حُسن نظام الإدارة والتنمية: حان وقت اتخاذ الإجراءات اللازمة

 

كلمة بول ولفويتز

رئيس البنك الدولي

جاكرتا، إندونيسيا

11 أبريل/نيسان 2006

 

قبل عشرين سنة وفي مثل هذا الشهر، وصلت إلى إندونيسيا سفيراً للولايات المتحدة الأمريكية. ولم أكن أعلم في ذلك الوقت مدى تعلّّّقي بهذا البلد الرائع وشدة تأثّري بلطف وحنوّ وشجاعة شعبكم الكريم. ويسعدني أنني أتمتّع بصداقات حميمة وعميقة مع العديدين من بينكم – صداقات تركت أثراً عميقاً على حياتي المهنية والشخصية.

ومن الممتع رؤية العديد من أصدقائي القدامى بين الحاضرين في هذا المكان هذا المساء، وربّما ليس من المستغرب أن أفضل الكلمات تعبيراً عن مشاعري في لغة الباهاسا هي "pulang kampong". وتُُُُسعدني كثيراً العودة إلى موطني إندونيسيا مرة ثانية.

وأود أيضاً أن أُعرب عن الشكر من صميم قلبي للجهتين الراعيتين لهذا اللقاء، فلقد عملتا بجد واجتهاد لجعله ممكناً. فمجلة Tempo ليست بحاجة إلى تعريفكم عليها وتقديمها لكم. ففي ظل قيادتها الشجاعة والذكية – بما في ذلك أصدقائي منذ زمن طويل بامبانغ هاريمرتي وغوناوان محمد وفكري جفري – وقفت على مدى فترة طويلة في طليعة كفاح إندونيسيا من أجل حرية التعبير. فالانتصار الذي أحرزه بامبانغ في المحكمة العليا في الآونة الأخيرة يحمي ويصون القيَم التي تحظى بالأهمية لدى الشعب الإندونيسي. ويشرّفني أن أقف بينكم الآن للمساعدة في الاحتفال بمدة 35 سنة من المثابرة والإنجازات التي تم تحقيقها. ولقد أسهم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بدور فعال في مسيرة إندونيسيا الفكرية طوال السنوات الثلاثين الماضية. وجرى الحفاظ على أعلى معايير النزاهة الفكرية حتى حين كان لذلك ثمن باهظ.

الواقع أن التغيّر الذي حدث في إندونيسيا في السنوات العشرين الماضية مثير للإعجاب. فعدد السكان ازداد من 166 مليوناً حين وصلت لأول مرة للقيام بعملي كسفير إلى 212 مليوناً حالياً. ففي السنوات العشرين الماضية، تضاعف متوسط دخل الفرد في إندونيسيا. كما أن نسبة من يعيشون في فقر مدقع - أي الذين يعيشون على دخل يومي يبلغ دولار أمريكي واحد أو أقل - انخفضت بشدة من 28 في المائة قبل 20 سنة إلى حوالي 5 في المائة – على الرغم من ضرورة إدراك أن هذه النسبة تعني 11 مليون شخص، وهذا عدد كبير جداً.


هذه المكاسب التي تحققت رائعة حسب أية معايير دولية. وهي تبدو أكثر عظمة حين نأخذ في الاعتبار الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت هذه البلاد قبل ثماني سنوات. فالانهيار المالي الذي حدث في أواخر تسعينيات القرن العشرين كان نكسة ساحقة للاقتصاد الإندونيسي. ففي سنة واحدة – من 1997 إلى 1998 – هبط إجمالي الناتج المحلي بنسبة بلغت 13 في المائة. وحسب التقديرات المحافظة، كلّف ذلك الانهيار إندونيسيا حوالي 40 بليون دولار أمريكي. واعتقد العديد من الناس في ذلك الوقت أن انتعاش إندونيسيا سيستغرق زمناً طويلاً. كما تساءل البعض عما إذا كان يمكنها البقاء والاستمرار كدولة موحّدة.  إلا أنها وقفت على قدميها مرة ثانية مع انتعاشٍ قوي لاقتصادها والتحوّلٍ غير العادي حقّاً الذي شهدته إلى الديمقراطية.

