البنك الدولي يساند مشروعات خاصة لإنقاذ الجنود الأطفال في دول منطقة "البحيرات الكبرى" في أفريقيا
مايو/أيار 2006 - تقول كبيرة أخصائيي التنمية الاجتماعية بالبنك الدولي روازان دي بوركا إن هناك أطفالاً تصل أعمارهم إلى ست أو سبع سنوات يحملون السلاح في منطقة أفريقيا الوسطى المضطربة المعروفة باسم "البحيرات الكبرى".
فعلى مدار العقود الماضية، كانت مجموعات مسلحة من الجنود النظاميين وغير النظاميين في رواندا وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأنغولا وبوروندي وأوغندا تقوم بخطف الأطفال من أحضان أسرهم أو من قراهم أو مدارسهم أو مخيمات اللاجئين في غارات غالباً ما تحوّل هؤلاء الأطفال إلى أيتام.
أما أطفال الشوارع، الذين لا يتمتعون بالفعل بأية حماية والمعرضون للمخاطر، فكانوا صيداً سهلاً.
ثمّ يبدأ تعليم الأطفال كيف يصبحون جنوداً ـ أي كيف يحملون السلاح ويقتلون.
وتم تدريب بعض الأطفال كي يتحولوا إلى جواسيس أو اًستخدموا حمّالين أو طباخين أو تم تسخيرهم في الممارسات الجنسية.
تقول دي بوركا إن تلك القوات وجدت أن الأطفال يسهل قيادتهم واستغلالهم .. ويمكن الاستفادة منهم. ودي بوركا عضو في فريق معني بمساندة المشروعات الخاصة للجنود الأطفال في جمهورية الكونغو الديمقراطية وذلك في إطار البرنامج المتعدد الأقطار للتسريح وإعادة الإدماج.
مشكلة عالمية
أكثر من 3 ملايين طفل يشاركون حالياً في صراعات مسلحة في أنحاء العالم.
ـ البرنامج المتعدد الأقطار للتسريح والإدماج
والبنك الدولي شريك أساسي في هذا البرنامج الذي يهدف إلى إعادة دمج نحو 400 ألف مقاتل سابق، بينهم جنود أطفال، في الحياة المدنية في بلدان منطقة البحيرات الكبرى في أفريقيا، وهي منطقة عانت من الصراعات طوال عشرات السنين لكنها أصبحت أكثر استقراراً في الآونة الأخيرة.
ومع ذلك، لا تزال المجموعات المسلحة تجند الأطفال قسراً في بلدان مثل أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
ففي شمال أوغندا، يلتمس الأطفال الأمان في المدن ليلاً خشية اختطافهم من أسرتهم على أيدي أعضاء جماعة جيش الرب المتمردة.
ويقول كيس كينجما، كبير أخصائيي التسريح وإعادة الإدماج في هذا البرنامج، إنه في هذه المنطقة سمح مشروع خاص يسانده هذا البرنامج للجنة العفو بالتعاون مع منظمات غير حكومية وغيرها من الشركاء في المساعدة على إعادة توطين الآلاف من الأطفال.
وتقول دي بوركا إنه في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تقدر هيئات حماية الأطفال عدد الجنود من الأطفال بنحو 30 ألفاً.
ويحصل نحو 18 ألفاً من هؤلاء الأطفال على مساعدات من مشروعات خاصة ومن برنامج وطني لإعادة دمج الجنود السابقين في الحياة المدنية.
لكن لم يتم تسريح آلاف أخرى من الصبيان والبنات ولا يزال كثير منهم يشاركون في صراعات نشيطة في الجزء الشرقي من البلد، رغم استعداد جمهورية الكونغو الديمقراطية لإجراء أول انتخابات حرة منذ 40 عاماً في يوليو/تموز.
وتقول دي بوركا، وهي مسؤولة سابقة عن حماية الأطفال في منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسيف) ولديها سنوات من الخبرة في هذه المنطقة "لا يزال الأطفال هدفاً للتجنيد من جانب الميليشيا في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ولا تزال هيئات حماية الأطفال وجماعات حقوق الإنسان تسجل استمرار الجماعات المسلحة في الاعتداء الجنسي على الفتيات."
وتابعت قائلة "لم ينته الأمر بعد. هذه عملية لا تزال بحاجة إلى جهود من الجميع، سواء على المستوى السياسي الوطني أو المستوى الدولي."
عبور الحدود
وتعمل منظمات حماية الطفل على تحرير الجنود الأطفال في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ عام 1996، حين أطاح المتمردون بحكومة موبوتو فيما كان معروفاً من قبل باسم زائير.
وتقول دي بوركا إن حركة المتمردين التي كانت رواندا تساندها في البداية قامت بعمليات واسعة لتجنيد الأطفال. وقامت بالشيء نفسه جماعات متمردة أخرى في ذلك البلد وفي البلدان المجاورة.
