مجلس محافظي مجموعة البنك الدولي
كلمة روبرت ب. زوليك رئيس مجموعة البنك الدولي واشنطن، العاصمة 22 أكتوبر/تشرين الأول 2007 " تحفيز المستقبل: عولمة مُستدامة لا تستثني أحداً " السيد الرئيس، السادة المحافظون، الضيوف الكرام:
يُسعدني أن أرحّب بكم في اجتماعاتنا السنوية هذه. أود أن أعرب عن عميق تقديري لرئيس اجتماعاتنا هذه السيد كريم جودي على قيادته لهذه الاجتماعات وللسيد أوغستين كارستينز على قيادته للجنة التنمية، وأيضاً على ما قدّمه لي من نصائح عند تسلّمي مهام منصبي الجديد هذا. وأود أن أشكر صديقي وزميلي رودريغو دي راتو على تشجيعه للشراكة القوية بين مؤسّستيْنا. فقد عرفته منذ عملنا معاً كلٌّ في إطار حكومته على قضايا التجارة والاقتصاد، ولطالما أكْبرتُ فيه البصيرة الثاقبة واللُطف وروح الدُعابة الجادّة. وأتمنى له أفضل ما يمكن أن يكون له في المستقبل. وأتطلع إلى مواصلة هذه الشراكة مع دومينيك شتراوس-كان. فقد كان أول لقاء بيننا من خلال صديقي باسكال لامي الذي يشغل حالياً منصب المدير العام لمنظمة التجارة العالمية. وإنه لمن حسن حظي أن أكون صنواً لهذا الاشتراكي الفرنسي صاحب المقدرة الكبيرة غير العادية! كما أود شكر العديدين ممّن قدّموا لي التشجيع والمساندة. وأشعر أن الناس في جميع أنحاء العالم يدركون الحاجة إلى هذه المؤسسة الفريدة وإمكاناتها. فمجموعة البنك الدولي واحدة من المؤسسات الكبيرة المتعددة الأطراف تم إنشاؤها بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد مُضيّ ستين سنة، توجّب عليها التكيّف مع أوضاع مختلفة كثيراً في حقبة العولمة الجديدة. وأظن أن أفضل سنواتها هي السنوات القادمة. وقد أعانني موظفو مجموعة البنك الدولي على أن أتعلّم، وبيّنوا لي ما نقوم به من عملٍ حيويٍّ على الصعيد الميداني، وعرضوا أفكاراً جديدة في الوقت الذي قمنا فيه بتحديد خط سيرنا في المستقبل. ويقوم مجلس المديرين التنفيذيين بتقديم التوجيهات المبنيّة على الخبرة أثناء سعينا لتحويل النوايا الطيّبة إلى أعمال وإجراءات مُثمِرة. وجه مجموعة البنك الدولي وراء كل مشروع نقوم بمساندته قصة شخص يسعى لبناء حياة أفضل. أثناء الزيارة التي قمت بها إلى كمبوديا في شهر أغسطس/آب الماضي، التقيت لياب روث – وهو رجل نشيط ذو همّة فَقَدَ إحدى رجليه في ثمانينيات القرن الماضي. وقبل خمس سنوات، أقام لياب مع زوجته ورشةً صغيرةً يبيع فيها آلات درْس الأرز وعربات نقل وأدوات زراعية. فهو اقترض المال من بنك ACLEDA لمساعدة أنشطة أعماله على النمو والازدياد. أما بنك ACLEDA هذا فسبق أن كان مُجرّد منظمة صغيرة غير حكومية، ولكنه تحوّل إلى واحد من أكبر البنوك التجارية في كمبوديا بمساعدة من مؤسسة التمويل الدولية، وهي ذراع مجموعة البنك الدولي في التعامل مع القطاع الخاص. وهو حالياً البنك الوحيد الذي يقدّم الخدمات المالية للفقراء في كمبوديا، من خلال فروعه البالغ عددها 166 فرعاً والمنتشرة في عموم أنحاء كمبوديا. وفي مالي، قام البنك الدولي بمساعدة بلدة صغيرة قائمة على زراعة القطن في إنشاء محطة كهرباء تعمل بالطاقة الشمسية. وهي تمد بالكهرباء أكثر من 150 من السكان طوال عشر ساعات يومياً، وهي في النهاية ستصل إلى المزيد من السكان. ويعتمد عمدة هذه البلدة خليفة جوعيتا على الكهرباء في اجتذاب المستثمرين المحليين وتقريب العالم من عتبة