ومع أنه مازالت توجد مشاكل كبيرة، ومازال على الاقتصاد قطع شوط طويل قبل الوفاء بوعوده الحقيقية، فقد أظهرت السنوات القليلة الماضية قدرة إندونيسيا على النهوض والتغلب على تحديات هائلة. فلقد تخطّيتم أحد المعالم الرئيسية على طريق التنمية الديمقراطية – أي عمليتين متتاليتين من عمليات انتخاب رئيس للجمهورية تم إجراؤهما في جو من الحرية والإنصاف. وكما نوّه يوسف وبامبانغ معاً، حين غادرت إندونيسيا عند انتهاء مهامي كسفير أطلقتُ نداءً من أجل زيادة الانفتاح السياسي في هذا البلد وأعربتُ عن اعتقادي أن البلد يحتاج ذلك وهو أيضاً مستعدّ له. علماً بأن التغييرات في هذا الخصوص سريعة وكبيرة ولو أنها استغرقت بعض الوقت. فالصحافة التي كانت تخضع لرقابة شديدة وصارمة أصبحت الآن حرّة، مما يجلب كافة المزايا والتحديات التي تترافق مع هذا الانفتاح، وإنني متعاطف مع زملائي في الحكومة الإندونيسية. فالأمور صعبة في بعض الأحيان، ولكن ذلك ما يجعل العمل أفضل في النهاية.

البرلمان الذي كان سابقاً ذراعاً يخدم مصالح الرؤساء أصبح الآن منتدى مفعماً بالنشاط والحيوية يشهد المناقشات والكوابح الهامة للسلطة التنفيذية، بحيث لا تتجاوز الصلاحيات الممنوحة لها وفقاً للقوانين. ومما يتمتع بنفس المستوى من الأهمية ظهور المجتمع المدني القوي الذي يضم: المنظمات الدينية على الصعيد الوطني، ونظام المدارس المعروف باسم pesantrem (المدارس الإسلامية التقليدية)، والصحافة التي ظلت قوية ونابضة بالحياة رغماً عن الرقابة، وروح التعاون المتأصّلة عميقاً التي تعرب عنها اللغة الجاوية بعبارة gotong royong.

ومع ذلك، مازالت هناك تحديات هائلة في السير على طريق التنمية. فالاستثمار مازال منخفضاً. والواقع أنه هبط من نسبة 30 في المائة من إجمالي الناتج المحلي إلى 20 في المائة منذ الأزمة – وهذه نسبة أدنى بكثير مما في البلدان الآسيوية المجاورة لإندونيسيا. وتمسّ الحاجة إلى فرص العمل الجديدة، ولاسيما من أجل الشباب الذين يعاني ثلثهم من البطالة. كما أن نوعية خدمات التعليم والرعاية الصحية والبنية الأساسية ليست كما ينبغي أن تكون. وطبعاً لا تحتاجون جميعاً إلى من يذكّركم بأن الطبيعة غالباً ما لا تكون رحيمة بإندونيسيا. فهذا البلد واقع في منطقة تتعرض بانتظام لضربات الزلازل وثورات البراكين وهبوب الأعاصير الاستوائية. ولكن موجات التسونامي التي ضربت أتشيه ونياس قبل عام من شهر ديسمبر الماضي تعتبر من أسوء الكوارث الطبيعية التي حدثت في مدة مائة عام. ويضيف التحدي الماثل في الانتعاش من تلك الكارثة الضخمة عبئاً هائلاً إلى التحديات الكبيرة الماثلة أمام عملية التنمية.

أظهر الرئيس يودويونو والفريق العامل معه إرادة سياسية قوية في التصدي لهذه التحديات. ولكنهم يواجهون مهمة صعبة تتمثّل في الانتقال من قطع الوعود إلى تحقيق النتائج – وإحداث فرق حقيقي في حياة ملايين الإندونيسيين.

