قبل أكثر من عشر سنوات، وقف القرويون في المنطقة الريفية في جنوب شرق السنغال شاخصةً أبصارهم يرقبون بنفوسٍ مغلوبة على أمرها غاباتِهم التي أصبحت أثرا بعد عين حيث امتدت إليها يد القطع والإزالة تجتثها لسد جوع المدن وإشباع نهمها وشراهتها في الحصول على الفحم الخشبي لإنتاج ما يلزمها من الطاقة.
وها هم تجار الفحم الخشبي في المدن وقد ازدادوا ثراءً على ثراء من خلال تجارة شحن آلاف الأطنان من الفحم الخشبي، المجهز بطريقة عشوائية تعوزها الكفاءة، إلى داكار وغيرها من المناطق الحضرية التي تستخدمه كوقود لأغراض الطهي، ولكن هنالك على الجانب الآخر الفقراء في الريف الذين حلت عليهم الفاقة الشديدة وازدادوا بتلك التجارة فقرا إلى فقرهم، بل وما عاد حال بيئتهم بغريبٍ عن حالهم. لقد خسرت منطقة تامباكوندا وإقليم كولدا ما يقرب من 30,000 هكتار من الغابات في كل سنة من تلك السنوات العجاف. وساورت المخاوف نفوس الكثيرين خشية أن تندفع عمليات إزالة الغابات والأحراج إلى التعدي على حديقة نيوكولو- كوبا الوطنية العامة، وهي محمية دولية من محميات المحيط الحيوي، علاوة على كونها موقعا للتراث العالمي خاضعا لإشراف اليونسكو ويضم 350 نوعا من أنواع الطيور النادرة و80 نوعا من الثدييات كالأسود، والنمور، والأفيال، والظباء (البقر الوحشي)، والقردة، والسعادين، والخنازير الوحشية الأفريقية، والجاموس، وفرس النهر، والتماسيح. تباطؤ عمليات إزالة الغابات والأحراج لقد أخذت عمليات إزالة الغابات والأحراج في التباطؤ والتراجع لاحقا، بعد مضي عشر سنوات، إذ باتت ممارسات الإدارة الأفضل للغابات عاملا مساعدا على خلق حاجز منيع لوقاية الحديقة الوطنية العامة وحمايتها. ويقول بوريس أوتريا الخبير الأول لشؤون الطاقة بالبنك الدولي إن هذا التغير يرجع إلى حد كبير للأنظمة المعنية بحماية الغابات والأحراج التي تم سنها في عام 1998 وخولت المجتمعات المحلية صلاحيات وسلطات إدارة الغابات الكائنة خارج نطاق أراضي الغابات الخاصة بالدولة. ويضيف بوريس أوتريا أن "رجال الأعمال الحرة كانوا قد اعتادوا قبل ذلك على القدوم إلى هذه المناطق وقطع الأشجار بدون أن تعود أية فائدة على السكان المحليين. إذ كان هؤلاء السكان جميعا من طائفة المستبعدين تماما، ليس لأي منهم ناقة ولا جمل فيما يجري أمام ناظريهم، فحقوقهم مهضومة بالكامل فيما يتعلق بتلك الموارد." "ولكنهم الآن هم الباعة الواقفون على باب مزارعهم، يديرون هذه الموارد بشكل مستمر، موفرين الحماية لبيئتهم ومحققين لأنفسهم دخلا من وراء ذلك. بل إنهم يعيدون استثمار هذا الدخل في مجالات التنويع الاقتصادي من خلال استحداث المحاصيل الجديدة وزراعتها، وتربية قطعان الماشية، وإنشاء المناحل، وممارسة الأنشطة الحِرَفية، فضلا عن استثماراتهم في الأصول الاجتماعية، والتعليم، والأنشطة الثقافية." مشروع إدارة الطاقة تولى بوريس أوتريا قيادة فريق العمل المتعدد القطاعات والمسؤول عن مشروع إدارة الطاقة المستدامة القائمة على المشاركة، الذي بلغت تكلفته 20 مليون دولار أمريكي وشاركت في تمويله المؤسسة الدولية للتنمية التابعة لمجموعة البنك الدولي (5.2 مليون دولار أمريكي)، والمؤسسة الهولندية للتعاون الإنمائي (8.8 مليون دولار أمريكي)، وصندوق البيئة العالمية (4.7 مليون دولار أمريكي). وقد قام هذا المشروع باستحداث أنظمة لإدارة الموارد الطبيعية المستدامة في 317 مجتمعا من المجتمعات المحلية، بما يغطي مساحة قدرها 300,000 هكتار من الغابات والأحراج، كما اضطلع المشروع بتدريب الممثلين المنتخبين عن كل قرية على كيفية إدارة نصيب القرية من الغابات والموارد الطبيعية الأخرى بطريقة مستدامة ومبنية على المشاركة، بالإضافة إلى تدريبهم على كيفية إنتاج الفحم الخشبي بأسلوب يتسم بالكفاءة والفعالية. وقد منح هذا المشروع القرى حق اتخاذ القرارات المتعلقة بكيفية التصرف في الأموال المكتسبة، وهو النهج المعروف بنهج التنمية المدفوع باعتبارات المجتمعات المحلية. ويقول أوتريا إن نتائج هذا المشروع قد فاقت كل التوقعات. • فقد أدى هذا المشروع إلى الحد من إزالة الغابات وتخفيض معدل الإزالة بما يقدر بحوالي 39,000 هكتار من الغابات سنويا ـ وهو ما يتجاوز المستوى الأصلي المستهدف وقدره 20,000 هكتار في السنة. • قبل ديسمبر/كانون الأول عام 2004، كان المشروع قد نجح في إنقاذ قرابة مليون طن من الأخشاب، وهو ما يعادل 1.78 مليون طن من انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون التي بلغت قيمتها 1.8 مليون دولار أمريكي ـ أي بزيادة نسبتها 312 في المائة عن التقديرات الأصلية الخاصة بهذا المجال. ومن المتوقع أن يصل إجمالي القيمة الاقتصادية لتخفيض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون إلى 66 مليون دولار أمريكي بعد 20 عاما. • استفادت 250,000 أسرة في المناطق الحضرية والمناطق المتاخمة لها من توزيع مواقد الفحم المحسنة وانتشارها، كما استفادت 11,000 أسرة أخرى من الحصول على مواقد الكيروسين وغاز البترول المسال التي تعتبر أقل إحداثا للتلوث. • تمكنت 317 قرية تقريبا، وهي قرى لم تكن تنعم مطلقا في السابق بقطف أية ثمار أو تحقيق أية منافع من هذه الغابات والموارد الطبيعية الأخرى، من كسب إيرادات إضافية قدرها 12.5 مليون دولار أمريكي في عام 2005 وهو العام الذي انتهت فيه المرحلة الأولى من مراحل المشروع، ثم ارتفع هذا الرقم بعد ذلك إلى 15.9 مليون دولار سنويا. وكان المستوى الأصلي المستهدف من قبل المشروع بشأن الإيرادات الإضافية المستدامة محددا بمبلغ 3 ملايين دولار أمريكي في السنة.
ويستطرد أوتريا مضيفاً "أن هذا المشروع لم يحقق تأثيرا منظورا وقابلاً للقياس الكمي فحسب، بل إنه من الأهمية بمكان أن هذا المشروع قد أدى أيضا إلى إفراز تغير اجتماعي حقيقي أسفر بدوره عن تحقيق ديناميكية الاعتماد على النفس والاستدامة الاقتصادية. إن هذا هو ما صنعته أيدي السكان المحليين، فطوبى لهم ثم طوبى أن يواصلوا هذه المسيرة دون توقف أو انقطاع لتحقيق النفع والفائدة لأنفسهم." "لقد قاموا بأنفسهم بتنفيذ هذا المشروع وقادوا على دروب النجاح خطاه، ولا يمكن بالتالي أن يفشل هذا المشروع لأن الفشل هنا ضرب من ضروب المحال". |