صدر كتاب جديد للبنك الدولي ورد فيه أن البلدان النامية في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا قد تكون بعيدة ومختلفة تماماً عن بعضها البعض، إلا أن هاتين المنطقتين تكافحان بصورة مماثلة لتعليم الشباب لديهما.
ووفقا لهذا الكتاب الذي صدر بعنوان "مواجهة تحديات التعليم الثانوي في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا" فإنه على الرغم من أن معظم الأطفال في كل من هاتين المنطقتين يحصلون على تعليم أساسي في المدارس الابتدائية، إلا أن نسبة من يذهبون إلى المدارس الثانوية ويحصلون على نوع المعارف والمهارات المطلوبة للنجاح في عالم تزداد فيه المنافسة والتكنولوجيا العالية أقل بكثير.
ويكشف هذا الكتاب أن البلدان النامية في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا تواجه مجموعة واسعة النطاق ومتماثلة من التحديات تتمثل في: زيادة فرص الالتحاق بالتعليم الثانوي مع تحسين جودة عمليتي التدريس والتعلم، وخفض معدل التباينات بين فئات الدخل، وبين المناطق الحضرية والريفية.
وتضم كلتا المنطقتين بلداناً تختلف بصورة كبيرة عن بعضها البعض فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية حيث تتراوح من بلدان مرتفعة الدخل مثل كوريا، وبلدان تقع في الشريحة العليا للبلدان المتوسطة الدخل مثل ماليزيا والمكسيك وشيلي، إلى بلدان منخفضة الدخل مثل فييتنام وكمبوديا وبوليفيا.
التحويلات النقدية تساعد على إرسال الفقراء إلى المدارس في المكسيك
كثير من الأسر الفقيرة في أمريكا اللاتينية لا تملك المال الكافي لإرسال أبنائها إلى المدرسة الثانوية، أو للتخلي عن الدخل الذي سيحققه أبناؤها من خلال العمل إذا ما تركوا المدرسة.
ونتيجة ذلك هي أن الكثير من أبناء هذه الأسر الفقيرة يخفقون في الحصول على تعليم يتجاوز مرحلة التعليم الأساسي وبالتالي تقل فرص خلاصهم من وطأة الفقر.
ونجد أن برنامج الفرص (Oportunidades ) في المكسيك يتصدى لهذه المشكلة بخطة مالية تُعرف "بالتحويلات النقدية المشروطة" – وهي عبارة عن مبالغ يتم سدادها في صورة منح دراسية ومعونات تغذية للأسر المعيشية الفقيرة التي تُبقي أبناءها في المدارس وتقوم بزيارة العيادات الصحية بصورة منتظمة.
ويتيح هذا البرنامج، الذي قدم خدمات لحوالي 5 ملايين أسرة في عام 2005، مبالغ مالية أكبر مع تقدم الأبناء في الصفوف الدراسية، ويُميز الفتيات بصورة طفيفة في المرحلة الأولى من التعليم الثانوي (المرحلة الإعدادية).
ووفقاً لما ورد في كتاب صدر بعنوان "مواجهة تحديات التعليم الثانوي في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا" فإن القصد من وراء هذا البرنامج هو تعويض الأسر عن الدخل الذي يمكن أن يتم تحقيقه إذا ما ترك أطفالها الدراسة وعملوا خارجها، وفي الوقت نفسه إتاحة الفرصة للشباب من خلال التعليم للخلاص من وطأة الفقر المزمن الذي تتوارثه الأجيال.
وفي الفترة ما بين عامي 2000 و 2002، ازداد معدل الالتحاق في المدارس الثانوية بواقع 6 في المائة سنوياً، وذلك مقابل 2 في المائة قبل عام 2000.
ووفقا لما ورد في هذا الكتاب، فإن هذا البرنامج يُعزى إليه الفضل في زيادة في معدل الانتظام في الدراسة بحوالي 8.4 في المائة، وزيادة معدل الانتقال إلى المدارس الثانوية بحوالي 20 في المائة وزيادة معدل إتمام السنوات الدراسية بواقع 10 في المائة.
وقد أظهرت الدراسات أن الدعم المالي الذي يقدمه هذا البرنامج لصالح التغذية والرعاية الصحية قد أدى إلى تحسين صحة وتغذية أطفال المدارس.
تقول إيموانويلا دي غروبيلو، وهي خبيرة اقتصادية أولى في مجال التنمية بالبنك الدولي، إن برنامج الفرص (Oportunidades) مكلف مالياً، إلا أن صافي العائد من ورائه كبير جداً.
وتقول أيضاً إن برامج التحويلات النقدية، مثل برنامج الفرص، من الممكن أن تحقق نجاحاً عندما تكون هناك شروط محكمة تنظمها، على سبيل المثال أن يكون الانتظام في الدراسة شرطاً لدفع المبالغ المستحقة، وكذلك وجود نظم قوية للرصد والتقييم، ووجود معايير موثوقة لاستهداف الأسر المعيشية على أساس المناطق الجغرافية، بالإضافة إلى خدمات ذات جودة مقيولة.
وتقول إيمانويلا دي غروبيلو، وهي خبيرة اقتصادية أولى مختصة في مجال التنمية ومحررة هذا الكتاب إن مزيداً من الأطفال يمكن إلحاقهم بمدارس ثانوية أفضل حالاً إذا قامت البلدان بتعبئة مزيد من الموارد مع زيادة الكفاءة.
تقول "دي غروبيلو إن " لدى معظم البلدان مجالاً واسعاً لتحسين كفاءة عملية تقديم الخدمة التعليمية. ويمكن لهذه البلدان أن تحقق نواتج أفضل في ظل وجود مستوى مماثل نسبياً من الموارد".
وتضيف " في أغلب الأحوال تعتقد البلدان أن هناك نوعاً من المفاضلة – فزيادة التغطية تعني انخفاض مستوى الجودة – أي أنه ليس بالإمكان القيام بالأمرين معاً. ولكن مع المزيج السليم من السياسات، يمكن تحقيق كلا الأمرين، وبعض البلدان قد قامت بذلك. وتستطيع بلدان أمريكا اللاتينية وشرق آسيا أن تتعلم الكثير من بعضها البعض فيما يتعلق بخيارات السياسات الفعالة لتناول مثل هذه المفاضلة".
وينوه هذا الكتاب إلى أن كوريا، وهي بلد حديث العهد بالتصنيع، قد استخدمت مزيجاً من السياسات تضمنت أدوات رقابة عامة لنظام التعليم، ومعايير عليا، وشراكات بين القطاعين العام والخاص في تمويل وتقديم الخدمات التعليمية لدفع معدلات الإلحاق بالمدارس وعملية التحصيل العلمي إلى الأمام. والآن نجد أن مدارس كوريا من بين المدارس التي تحقق أفضل أداء في آسيا، حيث إن 90 في المائة من الأولاد والفتيات يلتحقون بالمدارس الثانوية، وهناك متفوقون من جميع الفئات الاقتصادية والاجتماعية.
تقول دي غروبيلو إن فييتنام والمكسيك والبرازيل تتخذ خطوات نحو تحسين كل من عمليتي التغطية والجودة التعليمية، وهما عنصران لابد وأن يسيرا جنباً إلى جنب حتى يصبح التعليم الثانوي دافعاً للنمو الاقتصادي.
وعلى الرغم من أن معظم بلدان المنطقتين تنفق أقل من نصف ما تنفقه البلدان الصناعية على تعليم الطالب الواحد، إلا أن هذه البلدان تستطيع أن تتوسع في موازناتها المقيدة من خلال الدخول في شراكات مبتكرة بين القطاعين العام والخاص، ومن خلال خطط التمويل.
فعلى سبيل المثال، استخدمت كل من فييتنام والصين إستراتيجيات تمويل ذاتي فعالة للمدارس، تضمنت استئجار المنشآت، وأنشطة تُدار بمعرفة المدارس، وذلك لتمويل العملية التعليمية على المستوى المحلي. تقول دي غروبيلو، إن هذا وغيره من الابتكارات الأخرى، إذا كانت مكملة لجهود الحكومة، يمكن أن يساعد على التصدي لقيود التمويل.
من ناحية أخرى، قامت كل من المكسيك والبرازيل باستحداث خطط مبتكرة لمساندة الفقراء. وقد أصبحت برامج التحويل النقدي للأسر الفقيرة المشروطة الخاصة بهذين البلدين معروفة الآن على المستوى الدولي.
تقول دي غروبيلو إن المشاكل التعليمية ليس السبب فيها جميعاً نقص الأموال. فانخفاض مستوى المساءلة فيما يتعلق بتقديم الخدمات التعليمية، بما في ذلك حوافز المعلمين التي تكاد تكون منعدمة على مستوى التعليم الثانوي، وانخفاض ملاءمة المناهج الدراسية، قد أدى إلى انخفاض الجودة وتثبيط الطلاب عن الانتظام بالدراسة، وخاصة في منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي.
ونجد أن شيلي والسلفادور وكولومبيا وكوريا وسنغافورة وماليزيا تمضي قدماً بقوة نحو توجيه التعليم الثانوي نحو المهارات والمعارف المطلوبة في مجال العمل، ومن ثم يتم تحسين مدى ملاءمة المناهج.
وتشكل الفجوة التعليمية بين الفقراء والأغنياء، وبين المناطق الحضرية والريفية محور تركيز أحد مشروعات البنك الدولي في السلفادور الذي يهدف إلى تحسين عملية تغطية الخدمة التعليمية وجودتها من خلال تقديم منح دراسية للمدارس العامة والخاصة، وإتاحة التعليم عن بعد، والسعي لبناء المهارات التعليمية العامة، وتشجيع الطلاب على الاستمرار في التعليم والالتحاق بالجامعة أو التدريب الفني العالي.