 في الأشهر العشرة التي انقضت منذ تسلّمت مهام عملي في البنك الدولي، قمت بزيارة بلدان نامية في مناطق: أفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب آسيا، وشرق آسيا، وأمريكا اللاتينية والتقيت أشخاصاً من شتى المِهن ومناحي الحياة. وسمعت الشيء نفسه من بلدان شديدة الاختلاف. فالناس يودون الحصول على الفُرص، وهم يريدون تحقيق مستقبل أفضل لأبنائهم. ولكن هذه الآمال لا تتحقّق بدون الحكومة الجيدة التي يمكنها الوفاء بوعودها، الحكومة التي تصغي لمواطنيها وتعاملهم بإنصاف. وأقولها بصراحة ووضوح، يحتاج الناس إلى الحكومة التي تقوم بعملها على نحو يحقق النجاح في مهامها.


في السنوات الخمسين الماضية، ازداد فهمنا لما يساعد الحكومات في القيام بوظائفها على نحو يتسم بالفعالية ويؤدي إلى تحقيق التقدّم الاقتصادي المنشود. ونطلق على ذلك في أوساط العاملين في مجال التنمية اسم      " حُسنُ نظام الإدارة العامة ". وهو بصورة أساسية مزيج من: المؤسسات المتسمة بالشفافية والخاضعة للمساءلة، والمهارات والقدرات القوية، والرغبة الجوهرية في فعل ما هو صحيح. فهذه هي الأمور التي تمكّن الحكومة المعنية من تقديم الخدمات إلى شعبها على نحو يتسم بالكفاءة.

ويعتبر جهاز القضاء المستقل والصحافة الحرّة والمجتمع المدني القوي من بين العناصر الهامة التي يتكّون منها حُسنُ نظام الإدارة العامة. حيث أن هذه العناصر توازن سلطة الحكومات وتخضعها للمساءلة بشأن: تقديم الخدمات، وخلق فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة. ومع أنه يمكن لبعض البلدان تحقيق النمو للعديد من السنوات بدون كافة هذه العوامل – والواقع أن تاريخ إندونيسيا في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين يوضح ذلك بصورة جيدة - غير أن الأزمة الاقتصادية المُدمّرة التي أعقبت ذلك في هذه البلاد تُظهر مدى هشاشة وضعف النمو حين تكون المؤسسات التي تُبقي الحكومات خاضعة للمساءلة ومتسمة بالشفافية ومتمتعة بروح المسؤولية مؤسسات ضعيفة أصلاً.

الأزمة التي ضربت آسيا قبل حوالي 8 سنوات أظهرت – بأوضح صورة في إندونيسيا – أن الفساد هو غالباً السبب الجذري لإخفاق الحكومات في القيام بوظائفها كما يجب. فالفساد يعتبر حالياً من أكبر الأخطار التي تتهدّد عملية التنمية في العديد من البلدان – بما في ذلك هذا البلد على ما أعتقد. فهو يؤدي إلى: ضعف الأنظمة والأجهزة الأساسية، وتشويه الأسواق، وبذلك يشجع الناس على استخدام مهاراتهم وطاقاتهم في طرق غير منتجة. والحكومات والمواطنون هم من يدفع الثمن في النهاية، ويتمثّل ذلك في: انخفاض كل من الدخل والاستثمار، وازدياد التقلّبات الاقتصادية. وهذا درس تعلّمته إندونيسيا بطريقة صعبة. فالفساد أسهم إلى حد كبير في الانهيار الاقتصادي الذي وقع في الفترة 1997-1998. وهو الآن يشكل عقبة كبيرة أمام تحقيق نجاح عملية التنمية التي أعتقد أن إندونيسيا قادرة عليها – والتي يستحقها الشعب الإندونيسي.

