الحياة: في ظل تصاعد أحداث الشغب والتدهور الأمني في لبنان اليوم هلا تفضلتم بشرح كيفية تأثير هذه الأحداث على احتياجات الإصلاح التي تحدثتم عنها في المؤتمر؟ بول وولفويتز: أعتقد، أولا وقبل كل شيء، أن لبنان يعتبر مهماً لأن شعبه يحتل مكانة خاصة. وأقصد، من باب عموم القول، أن استجابة المجتمع الدولي تتسم إلى حد كبير بطابعها الإيجابي إزاء الحروب أو الكوارث الطبيعية كالتسونامي، أو الأنواع الأخرى من الأزمات العالمية. ولكني عندما أقول أن لبنان مهم فإن مرَد ذلك إلى أن لبنان كان في الماضي نموذجا حقيقيا للإدارة الاقتصادية الناجحة، ومصدرا للإلهام، ومؤشراً دالاً على الطاقات والقدرات الاقتصادية الكامنة في هذه المنطقة. وأعرف، في الواقع، حسب ما نراه في الولايات المتحدة وأنحاء أخرى من العالم، مدى نجاح اللبنانيين لو أُعطيت لهم الفرصة. وهذا أمر له أهميته كنموذج يحتذى في المنطقة، والأمر الثاني هو أهمية لبنان في المنطقة كنموذج للتعددية. وقد استرعى انتباهي في الاجتماعات اليوم تحدث بعض كبار القادة العرب القادمين من بلدان مُسلمة عن أهمية لبنان كنموذج للتعددية وأن هذه المنطقة في حاجة إلى مثل هذا النموذج. وسوف تحدث المأساة إذا تغلب العنف طاغيا ومبدداً الفرصة السانحة هنا لتحقيق التقدم. إن ما أثار إعجابنا في البنك الدولي هو التحرك السريع للسلطات اللبنانية بعد كارثة الحرب لاستعادة عافية هذا البلد بعد ما حل به من خراب ودمار، وكان هذا التحرك من جانب السلطات واحدا من أسرع التحركات المماثلة طبقا للمعايير المشهودة في معظم جهود إعادة الإعمار في العالم. ولعله عند الشدائد وضغوط الأزمات يتفجر أفضل ما لدى الناس من طاقات وقدرات، فقد غمرتنا مشاعر الإعجاب والتقدير أن نرى الحكومة اللبنانية وقد تمكنت حقا من وضع برنامج اقتصادي متماسك للتصدي للاحتياجات الثلاثة في لبنان وهي تصحيح أوضاع المالية العامة للحكومة وإعادتها إلى وضعية جيدة، والحفاظ على استمرار النمو الاقتصادي، وإجراء بعض الإصلاحات الهيكلية التي تُعد، كما أوضحت في بياني، غاية في الأهمية للتأكد من عدم تعرض أفقر الشرائح السكانية لأشد ألوان المعاناة والعذاب بسبب هذا النوع من التصحيح الاقتصادي. إننا نرى في الحقيقة برنامجا مدروسا بعناية للإصلاحات الاقتصادية، وآمل أن يتم تنفيذ هذا البرنامج لصالح كل لبنان والمنطقة بأسرها. الحياة: سيدي الرئيس، كان يتم في الماضي دائما تطبيق الشرطية عند تقديم المعونة إلى لبنان، وخاصة أن صندوق النقد الدولي كان قاسيا للغاية لأن الصندوق لم يتعاون مع لبنان مطلقا في عهد رئيس الوزراء رفيق الحريري، فماذا تغير اليوم؟ هل تغيرت الشرطية، وما هي آفاق الاحتمالات المرتبطة بهذا العنف ـ الذي وصفتموه بالمأساة ـ أعني هل يمكننا أن نأمل في تطبيق هذه الإصلاحات إذا كانت الأوضاع على هذا النحو من السوء والتردي في لبنان، وما هو البديل إذا أدى هذا العنف إلى عرقلة وإعاقة كل شيء، كيف يمكن استخدام هذه الأموال؟ بول وولفويتز: إذا وقف العنف حائلا دون تنفيذ كل شيء، فسوف يعاني كل الشعب اللبناني، ومن ثم يحدوني الأمل في أن يحدث ذلك النوع من رد الفعل تجاه العنف بأسلوب يؤدي، وفق ما هو مأمول، إلى تهدئة الأوضاع. وإني على قناعة تامة بأن هذا البلد سوف يستفيد من هذا البرنامج المتماسك ومن هذا الكم الهائل من تعبئة المساندة لدعم تنفيذه. وأود أن أكرر على مسامع الجميع وبقوة نفس الرسالة التي حاولت نقلها هذا الصباح والتي شددنا على أهميتها في سياق اتصالاتنا مع الحكومة اللبنانية ومفادها أنه من الأهمية بمكان أن يكون برنامج الإصلاح الاقتصادي مفيدا لجميع القطاعات السكانية، وليس لمصلحة شريحة معينة أو الشريحة المُمَيزة فقط من السكان. إذ لا بد أن يعود هذا البرنامج بالفائدة والنفع على الجميع، وبالتالي سوف يكون من مصلحة الجميع أن يحققوا النجاح لهذا البرنامج، ولا أدري هل من سبيل آخر لتأكيد هذه النقطة بقوة أكبر من ذلك. أعتقد أن التجربة على مدى العشرين إلى الخمسة والعشرين عاماً الماضية توضح أنه عندما تأتي مؤسسات من الخارج، سواء كانت مجموعة البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو أحد البلدان الكبرى، لإبلاغ بلد آخر بما يحتاج إليه لإدارة شؤونه، فإن هذه الطريقة لا تنجح. إن ما ينجح، وهو ما أُسميه الشرطية، أنه عندما يقول بلد إنه اتخذ بعض القرارات الصعبة لكونها نابعة من صميم مصلحته وأهدافه، فإن مؤسسات كالبنك الدولي تنبري مُشمرة عن ساعديها لمساندة ودعم تنفيذ هذه القرارات الصعبة. الحياة: هناك إذن نقطة تحول في سياسة البنك الدولي أن يسأل البلد المعني عن احتياجاته، أقصد أنكم لم تعودوا تقولون يجب عليكم أن تفعلوا هذا وذاك. بول وولفويتز: إن المصطلح الذي نستخدمه في البنك الدولي ـ ونحن لدينا الكثير من المصطلحات والكلمات التي آمل أن يكون معناها مفهوما نوعا ما بالنسبة للذين لا يعملون في البنك الدولي ـ أقول إن المصطلح هو (country ownership) أي شعور البلد بملكية البرنامج لأنه نابع من صميم مصلحته وظروفه. فعندما يشعر البلد بامتلاك البرنامج ونرى أنه برنامج جيد يكون في وسعنا دعمه ومساندته، ولكن ذلك لا يعني أنه يمكننا تقديم المساندة بصرف النظر عما سيفعله هذا البلد أو ذاك، بل يعنينا اقتناع البلد المعني بأنه يفعل الصواب والشيء الصحيح. إنه لا يمكن إملاء أو فرض هذا الأمر من الخارج. الحياة: سيدي الرئيس، قلتم إن هذا البرنامج موجود لمصلحة كافة طوائف الشعب اللبناني. وهناك جزء من السكان في لبنان اليوم له أهميته البالغة، أعني الطائفة الشيعية التي يتم توجيهها، أو دعنا نقول إنها بقيادة حزب الله. فهل ترون أن قيام حزب الله بأداء دور سياسي في لبنان وكونه يشكل جزءا له نصيبه في هذا البلد سوف يحولان دون اضطلاع البنك الدولي والمجتمع الدولي بتقديم أية معونة وأية مشاركة لمساندة لبنان؟ بول وولفويتز: لا يسعني هنا إلا أن أشدد بما يكفي من قوة على أننا لسنا منظمة سياسية. نحن منظمة دولية معنية بالتنمية الاقتصادية. وفي واقع الأمر أن الدستور الأساسي للبنك الدولي، أو ما نسميه اتفاقية إنشاء البنك، ينص بصريح العبارة على أنه لا يمكننا أخذ أية اعتبارات سياسية في الحسبان، بل نهتم بالاعتبارات الاقتصادية دون غيرها. وأعتقد أن الرسالة الواضحة تتمثل، على أية حال، في أن لبنان بأكمله، بجميع عناصره ومكوناته، سوف يجني النفع والفائدة، إذا تم على نحو عادلٍ ومنصف اقتسام المزايا الناتجة عن الإصلاح الاقتصادي والمشاركة في تحمل الأعباء المترتبة عليه. إن هذا موضوعنا الأساسي، وكلي أمل ألا تقف السياسة حجر عثرة في الطريق المؤدي، فيما نعتقد، إلى تنفيذ برنامج طموح، وواقعي في نفس الوقت، للإصلاح الاقتصادي. الحياة: هل تعتقدون أنه في وسع الحكومة اللبنانية أن تقوم بتنفيذ هذا البرنامج في ظل رئيس جمهورية يقوم بتعطيل كل شيء؟ أعني سواء كنتم أم لم تكونوا منظمة سياسية، فإنه ما زال ينبغي عليكم النظر إلى الوضع الحالي كما هو عليه لتحليل كيفية دفع الأشياء نحو مساعدة هذا البلد. دعني أقول مثلا إنه بالنسبة للمناطق الفلسطينية فإني لا أعتقد أن المجتمع الدولي يرغب في مساعدة حماس. بول وولفويتز: نحن لا نستطيع، ولا يمكنني التنبؤ بالمسار الذي ستتخذه السياسة اللبنانية، وليس في وسعنا بكل تأكيد أن نملي على أحد كيفية توجيه مسار السياسة. ما نحاول جاهدين أن نقوله هو أنه سوف يكون من مصلحة جميع الأطراف المنخرطة في العمل السياسي، والراغبة في رؤية لبنان متقدما في الطليعة من الناحية الاقتصادية، أن تدعم وتساند هذا الجهد المشترك وهو البرنامج اللبناني المدروس بعناية فائقة وصورة متأنية والذي يحظي بهذا القدر الاستثنائي وغير الاعتيادي من الدعم الدولي. لقد رأيتم ذلك رؤيا العين هذا الصباح، وقال الرئيس شيراك إن إجمالي حجم المساعدة قد بلغ 7.6 بليون دولار أمريكي. إن هناك فرصةً حقيقية هنا، فرصةُ سانحة للبنان كله، فهلا تم اغتنامها لتحقيق الفائدة المرجوة، إنني آمل أن تولي السياسة وجهها شطر اتجاه، فلنقل اتجاه المناداة بأن يكون الجميع على متن سفينة (النجاة)، وعندها سوف يتبدد الدعم الذي يلقاه السياسيون الذين يقفون عقبةً في وجه تحقيق التقدم المنشود. ولعل تركيزنا ينصب فحسب على الأسباب الكامنة وراء جودة ووجاهة هذا البرنامج الاقتصادي. الحياة: سيدي الرئيس، سمعنا هذا الصباح باتفاقية خاصة بتنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي المعني بمساعدة البلدان في مرحلة ما بعد الصراعات. فهلا تفضلتم بأن تشرحوا للمواطنين اللبنانيين ما ينطوي عليه هذا البرنامج، أعني برنامج الصندوق لمساعدة البلدان في مرحلة ما بعد الصراعات؟ هل يحمل في ثناياه المزيد من الشدائد والتضحيات بالنسبة للبنانيين، لأن صندوق النقد الدولي ينهمك عادة في ممارسة الضغوط من أجل اتباع سياسات للمالية العامة لا تحظى بأية شعبية أو قبول كبير. أعتقد أنكم تعرفون خبايا هذا البرنامج حيث يشارك البنك الدولي فيه أيضا. إذن كيف تشرحون برنامج ما بعد الصراعات هذا؟ بول وولفويتز: حسنا، إنه ليس بالبرنامج المستقل، فهو أحد البرامج التي قام بتصميمها صندوق النقد الدولي. ونحن، وينبغي أن أؤكد ذلك، متفائلون بأن صندوق النقد الدولي سوف يقوم بإبرام هذه الاتفاقية. إنهم لم يصلوا بعد إلى هذه النقطة بالضبط، ولكنهم إذا عقدوا هذه الاتفاقية، فإنها ستتيح تقديم بعض المساندة المالية إلى لبنان، كإيماءة توضح الموافقة على البرنامج الاقتصادي للحكومة اللبنانية. إنه ليس برنامجا جديدا، إنها ليست شروطا جديدة مفروضة من جانب صندوق النقد الدولي، ولكن ذلك يعكس ويمثل رأي الصندوق أن برنامج الحكومة اللبنانية قادر على إعادة