يطالب خبراء البنك الدولي البلدان المعنية بضرورة إصلاح إستراتيجياتها من أجل التصدي لمشكلة معدلات الإصابة المتسارعة بفيروس الإيدز بين النساء والنجاح في القضاء على هذا الوباء.
حث البلدان المعنية على تمكين النساء من أسباب القوة وتخفيف الإحساس بالعار من أجل مكافحة فيروس الإيدز
قبل أكثر من عشرين عاماً، حين كان وباء الإيدز لا يزال في مهده، أخطأ المسؤولون عن مكافحة المرض في أفريقيا في حساباتهم خطأ جسيماً.
إذ إنه بدلاً من حث الرجال على استخدام الواقي الذكري، حاولوا توعية بائعات الهوى بمزايا استخدامه.
تقول ديبرورك زودي، مديرة البرنامج العالمي لمكافحة فيروس ومرض الإيدز في البنك الدولي، "لكن المرأة لا تستخدم الواقي الذكري."
ونتيجة لذلك، نحى الوباء منحى مختلفاً تماماً في القارة السمراء عنه في الولايات المتحدة التي كانت حينئذ المركز الآخر لانتشار هذا المرض.
وتقول زودي إن وباء الإيدز بدأ في نفس الوقت تقريباً بين المثليين جنسياً في الشمال وبين بائعات الهوى في الجنوب.
وفي حين قام المثليون جنسياً المتعلمون في أمريكا باستخدام الواقي الذكري والتقليل من عدد شركائهم في ممارسة الجنس والضغط من أجل الحصول على الدواء واستطاعوا تحسين أحوالهم، لم تكن بائعات الهوى الفقيرات في أفريقيا جنوب الصحراء يستخدمن الواقي الذكري (الرفالات) وكذلك لم يفعل زبائنهن.
وتضيف زودي أن الزبائن في الواقع كانوا يعرضون سعراً أعلى مقابل ممارسة الجنس بدون الواقي الذكري.
وكانت النتيجة بعد 20 عاماً كما يلي: ارتفاع معدل الإصابة إلى حد أن أفريقيا جنوب الصحراء أصبحت تضم 60 في المائة من جميع حالات الإصابة بفيروس الإيدز في العالم، رغم أنها لا تضم سوى 10 في المائة فقط من سكان العالم. وحمل نحو 50 مليون أفريقي فيروس الإيدز منذ تفجر الوباء.
ومن بين 25.8 مليون شخص يحملون الفيروس حالياً في أفريقيا جنوب الصحراء، 60 في المائة من النساء والفتيات.
وتتابع زودي أنه لا توجد حتى الآن وسيلة فعالة مقبولة على نطاق واسع تستخدمها المرأة للوقاية من الإيدز.
وتقول إن الواقي النسائي أغلى عشر مرات من الواقي الذكري ويصعب استخدامه، ولم يتوفر في السوق بعد مضادات الميكروبات التي يمكنها قتل فيروس الإيدز أثناء العلاقة.
وتضيف زودي "لم نفعل شيئاً يُذكر للنساء."
ويعتقد بعض خبراء الإيدز في البنك الدولي وغيره من المنظمات اليوم أنه بخلاف التوصل للقاح ضد الإيدز أو غير ذلك من الإنجازات في هذا المجال، فإن تمكين النساء من أسباب القوة قد يكون العنصر الرئيسي في التغلب على هذا المرض.
ويؤكدون أن عدم المساواة بين الرجل والمرأة ساعد على انتشار وباء الإيدز، وذلك عن طريق عدم التشجيع على ممارسة الجنس الآمن، بمعنى استخدام الواقي الذكري، وعن طريق تشجيع العلاقات بين الشابات الصغيرات والرجال الأكبر سناً الذين يزيد احتمال إصابتهم بالفيروس.