لا يكتفي الفساد بتقويض قدرة الحكومات على القيام بوظائفها على الوجه الصحيح، بل يؤدي أيضاً إلى خنق نمو القطاع الخاص. نسمع من المستثمرين – المحليين والأجانب على السواء – حيث يُقلقهم أنه حيثما انتشر الفساد واستشرى: تصبح التعاقدات غير قابلة للتنفيذ، ويجري تشويه المنافسة، وتصبح تكاليف القيام بأنشطة الأعمال التجارية خانقة. وعندما يرى المستثمرون ذلك يحدث، فإنهم يأخذون أموالهم لاستثمارها في أماكن أخرى.

وفي سبيل إعطاء فكرة، يقول استطلاع استقصائي أن نسبة 56 في المائة من الشركات في إندونيسيا على استعداد لدفع المزيد من الضرائب – والواقع أن نصفها مستعد لدفع نسبة في حدود 5 في المائة من إيراداتها – إذا كان بالإمكان القضاء على الفساد. وحين يعرض رجال الأعمال دفع المزيد من الضرائب من أجل حل مشكلة، فإن ذلك مؤشر على أن تلك المشكلة حقيقية.

يزدهر الفساد في البلدان التي يواجه فيها المستثمرون من القطاع الخاص إجراءات مرهقة ولوائح تنظيمية مفرطة. وعندما يتطلب الأمر تراخيص زائدة عن اللازم من أجل البدء في مشروع عمل تجاري وتواقيع زائدة عن اللازم من أجل استيراد السلع، فإن ذلك يخلق فرص إساءة استخدام الصلاحيات وحدوث الفساد.

من بين أهم الأدوات وأكثرها فائدة في مجموعة البنك الدولي شيء بدأناه قبل بضعة سنوات وهو تقرير سنوي بعنوان القيام بأنشطة الأعمال التجارية ينظر في بيئة الاستثمار في 155 دولة حول العالم، ويصنّفها ترتيبيّاً في زمر مختلفة حسب سهولة القيام بأنشطة الأعمال التجارية فيها. لهذا التحليل على ما أعتقد أثره في إندونيسيا. وحين علمت الحكومة الجديدة في عام 2004 أن إنشاء مؤسسة أعمال تجارية جديدة يستغرق 151 يوماً – ثلاثة أمثال متوسط المدة في هذه المنطقة – أعلن الرئيس الإندونيسي العزم على تخفيض المدة إلى 30 يوماً. وتبيّن تقديراتنا أن المدة اللازمة لإنشاء مؤسسة أعمال تجارية انخفضت فعلاً إلى ما دون 80 يوماً، ونأمل أن تتمكن الحكومة من تخفيضها إلى المستوى المنشود. فهذا ما سيكون قصة نجاح رائعة.

ولكن الحكومة تواجه العديد من التحديات التي مازالت أمامها. فتسجيل مؤسسة أعمال جديدة يكلّف أصحاب المؤسسات الإندونيسيين ما يعادل دخل سنة كاملة ، وما يزيد على ثلاثة أمثال ونصف دخلهم السنوي للحصول على كافة التصاريح والتراخيص اللازمة. 

ولكن ربما كان تنفيذ التعاقدات هو أكثر التحديات أهمية. وعلى هذا الصعيد، يقع ترتيب إندونيسيا بين الأدنى في العالم – 145 من أصل 155. والواقع أن عدم ثقة المستثمرين في النظام القانوني المعني هو من بين المشاكل التي أدت إلى هبوط مستوى الاستثمار إلى ما يبلغ نصف مستواه في الدول المجاورة التي تشهد نمواً اقتصادياً سريعاً.

شرعت إندونيسيا فعلاً بالتصدّي لبعض هذه التحديات الصعبة. فقد أطلق الرئيس يودويونو حملة قوية لمكافحة الفساد، وهي تُخضع مسئولي القطاع العام للمساءلة على كافة المستويات الحكومية.