لبنان إلى حالة التوازن الاقتصادي خلال فترة زمنية معقولة. ونحن نرحب بذلك في البنك الدولي ليس لأنه يقدم بعض الموارد المالية الإضافية فحسب، بل لأن الأمر الأكثر أهمية هو أن هذا البرنامج سوف يبني الثقة لدى أوساط المجتمع الدولي بأسره، وخاصة القطاع الخاص، في مضي لبنان قدما على المسار الصحيح نحو تحقيق السلامة المالية من حيث قابلية النمو والاستمرار، ويعتبر هذا العنصر على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للحفاظ على جاذبية لبنان كمركز تجاري ومصرفي، وهذا في اعتقادي هو مفتاح لبنان للدخول إلى عالم المستقبل. وينطوي ذلك على التقشف وشد الأحزمة، ولكن صندوق النقد الدولي لم يفرض ذلك الأمر، لأنه يشكل جزءا لا يتجزأ من برنامج الحكومة اللبنانية نفسها، ولكن لعل ظلال صندوق النقد الدولي موجودة بدرجة ما ـ إذ يمكننا تسمية تلك المسألة بأنها موافقة ممهورة بختم صندوق النقد الدولي على أن البرنامج الذي قامت بتصميمه الحكومة اللبنانية هو برنامج له معناه ومغزاه الاقتصادي الصحيح. الحياة: يصل حجم الأموال التي حصل عليها لبنان إلى 7.6 بليون دولار، ولكن جدولة الديون وعمليات سداد المستحقات تبلغ هذا العام 3 بلايين دولار أمريكي، طبقا لما سمعته من مصرف لبنان المركزي. إذن إذا كنا قد حصلنا الآن على الثلاثة بلايين دولار أمريكي التي تغطي هذا الاستحقاق، فماذا عن بقية الأموال، هل ستُستخدم في مشروعات في المستقبل، هل سيتم صرفها فيما بعد، أو كيف سيتم صرفها؟ بول وولفويتز: أعتقد أن الوضع مختلف بالنسبة لكل مانح من المانحين. ولكني أعرف أكثر عن كيفية استخدام الأموال التي سنقدمها وهي لمساعدة الحكومة على بناء هيكل شبكات الأمان الاجتماعي، حتى يتم توجيه المزيد من الأموال إلى الشرائح السكانية الأشد فقرا في لبنان. الحياة: هذا هو ما قلتموه في بيانكم. بول وولفويتز: ثانيا، يوافق الجميع، فيما يبدو، على أن إصلاح قطاع الطاقة الكهربائية هو جزء أساسي للحد من استنزاف الموارد العامة بتحميلها الأعباء، ويجب إنجاز ذلك بمنتهي العناية والحرص بشأن الكيفية التي يؤدي بها ذلك الأمر إلى فرض بعض التكلفة على السكان على المدى القصير. وأعتقد أن الوصول إلى تحقيق مكاسب هائلة على المدى الطويل يعتمد قيام أموالنا بالمساعدة على تخفيف العبء الذي تنطوي عليه الفترة الانتقالية. الحياة: هل تثق في مستقبل لبنان؟ بول وولفويتز: إنني متفائل و.. الحياة: ولكنك لست واثقا؟ أقصد أنه نظرا لعدم حل المشكلة الفلسطينية، والمشكلات في العراق. حدد الأمير سعود الفيصل ثلاثة أوجه للتصعيدات في هذا المجال. فهل تثق في مستقبل لبنان؟ بول وولفويتز: إني على ثقة بأن هذه الحكومة اللبنانية قد قامت بنسج خطة جريئة ورائعة في الحقيقة، وأنه إذا تم تنفيذها بالتمام والكمال، فسوف يتمكن لبنان حقاً من تحقيق وصوله إلى كل بشائر الخير والنجاح في المستقبل. لا بد أن تكون هناك عقبات في الطريق وأظن أنني في غنى عن القول بأنه لا توجد أية ضمانات في وضع بهذا الشكل في لبنان، ولكن يشوبني التفاؤل الحذر في إمكانية نجاح لبنان، وعندها سوف تتحقق مصلحة وفائدة الجميع في هذه المنطقة من العالم. الحياة: شكرا جزيلا لكم بول وولفويتز: شكرا
|