9 يناير/كانون الثاني 2007 ـ بالرغم من أن إنفلونزا الطيور قد لا تكون في صدارة الصفحات الأولى من الصحف في الوقت الحالي، إلا أن هذا المرض آخذ في الانتشار، ومازال يشكل خطراً على صحة الثروة الداجنة والإنسان، وذلك على حد قول خبراء البنك الدولي في مجال مكافحة إنفلونزا الطيور.
فقد واصل هذا الفيروس انتشاره منذ أن تعهدت البلدان في يناير/كانون الثاني من العام المنصرم بتوفير نحو 1.9 بليون دولار أمريكي بغرض الوقاية من إنفلونزا الطيور ومكافحتها. وتشير البيانات إلى أن هذا الفيروس ـ الذي ينتقل عن طريق الطيور البرية وتجارة الدواجن ـ قد وصل بالفعل إلى 55 بلداً على الأقل في مختلف أنحاء العالم.
ووفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، فقد تعرض أكثر من 220 مليون من الطيور الداجنة ـ مملوكة في معظمها من قبل مزارعين فقراء في بلدان العالم النامية ـ للنفوق أو "الإعدام" (القتل) في إطار الجهود الرامية إلى احتواء هذا الفيروس. وتشير تلك التقديرات إلى أن الخسائر الاقتصادية التي تعرض لها قطاع الدواجن في منطقة جنوب شرق آسيا وحدها قد بلغت حوالي 10 بلايين دولار أمريكي، وأن عمليات إعدام الطيور الداجنة المصابة قد كلفت قطاع تربية الدواجن في أفريقيا حوالي 60 مليون دولار أمريكي أخرى.
وتقول منظمة الصحة العالمية (WHO) إن عدد البلدان التي توجد بها حالات إصابة بين البشر قد ارتفع من بلدين اثنين في عام 2003 (هما الصين وفييتنام) ليصل إلى 10 بلدان في عام 2006. وقد بلغ مجموع عدد حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور بين البشر 261 حالة، في حين بلغت حالات الوفيات 157 حالة بنهاية عام 2006.
من جهة أخرى، أصبحت إندونيسيا أشدّ بلدان العالم تضرراً من هذا المرض، حيث بلغت حالات الإصابة بهذا الفيروس 74 حالة، في حين بلغت حالات الوفاة 54 حالة. وقد شهد عام 2006 وحده ظهور حالات إصابة بين البشر في خمسة بلدان أخرى، هي: أذربيجان وجيبوتي ومصر والعراق وتركيا. ومن الواضح أن الغالبية الساحقة من حالات الإصابة التي ظهرت حتى الآن ترجع إلى وجود اتصال مباشر مع الطيور الداجنة المصابة.
إلا أن عدد حالات الوفاة بين البشر يُعتبر محدوداً للغاية في سياق المقارنة باحتمال تعرض ملايين البشر للموت في حال حدوث تفشٍ وبائي للإنفلونزا، وهو أمر يقول عنه خبراء البنك الدولي إن وقوعه قد تأخر كثيراً. ويتابع الباحثون الطبيون حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور بين البشر عن كثب بغرض رصد ظهور أول علامة على أن هذا الفيروس قد أصبح بمقدوره الانتقال فيما بين البشر.
ولا توجد أية شواهد على حدوث ذلك إلى الآن. إلا أن ظهور هذا الفيروس في أفريقيا يثير القلق لدى الكثيرين.
تاجر دواجن في شوارع باماكو .
يقول جون أندروود، مستشار البنك الدولي في مجال مكافحة إنفلونزا الطيور والذي شغل منصب مدير الخدمات القُطرية بالبنك الدولي سابقاً، "مازلنا نشعر بقلق شديد بشأن أفريقيا، حيث أضحى هذا المرض متفشياً في نيجيريا، كما أن هناك بلداناً عدة أخرى يشكل فيها هذا المرض خطراً كبيراً للغاية"، بما في ذلك مصر التي شهدت تعرض 18 شخصاً للإصابة بإنفلونزا الطيور، ووفاة 10 أشخاص من جراء الإصابة بهذا الفيروس في عام 2006.