وأصبحت مؤسسات جديدة قادرة تقوم بعملها وتعطي نتائج، منها لجنة مكافحة الفساد، ومحكمة مكافحة الفساد، واللجنة القضائية، و Timtastipikor. كما أن مؤسسات كلجنة المراجعة العليا ومكتب المدعي العام أخذت تُظهر قوة جديدة في عملها.

والأهم من ذلك الإجراءات التي يتم اتخاذها لتخفيض فرص وحوافز الفساد، وهي تحت قيادة فريق من الخبراء الاقتصاديين الممتازين. [حين كان باك بويديونو وزيراً للمالية، بدأ خطة إصلاح شاملة على: إدارة شؤون الإيرادات، وأنظمة الخزانة العامة، والضرائب، والجمارك. أما اليوم، فإن سري مولياني يدفع بهذه الإصلاحات إلى الأمام بكل جرأة]. 

يسرّني أن مجموعة البنك الدولي تقوم بتقديم المساعدة في هذا المجال، وسأجتمع مع الحكومة أثناء زيارتي هذه لنرى كيف يمكننا فعل المزيد.

نعرف أنه حين لا تقوم الحكومات بعملها بنجاح، فإن المساعدات الإنمائية التي نقوم بتقديمها لتلك الحكومات لا تنجح في تحقيق هدفها أيضاً.

ويعني هذا حرمان الأطفال من التعليم الذي يحتاجونه، وحرمان الأمهات من الرعاية الصحية التي تستحقها، وحرمان البلدان من المؤسسات اللازمة لتحقيق نتائج حقيقية.

ولكن حين تقوم الحكومات بعملها بنجاح فعلاً - حين تتصدى للفساد وتقوم بتحسين سيادة القانون – فإنه يمكنها زيادة الدخل القومي بحوالي أربعة أمثال في الأمد الطويل.

لم يدرك البنك الدولي لأول مرة إلا قبل عشر سنوات أن الفساد عقبة كأداء أمام التنمية. ولكن منذ ذلك الحين، أصبح يقود جماعة الفاعلين في مجال التنمية في التصدّي لهذه المشكلة الشديدة الخطورة والمُهملة منذ زمن طويل. 

قمنا ببحوث طليعية تستهدف تحسين فهم الأسباب الجذرية للفساد. ونحن نتعلم من تجارب وخبرات البلدان في مختلف مناطق العالم ونقوم بتضمين عملياتنا وبحوثنا وحواراتنا مع البلدان الشريكة لنا إجراءات لمكافحة الفساد. ولكن من الضروري فعل المزيد في هذا الخصوص. فمكافحة الفساد التزام طويل الأمد. ومن غير الممكن توقّع تحقيق النتائج على الفور.

ما يمكننا العمل من أجله هو التقدّم المستمر والثابت نحو إقامة مؤسسات تتسم بالشفافية وتخضع للمساءلة. ولهذا تتطلب مكافحة الفساد استراتيجية طويلة الأمد تقوم بالتصدي لهذه المشكلة على نحو منهجي وبصورة تصاعدية. ولهذا تتطلب أية استراتيجية لحل مشكلة ما التزام ومشاركة كل من: الحكومات، والمواطنين، ومؤسسات الأعمال في القطاع الخاص.

وجهت الصحف في الآونة الأخيرة بعض الاهتمام لعدد من الإجراءات التي قمنا باتخاذها لوقف القروض إلى مشروعات قائمة ظهرت فيها مخاوف من وقوع الفساد. ويعتبر هذا الأمر جزءاً هامّاً من أية استراتيجية يعتمدها البنك الدولي لمعالجة هذه المشكلة. ولكنه ليس سوى جزء، وهو ليس الجزء الأكثر أهمية. فتعليق أو وقف القروض إلى المشروعات التي تظهر فيها مشكلة الفساد لا يؤدي وحده إلى النتائج الفعالة من أجل الفقراء. بل ينبغي القيام بما هو أكثر من ذلك.

