رئيس البنك الدولي يلقي خطابا في تخليد الذكرى السنوية الخمسين (اليوبيل الذهبي) لاستقلال غانا؛ كوماسي، غانا

بول وولفويتز
رئيس البنك الدولي
5 مارس/آذار 2007

تقدم رئيس البنك الدولي، بول وولفويتز، للغانيين بأحر التهاني واصدق التبريكات في تخليد الذكرى السنوية الخمسين لاستقلال غانا، واصفا إياها بأنها تقف في مصاف البلدان المتربعة على قمة الأداء الاقتصادي في بلدان أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء.

وقد جاءت تعليقات وولفويتز في خطاب ألقاه في جامعة كوامي نكروما في كوماسي، غانا، وناشد فيه أيضا البلدان الغنية بزيادة ما تقدمه من مساندة إلى المؤسسة الدولية للتنمية، ذراع البنك الدولي المعني بتقديم قروض ميسرة إلى أشد البلدان فقراً في العالم.

وقد تزامنت زيارة الرئيس وولفويتز إلى غانا مع اجتماع مسؤولين في باريس لمناقشة تجديد موارد المؤسسة الدولية للتنمية للسنوات الثلاث القادمة.

وفي مقتطفات من خطابه، قال وولفويتز:

- في تخليد الذكرى السنوية الخمسين لاستقلالها، لدى غانا العديد من الأسباب الموجبة للاحتفال والحبور.... فقد أصبحت غانا في مصاف البلدان ذات الأداء الاقتصادي الأفضل في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء. إذ نجحت في الحفاظ على استدامة النمو الحقيقي بمعدل 4 في المائة أو أكثر على مدى ما يزيد على عشر سنوات، محققةً زيادة في هذا المعدل إلى أكثر من 6 في المائة في عام 2006. إن غانا هي أحد البلدان الأفريقية القلائل التي تشير التوقعات إلى قدرتها على تلبية الهدف الإنمائي للألفية الجديدة الذي يرمي إلى تخفيض أعداد الفقراء بمقدار النصف بحلول عام 2015.

- في أوائل فترة التسعينيات من القرن العشرين، كان أكثر من نصف سكان هذا البلد يجاهدون بشق الأنفس للوفاء بمتطلبات شظف العيش والحياة بأقل من دولار أمريكي واحد للفرد في اليوم ـ وهذه هي كيفية تعريفنا في البنك الدولي للفقر المدقع. وبحلول العام 2003، انخفض هذا العدد إلى ما نسبته 35 في المائة، غير أن نسبة 35 في المائة ما تزال مفرطة في الارتفاع.

- يتمثل مصدر التمويل الإنمائي الحيوي، بالنسبة لغانا والبلدان الأشد فقرا في أفريقيا وحول العالم، في المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، وهي ذراع مجموعة البنك الدولي المعني بتقديم القروض الميسرة. ومنذ أوائل فترة الثمانينيات عندما شرعت غانا في تنفيذ برنامج استعادة عافية النشاط الاقتصادي، بلغ ما قدمته لها المؤسسة الدولية للتنمية في شكل اعتمادات ومنح خالصة أكثر من 5 بلايين دولار أمريكي.


ـ وفيما يلي النص الكامل لخطاب الرئيس وولفويتز:

الرئيس بول وولفويتز: أشكركم أولا وقبل كل شيء، وأود أن أعرب عن بالغ غبطتي وسروري لوجودي هنا اليوم في جامعة كوامي نكروما للعلوم والتكنولوجيا. لقد تنامي إلى علمي وفهمي أنكم جميعا قد مكثتم هنا وقتا طويلا في انتظاري ولم يفرغ صبركم الجميل، فشكرا جزيلا لكم على ذلك. كما أود أيضا أن أتوجه بأسمى آيات الشكر لرئيس جامعتكم أوتومفو أوساي دوتو الثاني، ملك قبيلة الأشانتي، الذي شرفني هذا الصباح بإهدائي الميدالية الذهبية للمواطنة الفخرية لمملكة الأشانتي، وهذا هو مصدر هذه السلسلة الذهبية الجميلة التي ترونها. السيد نائب رئيس الجامعة البروفيسور كواسي كوافو أداركوا، هل ما قلته كان صوابا؟

حضرة صاحب النيافة رئيس أساقفة كوماسي، صديقي وزير المالية والاقتصاد، السيدة الرائعة عمدة كوماسي، السادة الوزراء، الضيوف الأكارم، وفي المقام الأول السيدات والسادة الحضور المهمين من الطلبة والطالبات وأعضاء هيئة التدريس بجامعة كوامي نكروما للعلوم والتكنولوجيا: تحياتي لكم جميعا "Mey Mamoaha".