بيته. وهو يقول: " بمساعدة من الهاتف نستطيع أن نعرف ما يدور في هذا العالم. وبمساعدة من الكهرباء سنرى ما يدور في العالم من خلال التلفزيون ". وفي أفغانستان، قامت الموارد التمويلية التي قدّمتها المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) بمساندة جهود الحكومة الأفغانية في: بناء المدارس، وتدريب المُعلّمين، ووضع منهاج جديد لمدارس المرحلة الثانوية. وفي إطار كلمة ألقاها في البنك الدولي في أوائل هذا الشهر، قال وزير التربية والتعليم الأفغاني حنيف أتمر: " لم يكن يدرس في مدارس أفغانستان قبل خمس سنوات ونصف فتاة واحدة، ويبلغ عدد الفتيات الملتحقات بالمدارس حالياً أكثر من مليوني فتاة. وقبل خمس سنوات ونصف، لم يكن لدينا معلّمات تعملن في المدارس، وأصبح لدينا الآن 40000 مُعلّمة ". هذه هي الوجوه الإنسانية التي تهتم بها مجموعة البنك الدولي. قد يكونون بعيدين جداً عن عواصمنا وقاعات مؤتمراتنا، ولكنهم في صميم رسالتنا الرامية لإتاحة الكرامة والأمل. يريد الناس في كل مكان – إن أُتيحت لهم الفرصة – بناء حياة أفضل لأنفسهم ولأطفالهم. ويمكن لهذا الحافز إذا سنحت له الفرصة أن يسهم في بناء مجتمع عالمي سليم ومزدهر. عولمة مُستدامة لا تستثني أحداً أصبحت العولمة العلامة التي تطبع عصرنا هذا. فهي أدت إلى إزالة الحواجز والحدود، وأطلقت انتقال الأفكار والسلع ورأس المال والأشخاص. وخلقت الفرص حيثُ لم تكن هنالك فرصٌ من قبْل. ولكن العولمة لم تصل إلى الجميع. فقد بقي العديدون على هامشها، والبعض يزدادون بُعداً عنها. علماً بأن الاستبعادَ والفقرَ الطّاحن والأضرارَ التي تلحق بالبيئة عواملُ تخلق الأخطار. أما الذين يعانون أشد المعاناة فهم الذين ليس لديهم ما يبدؤون به – وهم: الشعوب الأصلية، والنساء في البلدان النامية، والفقراء في المناطق الريفية، والأفارقة، وأطفال كل هؤلاء. وتقوم رؤية مجموعة البنك الدولي على المساهمة في إقامة عولمة مستدامة لا تستثني أحداً – حتى يمكن التغلُّب على الفقر، وتعزيز النمو مع العناية بالبيئة، وخلق الفرص والأمل في مستقبل الأفراد. في عام 2000، حدَّدت الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة ثمانية أهداف إنمائية للألفية الجديدة – وهي غايات طموحة تستهدف بحلول عام 2015: تخفيض نسبة الفقراء إلى النصف، ومحاربة الجوع والمرض، وتقديم الخدمات الأساسية للفقراء. فهذه الأهداف هي أهدافنا وهي مُعلّقة فوق مدخل مقرّنا الرئيسي لتُذكّرنا يومياً بما نأتي لتحقيقه في إطار عملنا. ينبغي أن تقترن أهداف التنمية الاجتماعية بمتطلبات وشروط النمو المُستدام، المدفوع بالقطاع الخاص ضمن إطار مساند تتيحه السياسات العامة. دور مجموعة البنك الدولي ليس الوفاء بهذه الاحتياجات بالطبع مسألة أموال وفقط. كما أن دور مجموعة البنك الدولي ليس حل هذه المشاكل بمفردها. يتمثّل غرض مجموعة البنك الدولي فعلاً في مساعدة البلدان على مساعدة ذاتها عن طريق: حفز رؤوس الأموال والسياسات من خلال مزيج من الأفكار والخبرات، وتنمية فرص القطاع الخاص في الأسواق، ومساندة ترسيخ الحكم الرشيد ومكافحة الفساد – بدعّمٍ وتشجيعٍ من مواردنا المالية. ويتمثّل غرض مجموعة البنك الدولي فعلاً في طرح أفكار عن مشروعات واتفاقيات دولية بشأن: التجارة، والتمويل، والرعاية الصحية، ومحاربة الفقر، والتعليم، وتغيّر المناخ، وذلك