فالبنك الدولي يقوم اليوم بتصعيد جهود تحسين أنظمة الإدارة العامة ومكافحة الفساد على ثلاث جبهات مختلفة، واسمحوا لي أن أصفها لكم. هنالك أولاً النهج القُطري. فنحن نعمل لإحداث توسيع كبير لعملنا على مكافحة الفساد على مستوى البلدان – وذلك لكي نقدّم للبلدان الشريكة لنا المساندة التي تحتاجها في تنفيذ الإصلاحات اللازمة. ومن شأن ذلك أن يتضمّن الاستثمار في الخبرة المتخصّصة من أجل مكافحة الفساد ومساندة أفرقتنا الميدانية بردفها بخبراء مختصّين بنظام الإدارة العامة. سأطلب من جهاز موظفي البنك الدولي العاملين في بلدان مخاطر الفساد فيها عالية وضع استراتيجية تستهدف تعبئة كافة أدوات البنك الدولي – القروض، والمنح، والبحوث، والمساعدة الفنية، والاستثمارات في القطاع الخاص – من أجل تدعيم أنظمة الإدارة العامة ومكافحة الفساد. سنقوم بزيادة استثماراتنا في مجالات رئيسية كإصلاح: أجهزة القضاء، وأجهزة الخدمة المدنية، ووسائل الإعلام وحرّية المعلومات، مع لامركزية عمليات تقديم الخدمات العامة.

الاستراتيجية القُطرية التي اعتمدتها مجموعة البنك الدولي بشأن إندونيسيا هي في عدة طرق استراتيجية تقود البنك الدولي برمّته. وهي تؤكّد بصورة خاصة على نظام الإدارة العامة. وفي إطار الشراكة مع الحكومة الإندونيسية، سنخصص مبلغ 900 مليون دولار أمريكي في هذه السنة لتدعيم حُسن نظام الإدارة العامة، بهدف تحسين تقديم الخدمات في مجالات التعليم والرعاية الصحية والخدمات الضرورية الأخرى وتعزيز مناخ الاستثمار. مؤشراتنا الخاصة بنظام الإدارة العامة تُظهر فعلاً أن إندونيسيا تحقق تقدّماً في السيطرة على الفساد – فقد انتقل ترتيبها من 16 – قريباً من الأسفل -  في عام 2002 إلى 40 حالياً من بين حوالي 200 دولة، حيث الأرقام الأكبر هي الأفضل. ومن الواضح أن ترتيبها مازال شديد الانخفاض وينبغي القيام بالمزيد من الجهود، ولكن هذا التقدّم يوحي بأن من الممكن تحقيق المزيد وذلك ما يحدث فعلاً. في بلدان كإندونيسيا حيث الحكومة ملتزمة بمكافحة الفساد، يمكن لمواردنا وخبراتنا إحداث فرق.

ثانياً، نقوم بتنفيذ نظام جديد من أجل تقليل مخاطر الفساد في المشروعات التي يموّلها البنك الدولي. وتم تطوير العديد من عناصر هذا النظام هنا في إندونيسيا وإنني راغب في نقلها إلى بلدان أخرى. وسنقوم في العديد من مكاتبنا في البلدان بنشر أفرقة متخصصة في مكافحة الفساد لكي تعمل على حماية مشروعاتنا وتدعيم عملية التوريدات العامة بالتعاون مع المؤسسات المحلية المعنية، كوحدات مراجعة الحسابات الحكومية ولجان مكافحة الفساد. كما نقوم بتغيير طريقة تصميم المشروعات، وذلك لكي تعالج الحوافز والفرص بهدف مكافحة الفساد من البداية.

 وأثناء زيارتي القصيرة هذه، رأيت ناجين من أمواج التسونامي في أتشيه يقومون بإدارة والعمل على مشروعات إعادة الإعمار، ورأيت أرامل يستخدمن مبالغ تمويلية بالغة الصغر لتحسين حياة أُسرهنّ، وتحدّثت إلى قرويين محليين في سولاويسي كانوا يتخذون قرارات بشأن اختيار المشروعات التي ينبغي تنفيذها. وفي كافة هذه المشروعات، يقوم المجتمع المحلي بتحديد مكان الاستثمارات. وهو الذي يتحكّم بالموارد التمويلية ويرصد ويتابع نتائج المشروعات. وكانت النتيجة المزيد من القيمة مقابل كل روبية تم إنفاقها مع انخفاض واضح في مستويات الفساد. 

