبية وما بين 50 متراً و100 متر في شمال شرق البلاد. |
وفي اليوم الثاني، بدأ وصول شاحنات محمّلة بالأغذية حيث اتسمت بالكرم استجابة السكان في سري لانكا الذين قدموا الأرز والخضروات وجوز الهند وغير ذلك من اللوازم. وكان أي شيء يصل كمعونات يُسجل على لوح كبير ويوزع بشفافية تحت إشراف الكاهن، الذي لم ينس أشدّ سكان القرية فقراً. ومع تدفق الأغذية، تسلم كل قروي كيلوجراماً من الأرز وعلبة من اللبن المجفف. لم يحصل المعبد على أية معونات أجنبية لكنه تلقى 1000 دولار أمريكي أرسلها طبيب سري لانكي مقيم في الولايات المتحدة للأطفال المعوزين. ويعرض أساجي الحسابات التي تم تسجيلها بدقة ورسائل الشكر التي كتبها الأطفال لذلك الطبيب، قائلا " اشتريت أحذية وأقلاماً وصناديق أدوات لمادة الرياضيات، وهي أشياء كانت ضرورية لإعادة الأطفال إلى الدراسة واستطعت كذلك أن أقدم مساعدة مالية من هذه الأموال لطفل كان بحاجة إلى عملية جراحية في القلب." ومع عودة الناجين إلى المناطق التي توجد فيها منازلهم المدمرة لتنظيفها، كان المعبد يقدم وجبات من الكاري للغداء كي يحملوها معهم. وفي كل مساء، كان الجميع يعودون ناشدين الأمن في المعبد. تقول سيدة ثرية من القرية فقدت كل شيء، "لأول مرة في حياتي أعرف معنى المعاناة." إن فهم المعاناة ومسبباتها، إلى جانب فهم أن الممتلكات الدنيوية قصيرة الأمد، هو من التعاليم الأساسية للبوذية. ويتمثل دور الكاهن البوذي في توجيه العامة إلى تحرير أنفسهم من هذه المعاناة. ومن كلمات بوذا: "الإنسان مرآة نفسه. طبيعة المرء تتجسد في أفكاره. بأفكارنا نصنع العالم." لقد قدم أساجي مأوى هادئاً ومنظماً ووجد كثيرون راحتهم هناك.

|