بهدف تحقيق النفع للجميع ولاسيما الفقراء. ينبغي أن نقوم بتوسيع حدود تفكيرنا بشأن السياسات والأسواق، وأن نستطلع إمكانات جديدة وليس مُجرّد اجترار ما ثبت نجاحه على نحو مقبول مع ميزة مالية متواضعة. الخطوات الأولى نقوم باتخاذ الخطوات الرامية لاستقطاب نقاط القوة والتآزر فيما بين المؤسسات الأربع الرئيسية التي تشكّل مجموعة البنك الدولي – البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD)، والمؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، ومؤسسة التمويل الدولية (IFC)، والوكالة الدولية لضمان الاستثمار (MIGA). وعلينا العمل كمجموعة بنك دولي واحدة في الوفاء باحتياجات البلدان المتعاملة معنا. أولاً، وافق مجلس المديرين التنفيذيين في الآونة الأخيرة على أنه ينبغي أن تتصدر مجموعة البنك الدولي التجديد الخامس عشر لموارد المؤسسة الدولية للتنمية (IDA 15) بقيامها بتقديم أكبر مساهمة من مواردها الذاتية حتى الآن تبلغ 3.5 بليون دولار أمريكي في هذا السبيل. وهذا أكثر من ضعفي مساهمتها البالغة 1.5 بليون دولار أمريكي في التجديد الرابع عشر لموارد المؤسسة الدولية للتنمية (IDA 14). وتتوقف مساهمتنا في المؤسسة الدولية للتنمية طبعاً على الدخل السنوي للبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومؤسسة التمويل الدولية، حسبما يقوم بتوزيعه المجلس التنفيذي لكل منهما في كل سنة، ولكننا نعتقد أن هذا الهدف الموسّع ممكن. ونحثّ الآخرين على التوسيع أيضاً كما أن سخاء البلدان المانحة ضروري من أجل نجاح التجديد الخامس عشر لموارد المؤسسة الدولية للتنمية، فهي بالنسبة لنا أداة التمويل الرئيسية من أجل أشد البلدان فقراً، ولاسيما من أجل أفريقيا. وقد شجعتنا المساندة من البلدان المانحة، ونأمل بتحقيق نتائج طموحة. وانضمت إلينا جمهورية جنوب أفريقيا بتعهدها بزيادة بنسبة 30 في المائة في مساهمتها في هذا التجديد. وبات الآن على بلدان مجموعة الثمانية والبلدان المتقدمة الأخرى ترجمة ما قطعته من وعود في بيانات مؤتمرات القمة إلى أرقام جدّية أيضاً. ثانياً، نحن ملتزمون بوضع استراتيجية تضمن زيادة معدلات نمو أنشطة مؤسسة التمويل الدولية، وهي ذراع مجموعة البنك الدولي في التعامل مع القطاع الخاص. فمؤسسة التمويل الدولية شهدت النمو في السنوات القليلة الماضية. كما زادت التركيز على الأثر الإنمائي لعملها. ففي السنة الماضية، قامت باستثمار 3.6 بليون دولار أمريكي – 37 في المائة من مجموع استثماراتها – في بلدان مؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية. ثالثاً، سنقوم بتعميق التعاون بين المؤسسة الدولية للتنمية ومؤسسة التمويل الدولية بهدف زيادة تنمية القطاع الخاص في بلدان واقتصادات أكثر فقراً. فمؤسسة التمويل الدولية تقوم حالياً بإنشاء صندوقين بشأن البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية معنيّين بالبنية الأساسية والمساهمات في رؤوس أموال المؤسسات البالغة الصغر. ويمكن للمؤسسة الدولية للتنمية ومؤسسة التمويل الدولية الاشتراك في هذا الاستثمار بغية مساندة الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مشروعات البنية الأساسية، ولاسيما في قطاعات: الطاقة، والنقل، والمياه، والزراعة، والتمويل البالغ الصغر. ويمكن لهذه المشروعات مساندة تكامل الأسواق الإقليمية