ووفقاً لفرنسوا لي غال، كبير أخصائيي صحة الحيوان بمكتب منطقة أفريقيا بالبنك الدولي، فإن إنفلونزا الطيور ليست سوى واحد من بين أمراض كثيرة تؤثر على أفريقيا، مضيفاً: "يقول الخبراء المعنيون بأن ثمة أمراضاً أخرى ستظهر أو ستعاود الظهور. ففي كل عام تقريباً، يظهر مرض جديد، كما أن 75 في المائة من تلك الأمراض التي تظهر أو التي تعاود الظهور تُعزى إلى الحيوانات؛ وأن 80 في المائة منها يمكنه الانتقال من الحيوان إلى الإنسان. ويمكن أن يشكل ذلك معاً ما يطلق عليه الخبراء "عاصفة جرثومية تامة".
واستطرد فرنسوا لي غال قائلاً إن الوقت الحالي يشهد إحراز تقدّم في التصدي لموجة تفشي إنفلونزا الطيور الحالية، وذلك عن طريق تدعيم أنظمة رصد الصحة البيطرية والبشرية في مختلف أنحاء العالم. ومن شأن ذلك أن يخفف من خطر انتشار الأمراض انتشاراً مأساوياً.
"فكافة التدابير التي نستخدمها حالياً، ولا شك، ستلعب دوراً مفيداً في جهود مكافحة جميع تلك الأمراض الآخذة في الظهور أو التي تعاود الظهور من جديد ـ ومن تلك التدابير الخدمات البيطرية وخدمات الصحة العامة". وتؤدي مصادر المعاناة الاجتماعية والاقتصادية، والآثار الناجمة عن الأمراض الموجودة بالفعل ـ كالملاريا والسل وفيروس ومرض الإيدزـ وضعف قدرات الخدمات البيطرية مجتمعةً إلى تفاقم الوضع الحالي وتعقيده في أفريقيا.
ويخشى كثيرون من أن هذا الفيروس سيتفشى في جميع أنحاء هذه القارة، حيث تساعد الطيور المهاجرة، جنباً إلى جنب مع التجارة في المنتجات والحيوانات والطيور، على ذلك. ويرى الخبراء وجود شواهد وأدلة على أن إنفلونزا الطيور آخذة في التوطن ببطء في أفريقيا، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى زيادة مخاطر تحور هذا الفيروس إلى شكل يمكنه الانتقال بين البشر.
يقول أوكي بانينبورغ، وهو مستشار أول في مجال الصحة في مكتب منطقة أفريقيا بالبنك الدولي، "بمجرد تحور هذا الفيروس، فإن الوضع سيختلف تمام الاختلاف، ولن يكون بوسع البلدان المعنية حينئذ أن تشرع في اتخاذ ما يلزم من إجراءات، حيث إن الوقت سيكون قد أزف، وسيكون من غير الممكن القضاء عليه".
"فحتى في البلدان التي تبذل جهوداً هائلة في مجال المكافحة، كانت هناك موجات جديدة لانتشار هذا الفيروس. ولذا، فإن هذا الفيروس قد بات يشكل خطراً لا يمكننا غض الطرف عنه. وبات لزاماً علينا في واقع الأمر أن نواصل الجهود الرامية إلى إيلاء المزيد من الاهتمام به".
التعهد بتقديم مزيد من الأموال
قبل عام، تعهد المانحون بتقديم 1.9 بليون دولار أمريكي لمساعدة البلدان المعنية على إنشاء أنظمة تتيح لها سرعة الاستجابة في حالة تأثرها بهذا الفيروس.
وقد استجاب المانحون الذين اجتمعوا في باماكوـ مالي في ديسمبر/كانون الأول الماضي لتقرير صادر عن البنك الدولي يدعو إلى توفير مبلغ إضافي مقداره 1.2-1.5 بليون دولار أمريكي خلال العامين إلى الأعوام الثلاثة المقبلة، حيث تعهدوا بتقديم مبلغ 475 مليون دولار أمريكي إضافي في شكل منح، مما يرفع مجمل التعهدات الحالية إلى حوالي 2.4 بليون دولار أمريكي.
تاجر دواجن يصارع البط الذي يملكه في استعراض للفت أنظار العملاء المحتملين بينما توشك القمة المعنية بأنفلوانزا الطيور على الانعقاد
وسيجري استخدام تلك الأموال ـ التي تشمل حوالي بليون دولار أمريكي في شكل قروض واعتمادات ميسرة مُقدّمة من البنك الدولي والبنك الآسيوي للتنمية والبنك الأفريقي للتنمية، بالإضافة إلى معونات ثنائية ومنح وأموال الصندوق الاستئماني ـ في تمويل مجموعة واسعة النطاق من الأنشطة التي ترمي إلى تدعيم الخدمات الصحية التي تُقدم إلى الإنسان والحيوان.