نقوم حالياً بوضع إستراتيجيات لمكافحة الفساد من أجل مشروعات البنك الدولي، كما نقوم بعرض هذه الاستراتيجيات على شبكة الإنترنت لكي يرى أصحاب المصلحة المباشرة في عملنا الخطوات التي نقوم بها للتأكد من أن مواردهم لا يتم تحويلها عن وجهتها الصحيحة. ومكتبنا في جاكرتا هو كما أخبرتكم من بين أوائل القائمين بهذا المجهود في مجموعة البنك الدولي. ونقوم بتمكين وحدة التحقيقات لدينا بردفها بما يلزم من موظفين ومهارات وموارد لاكتشاف الاحتيال ومتابعة مزاعم الفساد في المشروعات التي يمولها البنك الدولي، ولاسيما المشروعات عالية المخاطر.


وثالثاً، نحن ملتزمون بتوسيع شراكاتنا مع مجموعة واسعة من الفئات والمجموعات التي لها مصلحة مباشرة في تحسين نظام الإدارة العامة الخاص بها. والقطاع الخاص شريك من بين أكثر الشركاء أهمية في مختلف مناطق العالم. ومع أنه توجد شركات يمكن أن تستغل ضعف أنظمة الإدارة العامة في تغيير مجال المنافسة، فإن القطاع الخاص بمجموعه هو الخاسر الأكبر حين يستشري الفساد ويجري تقويض سيادة القانون. وهذه الخسارة تؤذي بدورها المجتمع على هيئة خسارة في النمو وفرص العمل. وسنعمل على زيادة وثوق عملنا مع الشركات والأفراد بغية تحديد إساءات استخدام الموارد المالية في مشروعات القطاع الخاص التي يموّلها البنك الدولي.

بنوك التنمية المتعددة الأطراف تعبر شريكاً هامّاً آخر، وعقد رؤساء تلك البنوك اجتماعاً قبل عدة أسابيع واتفقنا على وضع نهج مشترك تجاه تلك المشكلة. ولأول مرة، قمنا جميعاً بتحديد هذه المشكلة باعتبارها عقبة كبيرة أمام تخفيض أعداد الفقراء وتقليص الفقر. ونعمل حالياً على وضع استراتيجية مشتركة من أجل إحداث قائمة سوداء تضم أسماء الشركات التي تتورط في الفساد في مشروعاتنا، ومن ثم تبادل المعلومات عن تلك الشركات، فإذا سرق أحدهم من مشروع ما لا يمكنه أن يسرق من مشروع آخر. وأعتقد أن من الجيّد قيام كافة المؤسسات المعنية بإدراج وإعلان أسماء الشركات والأشخاص الذين يتورطون في الرشاوى في المشروعات في القائمة السوداء، أُسوةً بما يفعله البنك الدولي.

ليس الفساد مشكلة ينبغي على البلدان النامية فحسب معالجتها.  فعلى البلدان المتقدّمة مسؤولية كبيرة. والواقع أن في كل واقعة فساد يوجد لسوء الحظ طرفان على الأقل – وأحياناً أكثر من طرفين – وغالباً ما يكون الطرف الراشي من بلد متقدّم. وعلى البلدان المتقدمة فعل المزيد من أجل منع ذلك. وعليها أيضاً القيام بالمزيد من أجل منع نقل النقود المسروقة إلى حسابات في بنوك أجنبية، ومساءلة شركات القطاع الخاص المعنية إذا قامت بتصدير الفساد إلى الاقتصادات الناشئة.

