أخذ فيروس إنفلونزا الطيور (H5NI) شكلاً عالمياً في الأشهر الستة إلى التسعة الأخيرة، حيث انتشر من شرق آسيا ليلحق ضرراً بالغاً بأكثر من 40 بلداً. كذلك فقد تسارع ارتفاع أعداد حالات الإصابات والوفيات البشرية المُبّلغ عنها إلى منظمة الصحة العالمية على مدى الأشهر الستة الماضية. حيث بلغ إجمالي حالات الوفاة في عام 2005 بأكمله 41 حالة، بينما بلغ 54 حالة في النصف الأول فقط من عام 2006، وهو ما يشكل أكثر من ضعفي معدل العام الماضي.
ويقدر البنك الدولي أن تصل التكلفة التي يتحملها الاقتصاد العالمي من جراء حدوث جائحة شديدة لإنفلونزا الطيور بين البشر إلى ما بين 1.25 إلى 2 تريليون دولار أمريكي – أو حوالي 3.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي.
وكانت مجموعة الآفاق الاقتصادية للتنمية التابعة للبنك الدولي قد أعدت سيناريو حالة شديدة من تفشي إنفلونزا الطيور، أعلنه كبير الخبراء الاقتصاديين بالبنك الدولي لمنطقة شرق آسيا، ميلان براهمبات، في كلمة له أمام المؤتمر الدولي الأول المعني بإنفلونزا الطيور بين البشر ألقاها في معهد باستور في باريس بفرنسا.
حيث أبلغ براهمبات هذا المؤتمر، أن سيناريو الحالة الشديدة يقوم على أساس حدوث معدل وفيات نسبته 1 في المائة من إجمالي عدد السكان على مستوى العالم – أو حوالي 70 مليون حالة وفاة، مما يؤدي إلى انخفاض في إجمالي الناتج المحلي العالمي بواقع 0.4 في المائة.
وقال إن معدلات الوفيات الناتجة عن حدوث جائحة ستكون أعلى كثيراً في البلدان النامية، ومن ثم يتوقع أن تبلغ الخسائر الاقتصادية بها ضعفي الخسائر المتوقع أن تشهدها البلدان المتقدمة.
ويضيف براهمبات قائلاً إن أثر إنفلونزا الطيور في معظم البلدان حتى اليوم كان محدوداً نسبياً على مستوى الاقتصاد الكلي، ويرجع ذلك بالأساس إلى أن قطاع الدواجن لا يشكل إلا جزءاً صغيراً نسبياً من الاقتصاد العالمي.
بيد أنه استطرد قائلاً "لكن، على الجانب الآخر، كان الأثر على قطاع الدواجن ذاته شديداً للغاية. ويرجع ذلك جزئياً إلى نفوق الطيور، أو الاضطرار إلى القضاء عليها كوسيلة لمكافحة هذا المرض. ثانياً، ما حدث في الكثير من الأماكن هو أن الجماهير باتت خائفة من الإصابة بالمرض، مما أدى إلى حدوث انخفاض كبير في الطلب على الدواجن في مختلف البلدان، وقد أضر ذلك بأصحاب المزارع في قطاع الدواجن ضرراً بالغاً".
ويقول براهمبات، إن رومانيا، على سبيل المثال، والتي عانت من أكثر من 100 حالة تفشٍٍ على مدى الأشهر الأخيرة، انخفضت بها مبيعات الدواجن المحلية بنسبة 80 في المائة، حتى أصبح العديد من المنتجين على شفا الإفلاس.
ويضيف "في العراق، لم يبق سوى 10 في المائة فقط من المزارع شبه التجارية قيد العمل كما وقعت خسائر كبيرة أيضاً في تركيا." ويقول إن الشيء نفسه حدث كذلك في فرنسا، والتي تعد واحدة من البلدان الرائدة في إنتاج الدواجن في الجماعة الأوروبية. وحتى في البرازيل، التي لم تشهد حدوث حالة تفشٍ واحدة لهذا المرض، دفع ضعف الطلب العالمي وانخفاض الأسعار الموردين الرئيسيين إلى تخفيض الإنتاج بنسبة 15 في المائة هذا العام.
وطبقاً لما أوردته منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فقد نفق ما يزيد على 200 مليون طيرٍ من الدواجن أو تم قتلها وقائياً منذ نهاية عام 2003، كان أغلبها في شرق آسيا. ويقول براهمبات إن أشد حالات التناقص حدثت في فييتنام وتايلند، حيث بلغت الأعداد هناك من 15 إلى 20 في المائة من ثروتها الداجنة.
ولكنه يضيف أن تايلند تقدم مثالاً على حدوث انتعاش يستند إلى استجابات قوية للسياسات التي وضعت لمكافحة هذا المرض. فقد شهد ذلك البلد، الذي يُعتبر المُصدِّر الصافي الكبير الوحيد للدواجن في شرق آسيا، هبوطاً حاداً في منتجات الدواجن بنسبة 40 في المائة في عام 2004، نظراً لحظر الاستيراد الذي فرض في الأسواق الأجنبية على صادراته من الدواجن غير المطهية.
وأردف قائلاً "أدى اتخاذ تدابير مكافحة قوية بها وبفييتنام، إلى عدم ظهور حالات تفشٍ جديدة للفيروس خلال الأشهر الستة الماضية. وقد نجح نشاط التصدير في التحول من تصدير الدواجن غير المطهية إلى الدواجن المطهية، والتي لم تتأثر بإجراءات الحظر التجاري، ومن ثم بدأت الصادرات تنتعش مجدداً في العام الماضي. كما استعاد الاستهلاك المحلي أيضاً نشاطه نظراً لزيادة ثقة المستهلك في سلامة المنتجات المطهية".
لكن براهمبات يشير إلى وجود شواهد واضحة بالفعل على الأثر الشديد الذي خلفته حالات التفشي على الفقراء في بعض البلدان. إذ يفوق اعتماد أشدّ الأسر المعيشية فقراً على الدخل المتّأتي من تربية الدواجن في فييتنام، على سبيل المثال، بواقع ثلاثة أمثال اعتماد الأسر المعيشية الأكثر ثراءً عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن معظم إنتاج الدواجن في فييتنام لا يزال يأتي من الحظائر المتواجدة في أفنية المنازل. ويضيف براهمبات أن من بين الإستراتيجيات التي تمت مناقشتها، إستراتيجية حظر إنتاج الدواجن في أفنية المنازل بكل بساطة - وهو تحرك من شأنه، حسب قوله، أن يؤدي إلى انخفاض غير متناسب في دخول الفقراء.
ويقول مردفاً "على الجانب الآخر، من المرجح أن يتأثر كبار المنتجين بصورة أكبر من الصدمة الاقتصادية الناجمة من إنفلونزا الطيور، خاصة في اقتصادات مثل تايلند، التي يضطلع فيها المنتجون الصناعيون والتجاريون الكبار بالنصيب الأكبر من الإنتاج".
ويقول براهمبات، إن التصدي لإنفلونزا الطيور يتطلب إجراء تقييم دقيق لنتائج مختلف الإستراتيجيات التي يجري تطبيقها في الوقت الراهن لبحث ما إذا كانت ترقى إلى مستوى التوقعات.
ونوَّه إلى بعض إستراتيجيات المكافحة مثل القتل الوقائي للطيور وتحصينها. ويقول إن "ثمة مسألة ذات صلة بهذا الأمر، ألا وهي، المستوى الملائم من التعويضات اللازمة لجعل عملية القتل الوقائي تؤتي ثمارها. فإذا كانت تلك التعويضات أقل من اللازم فلن يكون لديهم الحافز الاقتصادي على الامتثال لإجراءات القتل الوقائي: وإذا كانت أكثر من اللازم فقد يعطي ذلك لهم حافزاً على تعمد نقل العدوى إلى أسرابهم من الدواجن".
ويشير براهمبات إلى وجود حاجة أيضاً إلى اتخاذ تدابير أطول أجلاً وأوسع نطاقاً لتعزيز الاكتشاف المبكر، والمراقبة، والقدرات المؤسسية، والتنظيمية، والفنية للرعاية الصحية للحيوان بالإضافة إلى الإنسان.
"وحتى إذا استطعنا الإفلات من آثار مرض إنفلونزا الطيور، فلا يزال هناك العديد من الأمراض الحيوانية الأخرى التي تتجاوز الحدود وتصيب الإنسان. ويطلق على تلك الأمراض فنياً "الأوبئة الحيوانية". وهناك تيار كامل متدفق من تلك الأوبئة الحيوانية التي تُكتشف كل يوم، ولذلك فمن المنتظر أن تتعايش معنا لفترة من الزمن، ومن ثم فنحن في أمس الحاجة إلى وجود مؤسسات وأساليب التصدي لهذه المشكلة.
"وأخيراً، يمكنني القول بأن هناك الكثير من جهود العمل العلمي الذي يتعين الاضطلاع بها - مثل تحسين العقاقير، واللقاحات، والمضادات الفيروسية - وكيفية إنتاجها بصورة أسرع وبتكلفة أرخص بكثير مما هو الحال عليه حالياً.
فنحن لا نتمكن من وضع أيدينا على ماهية الفيروس بصورة دقيقة، إلا بعد أن تبدأ الجائحة، ووقتها فقط يمكننا استحضار اللقاح المناسب. وعادة ما تستغرق عملية استحضار اللقاح المناسب من ستة إلى تسعة أشهر- يكون الفيروس قد قَضَى خلالها على الكثير من الناس – ولذا يتطلب كل هذا الكثير من الجهد".