وتضيف "لقد استغل كافة الجماعات الأطفال الصغار الذين تصل أعمارهم إلى ست أو سبع سنوات. وشارك الأطفال مشاركة قوية في هذا الصراع، سواء داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية أو عبر الحدود.
"وكان هناك أطفال من الكونغو يقاتلون في جمهورية أفريقيا الوسطى. وكان أطفال يعبرون الحدود بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبين بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وكان هناك أطفال من الكونغو يتدربون في أوغندا. لقد كانت حرباً معقدة للغاية طوال السنوات العشر الماضية."
’محرومون من الطفولة العادية’
تقول دي بوركا إنه منذ بداية الصراعات التي شهدتها هذه المنطقة في الآونة الأخيرة، قامت هيئات دولية مثل صندوق إنقاذ الطفولة (المملكة المتحدة) واليونيسيف بالتفاوض مع القادة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية على إطلاق سراح الأطفال والتوقف عن تجنيدهم.
هيئات تساعد الجنود الأطفال في جمهورية الكونغو الديمقراطية عن طريق البرنامج المتعدد الأقطار
اليونيسيف
صندوق إنقاذ الطفولة ـ المملكة المتحدة
لجنة الإنقاذ الدولية
منظمة "كير" الدولية
المؤسسة الدولية للتعليم والمساعدة الذاتية
الصليب الأحمر ـ بلجيكا
ويقول برونو دونات مسؤول الاتصال بهذا البرنامج إن هذه الهيئات عرضت تقديم ملجأ آمن للأطفال، بإيوائهم أثناء البحث عن أقاربهم على مسافات تصل أحياناً إلى آلاف الأميال في مناطق حيث لا توجد طرق ولا وسائل اتصال وخيارات محدودة للنقل.
ويضيف دونات أن هذه الهيئات دافعت عن حقوق البنات اللاتي سقطن ضحية للحرب، وأعدت استراتيجيات للعمل مع الأطفال سواءً خلال الصراع أو بعده.
كما تعاونت مع الحكومة الجديدة بغية تسريح الأطفال من الخدمة العسكرية وتؤيد سن تشريع يحظر استخدام الأطفال دون الثامنة عشر في القوات المسلحة.
وفي عام 2002، ساعد البنك الدولي هذه الهيئات على تطوير مساعدتها للجنود الأطفال، وقدم، بمشاركة مانحين دوليين، تمويلاً لمشروعات خاصة للجنود الأطفال.
وأتاحت هذه المشروعات ملجأ للأطفال، سواء في مراكز أو لدى أسر حاضنة، ومساعدات اجتماعية ونفسية وتعليمية، وتتبع أثر أسرهم الأصلية، ولم شملهم، وتقديم تدريب مهني خاص.
ويقول كبير أخصائيي الحماية الاجتماعية جون إلدر إن الهدف هو إعداد الأطفال للعودة إلى أسرهم وإلى الحياة المدنية. لكن هذا يمكن أن يمثل تحدياً.
ويضيف "الفكرة هي أن تقوم هذه الهيئات بإعادة دمج هؤلاء الأطفال في الحياة المدنية، لكن كثيراً منهم قضوا السنوات الثلاث أو الأربع الماضية يقتلون الناس وانسلخوا من الحياة الاجتماعية الطبيعية في كثير من الجوانب."
وعادةً ما يعاني الجنود الأطفال من سوء التغذية، والسخرة في الأعمال الشاقة، والتعرض لعوامل الطقس القاسية، ومن الحالة النفسية السيئة.
ويقول أعضاء فريق البنك الدولي المساند للمشروعات إن هؤلاء الأطفال يعانون أيضاً من أعراض ضغوط ما بعد الصدمة، والكوابيس، والخوف المرضي، والسلوك العدواني والعنيف، والاكتئاب.
وتضيف إليزابيث ماير التي تعمل محللة عمليات في البنك "لقد حُرم هؤلاء الأطفال من الطفولة العادية .. الحب والاهتمام من جانب أسرهم، وفرصة الذهاب للمدرسة واللعب مع غيرهم من الأطفال."
وتضيف دي بوركا "إنهم بحاجة إلى مساندة نفسية واجتماعية من جانب هذه الهيئات لتهيئتهم للعودة إلى ديارهم، فضلاً عن البدء في تدريبهم على بعض المهارات الأساسية لمساعدتهم على الاندماج مرة أخرى في مجتمعاتهم وربما العودة إلى المدرسة أو الذهاب إلى المدرسة إذا لم يكونوا قد ذهبوا إليها أصلاً، أو تعلم بعض المهارات."
زيارات المتابعة
تقول دي بوركا إنه يجب القيام بقدر كبير من العمل لإعادة شمل الأطفال بأسرهم ومجتمعاتهم المحلية التي قد لا تتردد في الترحيب بعودتهم.
وتضيف أن طول مدة الانفصال بين الطفل وأسرته ستقرر أيضاً المدة المطلوبة لنجاح العملية.
وتقول "إذا اُختطف الطفل وهو في السادسة من عمره وعاد وهو في السادسة عشر فهذا شخص مختلف، إنه شخص مختلف تماماً يتعين أن تتأقلم الأسرة معه ويجب أن يعرف الطفل أسرته جيداً."
ويضيف برونو دونات أن البنك الدولي استكمل للتو استعراضاً مستقلاً للمشروعات الشهر الماضي خلص إلى أن الهيئات المعنية بالأطفال قامت بجهد مشكور في تعقب أثر أسر الأطفال، لكنها لم تضمن سوى اشتراك 60 في المائة من الأطفال في أي نشاط، من قبيل الذهاب للمدرسة، بعد عودتهم إلى مجتمعاتهم المحلية.
وتقول دي بوركا إن هذا البرنامج سيواصل العمل لزيادة هذه النسبة إلى 85 في المائة.
وتضيف "يتعين بذل جهد بسيط إضافي لضمان أن أغلبية –أقول أغلبية ولا أقول جميع- الأطفال لديهم نشاط يقومون به."
وفي بعض الحالات، يكون من الصعب ومن المكلف بشدة القيام بأي شيء أكثر من مجرد إعادة الطفل إلى أسرته في منطقة نائية يتعذر الوصول إليها. وتقول دي بوركا "لا نتوقع أن يحصل كل طفل على شيء زيادة على إعادته إلى أسرته أو أسرتها لكن يجب أن نبذل قصارى جهدنا."
وتضيف أن هذا البرنامج المتعدد الأقطار للتسريح وإعادة الإدماج يشجع الهيئات المعنية بحماية الأطفال على القيام بزيارات للمتابعة، لكنه يتفهم أن ذلك قد يكون أمراً شاقاً في مناطق تنعدم فيها الطرق وتحيط بها المخاطر الأمنية. وقد يقضي الباحث الاجتماعي أربعة أو خمسة أيام في محاولة العثور على وسيلة لزيارة طفل واحد في منطقة يتعذر الوصول إليها.
وتقول دي بوركا إنه لهذا السبب، تقوم هذه الهيئات بتشجيع المجتمعات المحلية على تشكيل لجان لحماية الأطفال والاضطلاع بالمسؤولية تجاه الأطفال الذين عادوا إليها.
ويعمل هذا البرنامج بشكل يومي مع الهيئات المعنية بحماية الأطفال لإعدادها للعمل مع الحكومة الجديدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الانتخابات في يوليو/تموز.
ويضيف دونات أن المشروعات الخاصة للجنود الأطفال تتعاون حالياً مع البرنامج الوطني لجمهورية الكونغو الديمقراطية للمقاتلين السابقين الكبار، الذين يجري إعادة دمجهم في الحياة المدنية، كما هو الحال بالنسبة للأطفال. وسيقوم البرنامج الوطني قريباً بتمويل مساعدات إضافية للجنود الأطفال تمويلاً مباشراً (للإطلاع على مقال عن البرنامج المتعدد الأقطار للتسريح وإعادة الإدماج).
مبادئ كيب تاون
تقول دي بوركا إن البنك الدولي يشارك أيضا في سياسات ومناقشات بشأن البرامج المعنية بالأطفال بصورة عامة، وقد وافق على الالتزام بمبادئ كيب تاون التي تعرّف من هو الجندي الطفل.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الوثيقة قد صدرت في ختام ندوة عقدتها عام 1997 في كيب تاون بجنوب أفريقيا مجموعة عمل المنظمات غير الحكومية المعنية بمعاهدة حقوق الطفل واليونيسيف من أجل إعداد استراتيجيات لمنع تجنيد الأطفال.
وتعرّف مبادئ كيب تاون الجندي الطفل بأنه أي طفل يقل سنه عن 18 عاماً ويرتبط بقوة مقاتلة لها بأية صفة، بما في ذلك فتيات يستخدمن رقيقاً للجنس أو أطفال يستخدمون جواسيس أو في غير ذلك من الأدوار.
وتقول دي بوركا إنه بموجب هذه المبادئ، ليس من الضروري أن يستخدم الطفل بندقية كي يُصنف جندياً طفلاً.
وتضيف أن مبادئ كيب تاون تخضع للتنقيح حالياً لإضافة منظور أكثر عالمية إليها. وستسعى وثيقة جديدة خاصة بالسياسة إلى تحديد تفاهم مشترك بشأن الجندي الطفل يمكن استخدامه في صياغة برامج وإعداد آليات تمويل ووضع حلول لهذه المشكلة.
ومن المقرر إجراء الاستعراض النهائي للوثيقة في أكتوبر/تشرين الأول.