تقول إليزابيث لولي، رئيسة فريق حملة مكافحة مرض الإيدز في أفريقيا بالبنك الدولي، إن افتقار المرأة إلى القوة الاقتصادية والتعليم وفرص العمل وحقوق الملكية في كثير من البلدان غالباً ما كان يدفعها إلى إقامة علاقة لا تستطيع أن تطالب فيها بممارسة الجنس الآمن وربما انتقل إليها الفيروس من خلال العلاقات الجنسية الأخرى لشريكها.
ويزيد زواج الفتيات المبكر – أحياناً تصل أعمارهن إلى 12 عاماً- برجال يكبرهن بعشر سنوات أو أكثر من احتمال إصابتهن بفيروس الإيدز. وتظهر إحصاءات صندوق الأمم المتحدة للسكان أن نحو 40 في المائة من الفتيات في أفريقيا و48 في المائة في آسيا يتزوجن قبل أن يبلغن 18 عاماً، وترتفع هذه النسبة إلى 76 في المائة في النيجر و74 في المائة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
تقول زودي "في بداية انتشار الوباء، كان التركيز منصبّاً على بائعات الهوى. ولم يهتم أحد ببحث وضع النساء المتزوجات. لكنهم حين فعلوا ذلك اكتشفوا أن معدل الإصابة بين المتزوجات هو نفس المعدل بين بائعات الهوى."
وتضيف أن السبب هو أن أزواجهن ينقلون إليهن الفيروس.
وتقول إن معظم الدراسات التي أجريت حول النساء المتزوجات اللاتي يحملن الفيروس في أفريقيا وجنوب آسيا أثبتت أن 70 في المائة منهن كن وفيّات لأزواجهن.
وتضيف لولي أنه رغم هذه الحقيقة تعاني المتزوجات المصابات بالفيروس من التمييز ومن وصمة العار حيث يُلقى عليهن اللوم عن جلب الفيروس إلى المنزل.
وتقول إن البنك الدولي وشركاءه يحاولان تخفيف حدة الإحساس بوصمة العار وتغيير هذا السلوك من خلال برامج متعددة البلدان لمكافحة فيروس ومرض الإيدز في أفريقيا.
وتساند هذه البرامج مبادرات بهذا الصدد تقوم بها منظمات المجتمعات المحلية ومنظمات غير حكومية والقطاع الخاص بهدف التصدي للمشكلة على عدة جبهات: الوقاية من خلال برامج التثقيف والتوعية، مع التركيز على الفئات الأكثر تعرضاً للخطر مثل الشبان والنساء ممن هن في سن الإنجاب والفئات المهمّشة المعرضة للخطر، وزيادة القدرة على الحصول على الرعاية الصحية والعلاج، وبذل الجهود لتمكين النساء من أسباب القوة عن طريق الإصلاحات القانونية والتدريب على العمل وغير ذلك من الوسائل المختلفة.
وتقول زودي إنه حين يبدأ تنفيذ مثل هذه البرامج في أحد البلدان، يصر البنك على أن يجتمع ممثلو البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز مع النساء والشبان والمصابين بفيروس الإيدز ويأخذوا بعين الاعتبار ما يقولونه عند تصميم البرنامج.
وقد ارتبط البنك حتى الآن بتقديم 1.12 بليون دولار أمريكي لمكافحة الإيدز في 29 بلداً عن طريق هذه البرامج، وخصص 107 ملايين دولار أمريكي أخرى لأربعة مشروعات دون الإقليمية، بينها مشروع لمكافحة انتشار فيروس الإيدز بين عمال النقل والمهاجرين وبائعات الهوى والسكان المحليين في ممر أبيدجان-لاغوس، وذلك عن طريق توفير الواقي الذكري ونشر معلومات عن أساليب الوقاية والرعاية الصحية.
تقول زودي "لدينا برامج قوية. "لكن يمكننا عمل المزيد، وهو ما ينبغي علينا."
وتضيف أن من بين المشاكل أن الخطط الإستراتيجية التي تضعها البلدان لمكافحة الإيدز لم تتناول أسباب ارتفاع أعداد النساء والفتيات بين المصابين.
لكن الكثير من البلدان تضع الآن إستراتيجيات جديدة لمكافحة الإيدز، مما أتاح للبنك الدولي وغيره من المنظمات الدولية الفرصة لمساعدة هذه البلدان على استهداف مصدر الإصابة بالفيروس والتصدي لمشكلة عدم المساواة بين الجنسين والوضع المتدني للمرأة ضمن وسائل مكافحة هذا المرض.
تقول زودي "هذه هي أفضل فرصة أُتيحت لنا."
وتقول إن الإستراتيجيات الجديدة قد تعني استهداف بائعات الهوى أو مدمني المخدرات بالحقن، وهم يمثلون فئتين تشعر كثيرُ من البلدان بالخزي منهما ولم تتعامل معهما بفعالية.
"أهم عقبة يجب تجاوزها هي تثقيف واضعي السياسات لأنه في معظم المجتمعات لا تعطي الحكومة أولوية لمدمني المخدرات بالحقن وبائعات الهوى."
"إذا كان بلد في شرق أوروبا ينتشر فيه الوباء بسبب مدمني المخدرات بالحقن، فمن الأفضل ضخ الأموال لصالح هذه الفئة، لأنه من هذه الفئة ينتشر إلى باقي السكان."
وعقدت زودي حلقة عمل مؤخراً في العاصمة الإيرانية طهران حضرها ممثلون عن ستة بلدان، هي الهند وباكستان وأفغانستان وكازاخستان وأوزبكستان وجمهورية قرغيز. وكان موضوع حلقة العمل مكافحة تعاطي المخدرات عن طريق الحقن في السجون وغيرها من الأماكن.
وتشن إيران حرباً شرسة على فيروس الإيدز من خلال حملة تعتبر الإيدز "طاعون القرن" وتدعو إلى استخدام الواقي الذكري. كما تقوم وزارة الصحة الإيرانية بتوزيع الإبر مجاناً على الصيدليات لمنع انتقال فيروس الإيدز عن طريق استخدام الإبر أكثر من مرة بين متعاطي المخدرات بالحقن.
لكن في أماكن أخرى، تثبط وصمة العار والتمييز بسبب المرض مثل هذا الانفتاح في المعالجة.
إذ تقول لولي إنه في أفريقيا لم تشجع وصمة العار العاملين في مجال الصحة الإنجابية على إدخال خدمات مكافحة الإيدز في المراحل الأولى لانتشار الوباء.
"وأعتقد أننا ندفع الآن ثمن كوننا قصار النظر في تلك الفترة، لأن برامج الصحة الإنجابية كانت مُطبّقة، ومقدمي هذه الخدمات المدربين كانوا موجودين، لكن بسبب وصمة العار ظل الإيدز منفصلاً عن برامج الصحة الإنجابية."
وتود لولي أن ترى "استجابة شاملة لاحتياجات المرأة في الصحة الإنجابية والجنسية" بما في ذلك الحصول على المعلومات والخدمات عن الحمل والرعاية قبل الولادة ورعاية الأمومة، إلى جانب "معلومات تسمح لها بحماية نفسها، واكتساب المهارات اللازمة لإقناع شريكها باستخدام الواقي الذكري، والمقدرة على تحديد الخيارات التي تحميها وتسمح لها بتحديد عدد الأطفال الذين تنجبهم."
وتضيف "ما أريد أن أراه هو ما يسمح للرجل والمرأة بمناقشة تلك القضايا بانفتاح كبير وإسقاط ثقافة الصمت التي تمنع الشريكين من مناقشة هذه القضايا الحميمية."
"وأعتقد أيضاً أننا نرتكب خطأ حين نتحدث عن الجنسين والمساواة ونتحدث عن تأنيث الإيدز، فهناك عنصر مفقود هو النصف الآخر من الجنسين." فالرجل جزء من الحل."