ويساعد ذلك أيضاً على تعويض المزارعين الفقراء الذين تم إعدام طيورهم الداجنة بسبب تعرضها للإصابة بهذا الفيروس.
يقول أندروود، "يعتمد كثير من الأفارقة في كسب أرزاقهم على الطيور الداجنة، أو أن تلك الطيور تشكل ـ على الأقل ـ جزءاً كبيراً مما يستهلكونه من البروتين. ولذا، فإن إعدام تلك الطيور بسبب إصابتها بهذا المرض قد كان له تأثير هائل على شريحة من الناس تعاني بالفعل معاناة شديدة بسبب تدني دخولها وانخفاض مستوى الاستهلاك".
• المبلغ الذي تم التعهد بتقديمه إلى برنامج مكافحة إنفلونزا الطيور في يناير/كانون الثاني 2006: 1.9 بليون دولار أمريكي
• الأموال التي تم التعهد بتقديمها في ديسمبر/كانون الأول 2006: 475.9 مليون دولار أمريكي
• أموال المنح في الصندوق الاستئماني المتعدد المانحين: 75 مليون دولار أمريكي
• أموال إضافية لازمة على مدى فترة 2-3 عاماً المقبلة: 1.2 - 1.4 بليون دولار أمريكي
يقول كريستوفر ديلغادو، وهو مستشار في مجال إستراتيجية وسياسة الزراعة بالبنك الدولي، الذي شارك في إعداد دراسة بشأن تقديم تعويضات إلى المزارعين عن الطيور التي تم إعدامها بسبب إصابتها بإنفلونزا الطيور، إن "للتعويضات أهميتها في جهود مكافحة أمراض الحيوان في كل مكان، ولاسيما في بلدان العالم النامية حيث يعتمد نجاح الجهود المبذولة على مدى تقيّد صغار المزارعين بالإجراءات والأنظمة ذات الصلة".
ويستطرد قائلاً، "إن المشكلة تكمن في امتلاك صغار المزارعين الذين يقطنون مناطق نائية في البلدان النامية لأعداد كبيرة من الماشية والطيور الداجنة. وإذا لم يتقيد هؤلاء بالأوامر التي تقتضي قيامهم بالإبلاغ عن حالات تفشي هذا المرض، أو بالأوامر التي تقتضي قيامهم بتسليم ما يملكون من طيور وحيوانات لإعدامها في حالة تعرضها للإصابة، فإن النجاح لن يكون حليفاً لتلك [البلدان] في جهودها لمكافحة تلك الأمراض. وهذا هو بيت القصيد".
ويؤكد أندروود على أهمية توفُّر خطة لإعدام الطيور المصابة، وتوزيع أموال على المزارعين المتضررين ـ من دون تعرضها للنهب والسرقة ـ والإعلان عن خطة التعويضات، وضمان تواجد أفراد خدمات طبية وبيطرية عند إعدام تلك الطيور، وذلك للتأكد من عدم وجود دلالات على أية إصابات بين البشر.
ويضيف قائلاً، "يشكل ذلك في حقيقة الأمر جزءاً مهمّاً من جهود التأهب المُسبقة لمواجهة حالات تفشي هذا المرض".
وتُستخدم الأموال التي تعهدت البلدان بتقديمها أيضاً في دفع تكاليف تطوير لقاحات الدواجن، وتدريب العاملين، والحصول على المعدات. وتجدر الإشارة إلى أن رصيد الصندوق الاستئماني المتعدد الجهات المانحة الذي كان المانحون قد تعهدوا أصلاً بتقديم مبلغ 65 مليون دولار أمريكي لصالحه قد نما ليصل إلى 75 مليون دولار أمريكي حالياً، وذلك بمساندة من تسعة مانحين، كانت المفوضية الأوروبية أكبرها. وعن هذا الصندوق، يقول ديفيد بوتين، مدير برنامج مكافحة إنفلونزا الطيور والإنفلونزا البشرية، إن هذا الصندوق يمول المصروفات التي لا تغطيها مصادر التمويل الأخرى، ويُعتبر "الممول الأخير" في هذا الشأن.