أعلم أنني قد جئتكم مبكرا قبل موعد الاحتفالات بيوم واحد، ولكن اسمحوا لي أن أقول لغانا في عيد ميلادها الخمسين: عيد سعيد عليك يا غانا. لقد ذكر لكم نيافة رئيس الأساقفة أنني أمضيت سبع سنوات رائعة من عمري عميدا بإحدى الجامعات، ويطيب لي أن أكون مرة أخرى في رحاب هذا الحرم الجامعي مع لفيف من الأساتذة والطلاب. لقد كنت عميدا بجامعة جون هوبكنز بمدينة واشنطن العاصمة حيث سنحت لي فرصة التفاعل يوميا مع الطلاب الذين كانوا بصدد تنفيذ أكبر الاستثمارات لمستقبلهم ومستقبل أوطانهم ومجتمعاتهم.

إن وطنكم يقوم بتحقيق استثمار كبير فيكم لأنكم تمثلون مستقبل غانا وغدها المأمول. إنكم، كما سأشرح بعد بضع دقائق معدودات، تمثلون بطريقة ما مستقبل أفريقيا كلها. ولذا يحدوني وطيد الأمل أن تبذلوا قصارى الجهد والعمل لتأخذوا كل ما يمكن استخلاصه والحصول عليه من الفرص التعليمية التي أُتيحت لكم.

إنني أعرب عن بالغ سروري وسعادتي لدخول البنك الدولي في شراكة مع جامعة كوامي نكروما للعلوم والتكنولوجيا لافتتاح مركز لمعلومات التنمية هنا. فمن شأن هذا الصرح أن يتيح الوصول إلى ثروة طائلة من معلومات التنمية للطلاب، والباحثين، وأعضاء هيئة التدريس، والجمهور. وإنني أشجعكم على الاستفادة من هذا الصرح الجديد في رحاب هذا الحرم الجامعي.

إن جامعتكم، باعتبارها مركزا رائدا للعلوم والتكنولوجيا في غرب أفريقيا، تقوم بتقديم مساهمات مهمة لبناء مستقبل غانا. فالعلوم والتكنولوجيا هي مفاتيح الولوج إلى آفاق المستقبل، المفاتيح التي تفتح الأبواب على مصراعيها لاغتنام الفرص العظيمة في القرن الحادي والعشرين.

إن كثيرا من المفكرين الجهابذة قد تلقوا دراستهم في نفس فصولكم وقاعاتكم الدراسية ثم ذهبوا لشغل المناصب المرموقة. ولعل من أشهرهم بطبيعة الحال كوفي أنان، أحد كبار رجالات الدولة على مستوى أفريقيا والعالم. ومن ثم فإنني آمل أن تكون أحلامكم كبيرة، أن تصوبوا أنظاركم نحو أعلى نقطة في الأفق، أن تركزوا تطلعاتكم على ما يمكن أن تفعلوه لبلدكم وللعالم أجمع.

لقد زرت كيبي بالأمس وكان لي عظيم الشرف أن أضع إكليلين من الزهور على قبري اثنين من القادة العظام لحركة الاستقلال في غانا، هما: جي. بي. دانكوا وويليام أوفوري أتا. وكان ذلك بالنسبة لي تذكرة حافلة بالمهابة والتوقير والإجلال للدور الذي لعبته غانا في قيادة الأمم الأخرى في أفريقيا نحو الاستقلال. فغدا يواكب الذكرى السنوية الخمسين لبداية رياح التغيير التي هبت بقوة كاسحة عبر قارة أفريقيا، كانت انطلاقة البداية من هنا، من غانا، التي كان اسمها ساحل الذهب في ذلك الحين.

في الليلة السابقة على يوم استقلال غانا، شبه رئيسكم الأول، كوامي نكروما، خطوات هذا البلد الأولى نحو الحرية بسفينة تمخر عباب البحر بأمواجه المتلاطمة. وكتب نكروما قائلا: "بينما أقف في شموخ وعزة وكبرياء في برج القيادة على متن تلك السفينة التي كانت تُبحُرُ في ثقة، منفردةُ دون رفيق يصاحبها وتصاحبه أو أنيس يؤنسها وتؤنسه، رفعت يدي عساها تلقي بظلالها على عيناي فتدفع عنهما بعضا من وهج الشمس الأفريقية، وعساي أن أمعن النظر في الأفق البعيد. هناك الكثير والكثير فيما وراء الأفق، ووراء الأكمة ما وراءها." لم تتوقف رؤية نكروما عند حدود غانا، بل امتدت متخطيةً تلك الحدود سابحةً في الفضاء الرحيب لهذه القارة. كان نكروما على يقين جازم بأنه إذا نجحت غانا فسوف تنجح بقية أفريقيا ويزدان مفرقها بأكاليل من غار.

واليوم، تشرئب أعناق العالم وتشخص لطلعة غانا مرة أخرى الأبصار، فغانا رائدة للحرية في أفريقيا، وها أنتم تحتفلون في معية السرور والحبور بمرور خمسين عاما في هذه الرحلة الرفيعة الشأن والبالغة الأهمية.

إن هذا المَعلَم البارز في تاريخكم يتيح فرصة مهمة للتفكير من جديد، للتفكير بكل جرأة وجسارة، مع إمعان النظر والتدبر ليس في إنجازات غانا فحسب، وهي مبعث فخركم واعتزازكم، بل النظر أيضا في الهفوات والأخطاء والفرص الضائعة حتى يمكن مواجهة تحديات الحاضر وتحقيق كل الطاقات والقدرات لمستقبل هذا البلد.

هلا سمحتم لي أن أتجاذب معكم أطراف الحديث بأمانة وإخلاص كصديق لغانا، وصدقوني فإنني بالفعل صديق لغانا. وبما أنه من واجب الصديق على الصديق أن يصدقه القول في السر والعلن، ودون إغفال بشائر الخير التي حملها المستقبل في ذلك اليوم التاريخي قبل خمسين عاما، فإنني أقول إن الغانيين قد تحملوا الكثير من خيبات الأمل والرجاء خلال نصف القرن الماضي: فالانقلابات، والعنف، وسوء الإدارة الاقتصادية خلال معظم السنوات الثلاثين الأولى بعد الاستقلال قد أدت إلى عرقلة وإعاقة التنمية الاقتصادية في غانا، وتركت ملايين من الغانيين يعيشون في هوة الفقر الطاحنة. ولكن من حسن الحظ أنه على مدى العقدين الماضيين، وخلال السنوات الخمس المنصرمة بصفة خاصة، تم إرساء دعائم وأسس الاقتصاد الحديث، فشهدنا تسارعا في وتيرة التقدم الذي يبشر بالخير ويحمل الآمال الكبار للمستقبل.

دعوني أكرر على مسامعكم ما قاله الرئيس كوفور في خطابه للأمة في الشهر الماضي: "وتمضي غانا مرة أخرى في سبيلها إلى التقدم والارتقاء". وإذا تمت المحافظة على هذا الاتجاه مع تقويته وتعزيزه، فإن السنوات الخمسين المقبلة يمكن أن تأتي على غانا وقد حققت حلمها في الرخاء والرفاهية الحقة. وسوف يكون ذلك الإنجاز مهما ليس لأكثر من 20 مليون غاني فحسب، بل مهم أيضا كمثال يحتذى به، وينبوع لا ينضب معينه للإرشاد والإلهام في أفريقيا كلها.

لقد ألقت غانا وراء ظهرها الانقلابات والحكم الاستبدادي التعسفي الذي ساد فيما مضى، وارتقت سلم التطور على أكتاف ديمقراطية تنبض بالقوة والعافية بعد انتخابات حرة وعادلة. كما أطلت وسائل الإعلام الديناميكية برأسها وبزغ نجمها الساطع، ناهيك عن الحوار العام القوي الذي يشرك المواطنين في تشكيل ملامح مستقبل هذا البلد.

لقد أصبحت غانا في مصاف البلدان ذات الأداء الاقتصادي الأفضل في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء. إذ نجحت في الحفاظ على استدامة النمو الحقيقي بمعدل 4 في المائة أو أكثر على مدى ما يزيد على عشر سنوات، محققةً زيادة في المعدل إلى أكثر من 6 في المائة في عام 2006. إن غانا هي أحد البلدان الأفريقية القلائل التي تشير التوقعات إلى قدرتها على بلوغ الهدف الإنمائي للألفية الجديدة الذي يرمي إلى تخفيض أعداد الفقراء بمقدار النصف بحلول عام 2015.

في أوائل فترة التسعينيات، كان أكثر من نصف سكان هذا البلد يجاهدون بشق الأنفس للوفاء بمتطلبات شظف العيش والحياة بأقل من دولار أمريكي واحد للفرد في اليوم ـ وهذه هي كيفية تعريفنا في البنك الدولي للفقر المدقع. وبحلول العام 2003، انخفض هذا العدد إلى ما نسبته 35 في المائة، غير أن نسبة 35 في المائة ما تزال مفرطة في الارتفاع. بل إن الوصول إلى تحقيق الهدف الإنمائي للألفية الجديدة لن يحول دون بقاء أكثر من شخص واحد من بين كل خمسة أشخاص في دائرة العوز والحرمان. وبناء عليه، فإن سجل الإنجاز الجيد على مدى السنوات الماضية لا يجب أن يكون مدعاة للركون إلى الدعة والتواكل اكتفاءً بما كان ولامبالاةً بما يجب أن يكون. فغانا تحتاج إلى تحقيق ما هو أفضل، ومن المؤكد أنها تستطيع تحقيق الأفضل والأفضل. ولا بد أن يسود الشعور الحقيقي بالأهمية والحاجة الماسة إلى الإنجاز، لأنه إذا تمكنت غانا من مواجهة تحديات التنمية وزيادة سرعة وتيرة النمو وتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة، فسوف تصبح مثالا قويا ومقنعا للأمل، الأمل في مستقبل أفضل لكل هذه القارة المهمة.

إننا إذا قلبنا صفحات التاريخ للعقود القليلة الماضية في أنحاء العالم، فسوف نرى أن مناطق كثيرة قد حققت تقدما ملحوظا في مكافحة الفقر. ففي السنوات الخمس والعشرين الماضية، تمكن 500 مليون شخص من الإفلات من براثن الفقر، وينتمي معظم هؤلاء الناجين من الفقر إلى اثنين من أكبر الاقتصادات الناشئة وهما الهند والصين. ومن المتوقع في العقد القادم أن ينضم 400 مليون شخص على مستوى العالم إلى السير على خطى هؤلاء والإفلات من بين فكي الفقر. دعونا مرة أخرى نتصارح فيما بيننا بكل الصدق والأمانة، فالمنطقة الوحيدة التي تخلفت عن الوعد بالتغيير هي منطقة أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء. فقد ازداد عدد الفقراء في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء بمقدار الضعف تقريبا من حوالي 160 مليون شخص قبل 25 عاما إلى 300 مليون شخص في الوقت الحاضر.

ولكن شيئا ما يمضي في سبيله نحو إحداث التغيير. ففي العام الماضي، قال 60 في المائة من سكان أفريقيا إنهم يتوقعون أن يكون هذا العام أفضل من العام الماضي – وهذا يجعل الأفارقة أشد الناس تفاؤلا في العالم. إنني لن أخبركم من هم الأشد تشاؤماً، ولكنهم من ذوي الثراء والغنى، هذا هو كل ما يمكنني أن أقوله لكم.

بعد السفر وشد الرحال إلى 12 بلدا أفريقيا في خلال العام ونصف العام الماضيين، أصبحت على اقتناع تام بأن هذا التفاؤل يعكس الحقيقة. ففي العقد الماضي، تمكن 17 بلدا أفريقيا ـ وغانا من بين أهم بلدان هذه المجموعة التي يبلغ عدد سكانها حوالي ثلث سكان هذه المنطقة أي منطقة شبه القارة ـ تمكن بشكل ثابت من تحقيق النمو بنسبة 4 في المائة أو أكثر. إن تحقيق النمو في بلدي بنسبة 4 في المائة سوف يعتبر معجزة بكل المقاييس. إلا أنني على وشك أن أقول لكم إن النمو بنسبة 4 في المائة في بلدكم ليس على وجه التقريب جيدا بما فيه الكفاية. إنه ليس جيدا بما فيه الكفاية لأن تحديات الفقر شديدة الضراوة والتصدي لها هو أمر ملح. إن الموارد اللازمة لمكافحة فيروس ومرض الإيدز والملاريا هي موارد نحتاج إليها اليوم وليس بعد جيل من الآن. وإذا تمكنت غانا والبلدان الأخرى ذات الأداء الاقتصادي العالي في أفريقيا من تحقيق معدلات نمو أعلى مما حققته البلدان النامية في آسيا، فإنه سيكون في مقدوركم تغيير هذا البلد نحو الأفضل في ظرف جيل واحد.

إذا كنتم تعتقدون أن هذا الأمر مفرط في الطموح والتفاؤل، فاسمحوا لي أن أقول لكم إنه لم يمض وقت طويل على اعتقاد الناس في شرق آسيا بأن تحقيق مثل هذا النوع من التقدم هو المستحيل بعينه. إنني أكبر من معظمكم سناً، وكنت أعكف على دراسة علم الاقتصاد في أوائل الستينيات من القرن العشرين، وكان العديد من الخبراء الاقتصاديين يقولون في ذلك الوقت إنه لا أمل ولا رجاء في كوريا الجنوبية فهي حالة ميئوس منها تماما. لعلكم تسمعون ذلك فتعتريكم الدهشة لأنه في غضون نحو 40 عاما تحولت كوريا الجنوبية من بلد فقير لا يملك أية موارد، واقتصاد منغلق على نفسه، لتصبح رمزا للنجاح في مجال التنمية. إن كوريا الجنوبية اليوم هي عاشر أكبر اقتصاد في العالم.

ولعل الصين مثال حديث لهذا النوع من النجاح. فحتى منتصف السبعينيات، كان الاقتصاد الصيني يعاني من الركود وكان البلد يعيش في فقر لا أمل في الفكاك من براثنه. ولكن الاقتصاد الصيني حقق انطلاقته الكبرى في أوائل الثمانينيات. فعلى مدى الأعوام الخمس والعشرين الماضية، تمكن الصينيون من تحقيق معدلات نمو بلغت في المتوسط قرابة 10 في المائة، وتمثلت نتائج ذلك في قدرة مئات الملايين من الصينيين على الإفلات من غياهب ظلمات الفقر.

وعلى غرار هذين البلدين والعديد من البلدان الصغيرة الأخرى التي فاقت قدرتها كل التوقعات وأصبحت من النماذج الاقتصادية التي يشار إليها بالبنان، فإن غانا لديها أيضا الطاقة والمقدرة على الجري بخطوات سريعة على المسار المؤدي إلى المقاييس الأعلى للتنمية. إن تحقيق معدل نمو بنسبة 7 في المائة أو أعلى من ذلك من شأنه أن يُحدث اختلافا هائلا في حياة الناس. إذ سيؤدي ذلك إلى تضاعف نصيب الفرد من الدخل بحلول عام 2015. ومن شأنه أيضا زيادة عدد الأطفال الملتحقين بالمدارس، وتوفير فرص العمل الجديدة، والمساعدة في إنقاذ المزيد من الناس من حلقة الفقر قبل حلول عام 2015 وهو التاريخ المستهدف الذي حدده المجتمع الدولي.

في الأسبوع الماضي، استجاب 16 مانحا دوليا، بما في ذلك البنك الدولي، لإستراتيجية النمو وتخفيض أعداد الفقراء في غانا، التي نطلق عليها اسما مختصرا بالانجليزية هو GPRS2 ونحن مغرمون ومولعون باشتقاق هذه الأسماء المختصرة. أقول استجبنا بالتوقيع على إستراتيجية المساعدة المشتركة الخاصة بغانا G-JAS لتقديم مساندة تبلغ أكثر من 5 بلايين دولار أمريكي من مجموعة المانحين على مدى أربع سنوات.

دعوني أتحدث بإيجاز عن ثلاثة من أكبر التحديات التي تواجهها غانا لتحقيق وضعية البلد المتوسط الدخل. أولا، تحتاج غانا إلى تعزيز القدرة التنافسية للقطاع الخاص ـ باعتباره القوة المحركة الرئيسية لخلق فرص العمل. لقد رأيت في السوق في كوماسي اليوم مثالا بعد آخر للفقراء البسطاء من الناس الذين يستخدمون فنون البراعة والإبداع والابتكار والعمل الجاد لتغيير حياتهم التي تسير في معظمها وفق ظروف وأوضاع صعبة. إن هذا النوع من الطاقة والقدرة على البراعة والإبداع ليس حكرا على الآسيويين ولا على الأمريكيين دون غيرهم، لأنه يوجد هنا في غانا إلى حد كبير، ولكن أخشى ما أخشاه هو الإفراط في فرض القواعد والنظم التي ما زالت تحول دون إقدام الكثير من الأعمال على البدء في مزاولة النشاط أو أنها تحول في الواقع دون توسع الأعمال التي بدأت بالفعل في ممارسة النشاط.

تقوم مجموعة البنك الدولي كل عام بإصدار تقرير نسميه "تقرير ممارسة أنشطة الأعمال" وهو يقيس مدى سهولة تنفيذ الأعمال في 175 بلدا حول العالم. ويسعدني أن أقول إن إفريقيا بدأت منذ العام الماضي في احتلال مكان بارز كواحدة من أسرع المناطق القائمة بالإصلاح، وكانت غانا وتنزانيا البلدين الأفريقيين اللذين كانا من بين البلدان العشرة التي احتلت القمة في مجال الإصلاح على مستوى العالم.

إلا أن الأمر سوف يتطلب الإصلاح لمدة أكثر من عام حتى تنتقل غانا إلى الموقع الذي يجب أن تكون فيه. لقد قيل لي في الحقيقة إن إجراءات تسجيل الملكية هنا ما زالت تستغرق أكثر من عام. وهذه فترة طويلة للغاية. وتتطلب إجراءات البدء في مزاولة عمل أو نشاط تجاري 81 يوما بالإضافة إلى نصف متوسط دخل الفرد الغاني في السنة. لعل ذلك لن يخيف الكثير من المستثمرين الدوليين ويقصيهم بعيدا، لكنه سوف يوقع الرعب والفزع في قلوب الكثير من الفقراء خارج القطاع الرسمي. والأهم من ذلك، أنهم حتى إذا تمكنوا من البدء في إقامة عمل أو نشاط تجاري، فإنهم سوف يتجهون إلى القطاع غير الرسمي حيث لا يمكن للقانون أن يحمي استثماراتهم أو حقوقهم في العمل، وحيث تكون قدرتهم على التصدير أكثر صعوبة. لقد رأيت على طول الطريق في الأيام القليلة الماضية الكثير من هذه الأعمال غير الرسمية ـ سواء بوتيكات تديرها المشتغلات بالخياطة، أو مصنع صغير للمنسوجات في نيما به حوالي ست ماكينات خياطة، أو ورش في الهواء الطلق لإصلاح السيارات، أو أكشاك صغيرة لصناعة الأحذية أو لصناعة الأدوات الزراعية. إن هؤلاء جميعا يشكلون جزءا هاما من النسيج الاقتصادي لغانا، وإذا قامت غانا بإزالة الروتين الحكومي فإنها ستساعد على إطلاق طاقة هذا الاقتصاد الساحلي من عقالها ليصبح مركزا محوريا للتجارة الإقليمية. كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى توسيع وتنويع قاعدة الصادرات في غانا والمساعدة في تغذية النمو.

ويتمثل التحدي الثاني في تحسين مرافق البنية الأساسية في البلاد. لقد أخبروني أنه يتم على أرضية المصنع في غانا إنتاج نفس النوعية العالية مثل الصينيين وبتكلفة أقل كثيرا. ولإعطائكم فكرة واضحة، دعوني أنقل لكم ما قالوه لي حول أن تكلفة صناعة القميص هنا تبلغ 12 سنتاُ أمريكيا فقط مقابل 29 سنتا أمريكيا لإنتاج نفس القميص في الصين، ولكنك بمجرد أن تنقل خطاك إلى خارج بوابات المصنع تجد أن غانا قد بدأت في فقدان ميزتها التنافسية بشكل سريع للغاية. فخارج المصنع، هناك الطرق المتداعية المنهارة التي تثقل كاهل الأعمال والمشروعات بتكاليف النقل الباهظة. ناهيك عن أزمة الطاقة الحالية التي جعلت من الصعب الاعتماد على خدمات الإمداد بالطاقة الكهربائية مما يضطر الصناعات إلى تخفيض مستوى الإنتاج. إن مسألة تعزيز النمو والنهوض به تتطلب من غانا الاستثمار بكثافة في البنية الأساسية وإصلاح قطاع الطاقة. وليس ثمة شك في أن ذلك بحاجة إلى المساندة القوية من قبل المستثمرين المحليين والأجانب وشركاء التنمية، ولكنه يتطلب أيضا أن تقوم غانا بإدارة تدفقات الموارد على النحو الذي يمكنها من جني أعلى عائد ومردود للاستثمارات.

وهذا يقودني إلى التحدي التنموي الثالث الذي أود أن أذكره لكم الآن ـ وهو ضمان استدامة نظام الإدارة العامة الجيد. فعلى المدى الطويل، لن تؤدي عمليات إصلاح السياسات ولا الاستثمارات في البنية الأساسية ولا الاستثمارات في التنمية البشرية إلى إعطاء النتائج المرجوة إذا لم تكن هناك حكومة متسمة بالشفافية ومستعدة للمساءلة وتحمل المسؤولية. ولهذا السبب أشعر بالسعادة البالغة لأن الرئيس كوفور قد وضع نظام الإدارة العامة وجودته في أعلى سلم الأولويات في جدول أعمال غانا. وفي الحقيقة، كانت غانا من بين أول بلدين يشتركان في الآلية الأفريقية لاستعراض الأداء من قبل النظراء ــ وهي الآلية التي تسمح لبلدان أفريقية أخرى باستعراض أداء غانا بما في ذلك نظام الإدارة العامة. كما اضطلعت غانا أيضا بتقوية إدارة ماليتها العامة ونظم المشتريات، وقد أدت عمليات التدقيق والمراجعة المنتظمة، والإشراف البرلماني، والمشاركة النشطة من جانب منظمات المجتمع المدني ــ وهذا أمر بالغ الأهمية ــ إلى تحسين تنفيذ الميزانية. كما أن المعلومات المتعلقة بالإنفاق متاحة على الانترنت ليطلع عليها الجميع. ويجب على أن أقول لكم إن الوزير قد أبلغني عدة مرات في الأيام القليلة الماضية أنه بدون المعلومات الجيدة المقدمة من المجتمع المدني كان سيتعين عليه أن يثق بالأرقام الرسمية وأنه لو فعل ذلك لما كان الموقف جيدا، فشكرا له.

إن آلية استعراض الأداء من قبل النظراء تشير إلى أن 75 في المائة من الغانيين ما زالوا يعتقدون أن الفساد يمثل مشكلة خطيرة. إن الفساد هو مرض عضال يضع عقبات كؤود في طريق التنمية. وهو يستنزف موارد الفقراء ويعرقل نمو القطاع الخاص. وهناك خطوات أساسية يمكن أن تساعد غانا على مكافحة هذا المرض منها تقوية مهارات مؤسسات المساءلة في غانا مثل لجنة حقوق الإنسان والعدالة الإدارية، وفعل المزيد لتمكين المجتمعات من أسباب القوة لضمان التحلي بروح المسؤولية في إدارة ومراقبة استخدام الموارد العامة. إنه لا يمكن القول بأن تلك الأمور فقط هي التحديات الماثلة أمام غانا، فالاستثمار في رأس المال البشري والصحة العامة والتعليم ربما كان أهم شيء يقوم بعمله أي بلد من البلدان. ولكن دعوني أتحدث قليلا عن التحديات الماثلة أمام البنك الدولي ومجتمع التنمية ككل. إذا أردنا أن يكون أداء غانا أفضل، فإنه يتعين على مجتمع المانحين أن يفعل الكثير والكثير. فحتى في ظل أفضل الإصلاحات الممكنة للسياسات، سوف تكون غانا في حاجة إلى موارد إضافية كبيرة لتنفيذ كل الاستثمارات الضرورية. والواقع أن النمور الآسيوية، والصين، ذلك البلد النامي العملاق، لم تستطع تحقيق النجاح بالاعتماد على الذات مكتفيةً بما لديها من موارد فحسب.

لقد حصلت كوريا الجنوبية على أكثر من 20 بليون دولار أمريكي من البنك الدولي خلال أربعة عقود، بينما تلقت الصين أكثر من 45 بليون دولار أمريكي من البنك الدولي خلال ما لا يزيد على 25 عاما. ويتمثل أهم مصدر للتمويل الإنمائي، بالنسبة لغانا والبلدان الأشد فقرا في أفريقيا وحول العالم، فيما نسميه IDA أي المؤسسة الدولية للتنمية وهي ذراع مجموعة البنك الدولي المعني بتقديم القروض الميسرة. ومنذ أوائل فترة الثمانينيات عندما شرعت غانا في تنفيذ برنامج استعادة عافية النشاط الاقتصادي، بلغ ما قدمته لها المؤسسة الدولية للتنمية في شكل اعتمادات ومنح خالصة أكثر من 5 بلايين دولار أمريكي. وبفضل الشراكة الوثيقة بين المؤسسة الدولية للتنمية وغانا، أمكننا تحقيق نتائج أحدثت اختلافا حقيقيا في حياة الفقراء. فقد أصر البنك على أن تقوم الحكومة بزيادة الوصول إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي المأمونة في المجتمعات الفقيرة.

قبل 15 عاما، كان حوالي ثلثي التلاميذ الذين أتموا تعليمهم في المدارس الابتدائية لا يستطيعون القراءة. وبحلول العام 2004، انخفض هذا العدد إلى 1 من بين كل 5 تلاميذ، ولعل الفضل في ذلك يرجع في جزء منه إلى المؤسسة الدولية للتنمية التي قدمت مساندة طويلة الأجل لبرنامج الحكومة المعني بالنهوض بالتعليم. كما أننا سوف نلتزم هذا العام بتقديم 450 مليون دولار أمريكي لمساندة إستراتيجية الحكومة لتخفيض أعداد الفقراء. إن دورنا لا ينحصر في تقديم التمويل دون سواه، بل إننا نساعد البلدان في تطبيق المعرفة العالمية والمحلية لمواجهة تحديات التنمية. لقد زرت يوم السبت الماضي مقهى شعبيا للانترنت في أكرا اسمه الانترنت المزدحم (Busy Internet). وبمساندة من البنك الدولي، يقوم هذا المقهى، الذي يضج بالنشاط والحركة والضوضاء، بإتاحة وصول أصحاب المشروعات الصغيرة إلى الانترنت حيث يمكنهم الاطلاع على المعلومات الحيوية اللازمة لإدارة أعمالهم. لقد تحدثت عن مسؤوليات الحكومة ومجتمع التنمية، فدعوني أعود في الختام إلى التحدث عن مسؤولياتكم كطلاب. إن أعظم مورد لأي بلد يتمثل في شعبه، ولا يتمثل في الذهب أو النفط أو الكاكاو أو الأخشاب، إنما يتمثل في المهارات والمواهب التي يتمتع بها شعبه والمبادرات التي يقوم بها.

إن كوريا الجنوبية هي بلد لا يملك تقريبا أية موارد طبيعية، ولكن كوريا الجنوبية هي واحدة من بين أكثر الاقتصادات نجاحا بكل المعايير والمقاييس الكبيرة في العالم اليوم، لأنها استمرت بكل الدأب والمثابرة في النهوض بمستويات التعليم. فاليوم يتلقى حوالي 90 في المائة من الطلبة والطالبات في كوريا نوعا من التعليم الجامعي، ويزيد هذا المعدل على مثيله في الولايات المتحدة. إنكم من المتميزين من بين أقرانكم في غانا لأن لديكم الفرصة لتلقي العلم في الجامعة. فاغتنموا هذه الفرصة جيدا. شمروا عن ساعد الجد في استذكار دروسكم وتأكدوا من الاستفادة من كامل طاقاتكم وقدراتكم. فذلك ليس مهما بالنسبة لمستقبلكم فحسب، بل هو مهم أيضا لمستقبل بلدكم ومستقبل أفريقيا. قبل ما يزيد على 10 سنوات مضت، كان هناك بلد آخر يمضي في طريقه للبدء في رحلة نحو التقدم، واغتنام الفرصة، وتحقيق الرخاء.

ففي ذلك الحين، خرجت جنوب إفريقيا لتوها من إسار ماضيها المظلم المثقل بالهموم والمتاعب. وأدرك عندها نيلسون مانديلا، قائد مستقبل هذا البلد وواحد من أعظم الرجال في المائة سنة الأخيرة، أن ذلك مجرد بداية في مسار رحلة طويلة وشاقة. لقد كتب مانديلا قائلا " لقد اكتشفت السر في أنه بعدما يتسلق المرء تلاً مرتفعا يجد الكثير من التلال المرتفعة التي يجب عليه تسلقها. لقد استقطعت دقيقة حتى أخلد فيها إلى الراحة ولأطل برأسي أسترق النظر إلى المناظر الخلابة المحيطة بي من كل جانب، ولأنظر إلى المسافة التي قطعتها من حيث أتيت؛ أستطيع فقط أن أستريح لمدة دقيقة، لأن الحرية معناها المسؤوليات، ولن أجرؤ على أن أتسكع.. فمشواري ما زال طويلا بلا نهاية." وبالنسبة لشعب غانا، فإن مشواركم الطويل لم ينته بعد، ولكنكم قطعتم شوطا طويلا. إن لديكم أساسا قويا للعثور على طريق الرخاء. لدى غانا العديد من الأسباب الموجبة للاحتفال في عيدها الخمسين. ولكن غانا في عيدها الخمسين يجب أن تواصل الرحلة التي بدأتها. لا بد أن تكون الأهداف والآمال كبارا. ويجب عليكم المضي قدما إلى الأمام بخطوات أسرع؛ يجب أن تتخذوا خطوات أكبر وأكثر جرأة وجسارة لتشكيل المستقبل الذي يستحقه الشعب الغاني ـ وحتى تكونوا مثالا ونموذجا ملهماً لبقية بلدان أفريقيا.

وفي الختام أشكركم. شكرا لكم.


أخبار أخرى ذات صلة

تقرير جديد للبنك الدولي: أفريقيا تخسر مليارات الدولارات بسبب ضعف تجارتها البينية
تقرير: بناء جامعات بارزة أشد تعقيداً مما يظن كثيرون
الإصلاحات الحكومية تعزز الفرص الاقتصادية للمرأة لكن الوضع يستدعي خطوات أكبر



Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/EGLKX27140