يعتبر المجتمع المدني في كل البلدان من بين أكثر شركائنا أهمية. وسنعمل مع مجموعات المجتمع المدني لأنها عامل رئيسي في مساءلة الحكومات. وسألتقي غداً رؤساء ما أظن أنها أكبر المنظمات الإسلامية في العالم، الذين يمثلون ملايين الأعضاء في مختلف مناطق إندونيسيا. ومن بين الموضوعات التي سيتم طرحها استطلاع كيف يمكن للبنك الدولي العمل مع منظمات المجتمع المدني الكبيرة والهامة هذه للمساعدة في التأكد من أن المعونات بالدولارات الأمريكية تذهب فعلاً إلى المجتمعات المحلية الموجّهة إليها.

ختاماً، لا يكفي تنفيذ القرارات والإجراءات لوحده في معالجة الفساد. فمقدار ما نقوم به وما نحققه من تقدم يتوقف على رغبة الحكومات والمجتمع المدني على السواء في خلق الوضع السليم من أجل التنمية القوية المستدامة. وتحدث أكبر التغييرات عندما تتغير أفكار الناس. وفي العديد من البلدان، لم يعد الناس متسامحين مع الفساد كما كانوا في الماضي. فالطبقة الوسطى المتزايدة والمستقلة عن الحكومة يزداد طلبها قيام الحكومات بتحسين أدائها. ويمكن لتوسيع نطاق شبكات الأمان الاجتماعي تقليل اعتماد المواطنين الفقراء على الأسياد التقليديين الأقوياء. والأمر الجيد في إندونيسيا هو أن الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية التي جرت في السنوات الأربعين الماضية أدت إلى خلق طلب على الحكومات وأساليب الحكم التي تنجح في عملها. ويدرك شعب إندونيسيا أنه مع نظام الإدارة العامة الشفاف والداعم للمساءلة لديهم فرصة أفضل من أجل: تحقيق تقليص الفقر وتخفيض أعداد الفقراء، وتحسين نوعية حياتهم، وتأمين مستقبل أفضل لأطفالهم.

أعرب رئيس بلدية ديبوك المنتخب حديثاً – نور ماحمدي إسماعيل – عن قناعة مماثلة حين قال " حلمي أن يقوم جهاز الموظفين عندي بتغيير توجههم من الاعتقاد بأنهم أشخاص ذوو نفوذ إلى الاعتقاد بأنهم خدّام للشعب ".

على الرغم من العديد من التحديات الواضحة، فإنني متفائل بشدة بشأن مستقبل هذا البلد العظيم. وأود استخدام طاقات البنك الدولي كاملة في مساعدتكم في هذه الأوقات المليئة بما يثير الحماس.

قمت صباح هذا اليوم بزيارة ضريح صديقي الصّالح نوركوليس ماجد أو كاك نور كما تعرفونه جميعاً. فحياته – التي انتهت في غير موعدها قبل بضعة أشهر – تساعد في إيضاح سبب حبّي الكبير لهذه البلاد، وسبب أملي وتفاؤلي في مستقبلها. فقد كان رجلاً ذا مواهب غير عادية وإنسانية عميقة نابعة من إيمان عميق. عندما فكر لفترة قصيرة في ترشيح نفسه لمنصب الرئاسة قبل عامين اثنين، وضع عشرة مبادئ من أجل إرشاد وتوجيه عمل الحكومة. كان أول اثنين منها " تشجيع حُسن نظام الإدارة العامة " و " دعم سيادة القانون ". وإنني أومن بهاتين الأولويتين ليس فقط من أجل إندونيسيا، بل كمبدأين رئيسيين من أجل علاقات مجموعة البنك الدولي مع كافة شركائنا. وإنني أشترك في هذين المبدأين مع القيادة الإندونيسية الحالية ومع الشعب الإندونيسي، وهذا يمنحنا الأسباب كاملة لكي نكون مفعمين بالأمل والتفاؤل بالمستقبل. وشكراً لكم.       

أخبار ذات صلة

_______________________________________________________________





Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/G33MOCGI50