وكان هذا البرنامج قد وافق على تقديم ست منح بقيمة إجمالية تبلغ 28 مليون دولار أمريكي من أموال هذا الصندوق الاستئماني في ديسمبر/كانون الأول. ويضيف بوتين أن منحتين منها تمولان برامج إقليمية لمكافحة إنفلونزا الطيور في الشرق الأوسط وبلدان منطقة المخروط الجنوبي بأمريكا اللاتينية، وذلك بغرض مساندة التعاون فيما بين البلدان المعنية "حيث إن إنفلونزا الطيور يمكنها بسهولة شديدة الانتقال عبر الحدود".
وثمة آلية تمويلية أخرى من أجل منطقة أفريقيا تتمثل في برنامج "Alive Platform"،www.ALive-online.org-وهو عبارة عن شراكة متعددة التخصصات تشارك فيه عدة مؤسسات. وكان البنك الدولي قد قام ـبالتعاون مع المنظمة العالمية للصحة الحيوانية (OIE)، ومنظمة الأغذية والزراعة، والاتحاد الأفريقي ـ بإنشاء تلك الآلية المعنية بالتنسيق بهدف مكافحة إنفلونزا الطيور، والحيلولة دون ظهور وإعادة ظهور أمراض الحيوان. وتشير تقديرات مطبوعة صدرت حديثاً لهذا البرنامج إلى أن الاحتياجات المالية الضرورية لتمويل إستراتيجية متكاملة للوقاية من إنفلونزا الطيور تركز على الإعلام وصحة الحيوان والإنسان ستبلغ حوالي 720 مليون دولار أمريكي على مدى ثلاثة أعوام. وقد وقّعت المفوضية الأوروبية في الآونة الأخيرة اتفاقية توفر بمقتضاها مبلغ 10.5 مليون دولار أمريكي من التمويل الإضافي لصالح هذه الشراكة.
"تنتشر إنفلونزا الطيور عن طريق هجرة الطيور البرية عبر الحدود، ولذا فإن التعاون فيما بين البلدان يكتسي أهمية بالغة".
لكن، ما هي طبيعة الخطر الحقيقي على بني البشر؟ يقر أندروود باستحالة تحديده، حيث يقول، "لدينا شكوك قوية بأن البشرية ستواجه جائحة وبائية أخرى عند لحظة ما. وهذا أمر ثابت تاريخياً حيث تقع أوبئة من هذا القبيل بصورة دورية، وعلينا أن نكون على أهبة الاستعداد لمواجهتها حين حدوثها. وسواء أكان السبب فيها هذا الفيروس على وجه الخصوص أم أي نوع آخر، فمازال ثمة خطر ماثلاً أمام بني البشر ينبغي مواجهته".
ويستطرد أندروود قائلاً إن الأموال المُخصصة لمكافحة إنفلونزا الطيور ستكون قد أُنفقت بصورة جيدة إذا ما نجحت في مساعدة البلدان النامية على أن تكون على أهبة الاستعداد لمواجهة حالات الطوارئ، وتدعيم أنظمة الخدمات الصحية التي تُقدم إلى الإنسان والحيوان "للمساعدة في مكافحة جميع أنواع الأمراض".
ومن بين الأمور التي ينبغي علينا مراعاتها ضرورة ألا تغيب عن أذهاننا حقيقة أن هذا الخطر مازال ماثلاً أمامنا. إذ ازداد عدد البلدان المتضررة منه مقارنة بما كان عليه الحال عندما بدأ هذا المرض يحظى بتغطية إعلامية".
وتضيف أولغا يوناس، المستشارة الاقتصادية بالبنك الدولي المعنية بمكافحة وباء إنفلونزا الطيور، قائلة إن الإنفاق الحالي على جهود المكافحة مفيد ومهمّ، نظراً لأن التكاليف الاقتصادية المرتبطة بحدوث جائحة وبائية ستكون هائلة ـ تُقدر بحوالي 1.2 - 2 تريليون دولار أمريكي، وفقاً لنموذج المحاكاة الذي وضعه البنك الدولي لسيناريو الحالة السيئة.
يقول برنارد ديموري، مدير إدارة الخدمات الصحية بالبنك الدولي وعضو فريق العمل التابع للبنك الدولي المعني بمكافحة وباء الإنفلونزا، "ليست لدينا أية خيارات أخرى غير أن نكون على أهبة الاستعداد. فالصعوبة الحقيقية هي أننا لا ندري طبيعة الخطر الذي سنواجهه؟
مضيفاً أن القضية الأساسية تتمثل في ضرورة تغيير سلوكياتنا. وفيما عدا ذلك، لنأمل ألا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن".