6 فبراير/شباط 2006 - يأتي ترتيب البلدان الجزرية في منطقة المحيط الهادئ بين أشدّ بلدان العالم عُرضة لمخاطر الكوارث الطبيعية.ففي عِقد التسعينيات من القرن الماضي وحده، أفادت التقارير بأن التكاليف التي تكبدتها منطقة الجزر الواقعة في المحيط الهادئ من جراء الكوارث الطبيعية قد بلغت 2.8 بليون دولار أمريكي. ويقول تقرير جديد بأنه لا يوجد أدنى شك في أن الكوارث التي تشهدها هذه المنطقة قد أصبحت أكثر حِدة، وأن هناك مطالبات باتخاذ إجراءات عاجلة لتخفيض المخاطر التي تواجهها هذه البلدان الجزرية. بينما كان إعصار هيتا يستجمع قوته باتجاه جزيرة ساموا الواقعة في المحيط الهادئ في أوائل عام 2004، استعاد العديد من السامويين ذكريات الآثار المروعة التي خلفها إعصار فال. فقبل حوالي 13 عاماً من ذلك التاريخ، تسبب إعصار فال في وقوع أضرار بالغة بلغت قيمتها مئات الملايين من الدولارات الأمريكية ـ أو ما يساوي 230 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لاقتصاد ساموا الصغير، فضلاً عن مقتل 13 شخصاً. لكن حكومة ساموا كانت قد شرعت، في السنوات التي تلت وقوع هذا الإعصار، في تنفيذ برنامج يستهدف تعزيز قدرات هذا البلد الجزري على مواجهة الأعاصير الأكثر شدة وتواتراً، والمتوقعة في إطار سيناريوهات تغيّر المناخ. . وفي إطار المساعدة التي قدمها فريق البنك الدولي المعني بإدارة المخاطر، عملت المجتمعات المحلية الساحلية في ساموا سوياً على وضع خرائط مواضع الأخطار، حددت فيها المناطق المُعرضة لمخاطر انجراف التربة والفيضانات والانهيارات الأرضية. وقد ساعدتها هذه الخرائط في الاتفاق على التدابير الواجب اتخاذها على نحو عاجل لتحديث أنظمة حماية خط الساحل ـ وشمل ذلك إعادة زراعة أشجار المانغروف، ونقل المناطق السكنية المُعرضة للمخاطر من المناطق الساحلية، وتحديث المصدات البحرية. وجرى تقييم حالة المرافق العامة الأساسية، كالمطارات والطرق الرئيسية والجسور والمستشفيات للوقوف على مدى تأثرها بهذه الأعاصير، ومن ثم تكييفها لتتحمل الرياح الإعصارية. وجاء الاختبار يوم أن ضرب إعصار هيتا ساموا، وكان أشدّ ضراوة من إعصار فال، رغم اختلاف مسارهما. وما إن ولى هذا الإعصار وخبت قوته، حتى وجد السامويون أن ما بذلوه من جهود لتكييف أوضاعهم قد أتت أُكلها. إذ لم تتعد فاتورة الأضرار الإجمالية التي أحدثها هذا الإعصار سوى نحو تسعة في المائة من إجمالي الناتج المحلي. يقول إيداه سواريي-ريديهوف، أخصائي إدارة الموارد الطبيعية بالبنك الدولي، "لقد أثبت إعصار هيتا أنه لا ينبغي على البلدان الجزرية الواقعة في المحيط الهادئ أن تستسلم للتغيّرات المناخية والتهديدات التي تفرضها الأخطار الطبيعية الأخرى.فقد بات مُمكناً، في ظل الالتزام الذي يبديه المجتمع المحلي والإدارات الحكومية بجميع مستوياتها، وضع تدابير عملية جداً موضع التنفيذ من شأنها تخفيض المخاطر، وإنقاذ الأرواح، فضلاً عن تحصين الاقتصاد." مساعدة كيريباتي  |  |  | | صوفيا بيتينكورت، الخبيرة الاقتصادية بالموارد الطبيعية في البنك الدولي (مرتدية رداءً وردياً)، تعمل مع ممثلين من حكومة كيريباتي بشأن برنامج التكيّف الخاص بهذا البلد. |
|  |
منذ عام 2003، يعمل فريق من البنك الدولي مع جمهورية كيريباتي ـ وهي إحدى البلدان الجزرية النائية للغاية والمُعرضة للمخاطر في المحيط الهادئ ـ لجعل تدابير التكيّف مع الأخطار الطبيعية جزءاً لا يتجزأ من جميع أوجه عمليات وضع الموازنة والتخطيط الحكومي. وجرى عقد عمليتا تشاورٍ على الصعيد الوطني، وقد ضمتا ممثلين عن جميع الجزر المأهولة من مجموعة الجزر البالغ عددها 33. وحددت هاتان العمليتان المخاطر الرئيسية التي تواجهها كل من تلك الجزر، واقترحت إستراتيجيات لكيفية التصدي لها، مثل زراعة المانغروف، وتقييد أنشطة البناء والتنمية في المناطق المُعرضة للمخاطر، وتعزيز حماية مرافق إمدادات مياه الشرب المأمونة، ورفع درجة الوعي لدى المجتمعات المحلية بهذه المخاطر. وجرى تقسيم هذه التدابير إلى مستويات من حيث درجة الإلحاح.حيث اقتضى بعضها إجراء تغييرات في سياسات الحكومة وفي القوانين الوطنية، في حين اقتضت أخرى إجراء مزيدٍ من عمليات التشاور مع المجتمعات المحلية، بينما استلزم البعض الآخر الشروع فوراً في تنفيذ أعمال هندسية. ووفقاً لمكتب رئيس جمهورية كيريباتي، الذي يضطلع بتنسيق البرنامج الذي نتج عن عمليات التشاور والذي يموله البنك الدولي، فإن عملية التكيّف كانت مسألة حياة أو موت. تقول الآنسة تيا تيرا، من مكتب الرئيس، "تشكّل القضايا البيئية، ولاسيما قضيتا تغيّر المناخ وارتفاع منسوب مياه البحر، قضايا أمنية للبلدان الجزرية المنخفضة المرجانية القاعدة، كما هو الحال بالنسبة لكيريباتي." مسألة حياة أو موت إنها قضية أمن على الأمد القصير إلى المتوسط، وتشكّل مسألة حياة أو موت لنا في الأمد البعيد. فمن الناحية العملية، تعمل تدابير التكيّف التي اعتمدها برنامجنا على اطلاع الناس على حقيقة هذه التهديدات، وتتيح لهم خيارات التعامل مع هذه التهديدات، أي أنها تزيل، إلى حد ما، أي شعور باليأس وفقدان الأمل. لقد تحقق الكثير في ظل هذا البرنامج، ولكن بكل تأكيد لا يزال الطريق أمامنا طويلاً، حيث ينبغي القيام بالمزيد في كيريباتي وفي البلدان المجاورة في هذه المنطقة." ولزيادة وعي البلدان الأخرى التي تواجه تهديدات مشابهة أو حتى أكثر سوءاً وتوجيهها، أصدر البنك الدولي مؤخراً تقريراً بعنوان، "التكيّف مع الأخطار الطبيعية في منطقة الجزر الواقعة في المحيط الهادئ: مسألة توقيت ليس إلا"، الذي يُبرز النجاحات ويحدد العوائق والتحديات التي تواجه عملية التكيّف. الحوافز السلبية خلص هذا التقرير إلى أن البلدان الجزرية الواقعة في منطقة المحيط الهادئ لديها "حوافز سلبية" في تعاملها مع الأعاصير والكوارث الطبيعية الأخرى،حيث يقول إن نزوع الجهات المانحة إلى دفع تكاليف إعادة الإعمار بعد وقوع أية كارثة طبيعية قد خلق "حافزاً سلبياً" يشجع البلدان على الانتظار، ببساطة، لحين وقوع الكارثة ومن ثم إعادة البناء. يقول ألف سيمسون، وهو واحد من بين 14 مؤلفاً وخبيراً دولياً وأحد قاطني تلك الجزر، لن يطرأ أي تغيّر يستحق الذكر حتى "تدرك الجهات المانحة والحكومات الخطر المرتبط بالاستمرار في السير في هذا الطريق." مضيفاً، "فثمة إدراك متزايد في الوقت الحالي بأن منهج "انتظار وقوع الكارثة وتخفيف آثارها" الذي سبق استخدامه لا يمكن استمراره. فالبلدان التي تنفق الوقت والمال على تدابير التكيّف باتت تجني ثمار ما بذلته من جهود في واقعها الحالي.ولكن، بينما تفضل الجهات المانحة أن تنفق أمولها على المشروعات الأكثر وضوحاً، كالطرق والمدارس، فإن لدى البلدان المُعرَضة للمخاطر دوماً حافزاً لإدراج إدارة المخاطر الطبيعية في ذيل قائمة المهام التي ينبغي عليها القيام بها." المساندة الرفيعة المستوى تتمثل إحدى القضايا الأساسية الأخرى بالنسبة لمنطقة المحيط الهادئ في أنه يتم إلقاء مسؤولية إدارة المخاطر الطبيعية في الغالب على كاهل إحدى الوزارات الصغيرة أو الضعيفة للغاية، بينما تطال الآثار الناجمة عن الكوارث الطبيعية الكثير من الوزارات، بما في ذلك وزارات التمويل والتخطيط والرعاية الصحية والأشغال العامة والزراعة والبيئة.ويوصي هذا التقرير بقوة بإيجاد هيئة مركزية واحدة ـ يُفضل أن تكون في إطار مكتب الرئيس أو مكتب رئيس الوزراء ـ للإشراف على هذا البرنامج بأسره في الوقت الذي تُحمل فيه الهيئات المُنفذة مسؤولية النتائج المُتحققة وتوفير الموارد التمويلية اللازمة. يقول إيداه سواريي-ريديهوف، الذي تولى مسؤولية برنامج التكيّف في كيريباتي في العام المنصرم، "بدون مساندة القيادة على أعلى مستوى لها، فإن أفضل النوايا، مهما توفرت، لن تجدي نفعاً. " فنظراً لأن الكوارث الطبيعية تميل إلى إنزال ما تحمل من دمار دون تمييز، فمن الضروري أن تتوفر لدى كل قطاع خطة لتخفيض المخاطر المصاحبة لهذه الأخطار الطبيعية. ويمكن أن تشمل تلك الخطط تدابير شديدة التنوع، تتراوح، على سبيل المثال، بين إعداد أطفال المدارس لما ينبغي عليهم القيام به في حالة حدوث موجة مد عاتية أو ما يُعرف بالتسونامي، وتغيير قانون البناء بحيث تصبح المباني مقاومة للأعاصير." التنبؤات المتعلقة بتغيّر المناخ تؤكد التنبؤات المتعلقة بتغيّر المناخ تزايد تعرض منطقة الجزر الواقعة في المحيط الهادئ للأخطار الطبيعية. فإلى جانب ازدياد شدة الأعاصير وتزايد ارتفاع الموجات المُصاحبة لها بصورة بالغة، هناك آثار اقتصادية مُطردة بسبب الكوارث التي تصيب منطقة المحيط الهادئ. ووفقاً لأحدث التنبؤات بتغيّر المناخ، من المُمكن أن تواجه فيجي، على سبيل المثال، ارتفاعاً بنسبة 100 في المائة في حجم الأضرار الناجمة عن الأعاصير، وارتفاعاً بنسبة 20-30 في المائة في الإصابات المُحتملة بحمى الدنك، وانخفاضاً بنسبة 9-15 في المائة في غلال المحاصيل الزراعية الرئيسية. يقول إيداه سواريي-ريديهوف، "إذا لم تقم البلدان الواقعة في منطقة المحيط الهادئ بأخذ مسألة التكيّف على محمل الجد، فمن المُحتمل أن يكون للآثار الناجمة عن تغيّر المناخ أثر شديد على الفقراء. وحيث إن الأعاصير آخذة في الازدياد من حيث تواترها وشدتها، فإننا سنرى إمدادات مياه الشرب وقد غمرتها مياه البحار، والمحاصيل وقد تعرضت للدمار، ناهيك عن تفشي الأمراض التي يحملها البعوض. وهذا ما يجعلنا نقول إن قضية التكيّف مسألة توقيت ليس إلا." |