المعنيّة، وهو أمر ضروري بصفة خاصة للبلدان الداخلية الصغيرة في أفريقيا. رابعاً، أعلنّا عن تخفيضٍ وتبسيطٍ كبيرين لأسعار الفائدة على القروض التي يقدّمها البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وهو ذراع مجموعة البنك الدولي في التعامل مع القطاع العام. علماً بأن أسعار الفائدة على القروض عادت الآن إلى مستوياتها قبل الأزمة المالية التي وقعت في آسيا. وهذه خطوة في إطار جهود أوسع نطاقاً ترمي إلى تحسين وتوسيع نطاق الخدمات التي نقوم بتقديمها للمتعاملين معنا. تطالب البلدان المتعاملة مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير بمساعدتها في الوفاء باحتياجاتها المختلفة. ولذلك، يجب أن ينمو البنك الدولي للإنشاء والتعمير وأن لا ينكمش. فلمزيج المعرفة وخدمات الإقراض التي نقدمها أهمية خاصة لمساعدة البلدان في تحقيق التنمية الاجتماعية، وتوسيع خدمات الطاقة والبنية الأساسية بطريقة سليمة من الوجهة البيئية. ويجب طبعاً أن تواصل خدماتنا للبلدان المتوسطة الدخل توسّعها بما يتخطى القروض إلى حد بعيد. كما يجب علينا معالجة التكاليف غير المالية المُترتّبة على القيام بأنشطة الأعمال. ونهدف إلى أن نكون أسرع وأحْسن وأقلّ تكلفة مما نحن الآن. فهذه الخطوات الأولى هي التي تشير إلى الأفق الآخذ بالتوسع. عولمة مُستدامة لا تستثني أحداً: نهج متعدد الأطراف يعيش حوالي بليون شخص على أقل من دولار أمريكي واحد في اليوم. ويجب على العولمة أن لا تتخلى عن " بليون القاع " هذا. فالفقر يولّد عدم الاستقرار والمرض ودمار الموارد المشاع والبيئة. كما يمكن أن يؤدي الفقر إلى تقطيع لحمة المجتمعات بحيث تصبح أرضاً خصبة لمن يبغون الخراب وسبباً للهجرة التي تُعرِّض الأرواح للمخاطر. وأسفرت العولمة عن منافع متفاوتة بالنسبة للبلايين من سكان البلدان المتوسطة الدخل الذين بدؤوا صعود سُلّم التنمية منذ نهاية الحرب الباردة. وفي العديد من تلك البلدان، تؤدي التوتّرات الاجتماعية إلى إضعاف التماسك السياسي. ومن الضروري أن تواصل تلك البلدان المتوسطة الدخل تحقيق النمو لكي تُتيح التنمية الاشتمالية واعتماد سياسات بيئية ترمي إلى تحقيق الازدهار القابل للاستمرار. ويطرح تزايد نفوذ البلدان النامية سؤالاً آخر: أين يقع مكانها في هذا النظام العالمي الآخذ في التطور؟ وهذا السؤال لا يدور فقط حول كيف ستتفاعل البلدان النامية الكبيرة مع البلدان المتقدمة، بل أيضاً كيف ستتفاعل مع الدول الأكثر فقراً والأصغر حجماً من بين بلدان هذا العالم. ومن السّخرية حقاً أن تنسحب مجموعة البنك الدولي من العمل مع البلدان المتوسطة الدخل في وقت تدرك فيه حكومات تلك البلدان مدى الحاجة لزيادة فعالية إدماج بلدانها في المؤسسات المعنية بالعمل الدبلوماسي والأمن السياسي: فلماذا إذن عدم إدماجها كشركاء في المؤسسات المعنية بالاقتصاد المتعدد الأطراف أيضاً؟ قبل عامين اثنين، اقترحتُ أن تبني الصين على ما حققته من نجاح بأن تصبح " طرفاً فاعلاً مسؤولاً " في النظام الدولي. وبالطبع، فإن ذلك يشكل تحدياً للآخرين أيضاً، إذا كان لنا أن نحقّق عولمة مستدامة لا تستثني أحداً. ومع هذه المسؤولية، ينبغي زيادة الصوت المسموع ونسبة التمثيل. فنحن في حاجة إلى النهوض بهذه الأجندة لتدعيم مشاركة البلدان النامية في مختلف أنشطة عمل مجموعة البنك الدولي وقوة العمل فيها. ومن دواعي سروري الخاصة أن الدكتورة نغوزي أوكونجو-إويالا – وزيرة المالية السابقة في نيجيريا – وافقت على العودة إلى البنك الدولي حيث عملت قبل ذلك مدة 21 سنة لكي تتسلّم منصباً رفيعاً كمدير منتدب في البنك الدولي. وتواجه البلدان المتقدمة أيضاً فرصاً وضغوطاً نتيجة للعولمة. عِلماً بأن حسن التقدير والتصرف يهدي الجماهير في البلدان المتقدمة إلى إدراك أن اللجوء إلى العزلة ليس فيه أي نجاح. وتدفعها الكياسة واللباقة – فضلاً عن المصلحة الذاتية – إلى الإقرار بالاعتماد المتبادل حتى حين تقوم بمناقشة أفضلَ سُبلِ إتّباعه. وبالمقارنة مع حجم تلك التحديات العالمية، ليست مجموعة البنك الدولي سوى مؤسسة متواضعة. إلا أنه يتعين عليها مع شركائها من المؤسسات المتعددة الأطراف - الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وبنوك التنمية الإقليمية ـ أن تقوم بدورٍ مهمٍّ في دفع مسيرة العولمة المستدامة التي لا تستثني أحداً. ولقد تعرّضت المؤسسات المتعددة الأطراف، ومازالت، للصدمات والهجمات. وهي الآن في أمسّ الحاجة إلى أن تقرن ما تقوم به من مداولات ومشاورات بتحقيق نتائج فعليّة على أرض الواقع. وعلى تلك المؤسسات أن تتغلب على أوجه الضعف الداخلية، وأن تبني على نقاط القوة التي تتمتع بها. ويتعين عليها كذلك معاً أن تبرهن على أن تعددية الأطراف يمكن أن تعمل بفعالية أكبر ـ ليس فقط في قاعات المؤتمرات وثنايا البيانات الختامية ـ ولكن أيضاً في القرى والمدن الزاخرة بالسكان، لصالح من هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة. ستة محاور تركيز إستراتيجية ما هي، إذن، التوجهات الإستراتيجية التي ينبغي أن تتبعها مجموعة البنك الدولي؟ أولاً، تواجه مجموعة البنك الدولي التحدي المتعلق بتقديم المساعدة في التغلّب على الفقر وتحفيز النمو المستدام في أشدّ بلدان العالم فقراً، ولاسيما في أفريقيا. وتعتبر المؤسسة الدولية للتنمية أداة التمويل الرئيسية لمجموعة البنك الدولي في مساعدة أشد البلدان فقراً البالغ عددها 81 بلداً. ينبغي علينا في تلك البلدان ـ إلى جانب شركائنا ـ تكثيف تركيزنا على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة. فتلك الاحتياجات الأساسية سترسي الأسس الضرورية للمستقبل. إلا أن الرسالة التي استخلصتها عندما سافرت إلى أفريقيا في يونيو/حزيران وإلى آسيا في أغسطس/آب من هذا العام تُفيد بأن الأهداف الإنمائية الاجتماعية ضرورية، ولكنها ليست كافية. ومما يبشّر بالخير أن 17 بلداً أفريقياً - وهي موطن 36 في المائة من سكان أفريقيا – حققت معدلات نمو سنوي بلغ متوسطها 5.5 في المائة في الفترة 1995-2005. وتريد هذه البلدان المساعدة في إقامة البنية الأساسية من أجل زيادة معدلات نموها – ولاسيما مرافق توليد الطاقة والمرافق المادية التي يمكن أن تساند التكامل الإقليمي. وهي أيضاَ تريدنا أن نساعدها في تطوير وتنمية الأسواق المالية المحلية، بما في ذلك أسواق التمويل البالغ الصغر التي يمكنها تعبئة المدخرات الأفريقية من أجل تحقيق نمو بلدان واقتصادات أفريقيا. ويرى القادة الأفارقة إمكانات هائلة في توسيع نطاق الزراعة، بصورة متزايدة من خلال تعزيز نمو الإنتاجية. ويُبرز تقرير عن التنمية في العالم الذي صدر عن مجموعة البنك الدولي قبل مدة وجيزة حقيقة أن نمو إجمالي الناتج المحلي الناجم عن قطاع الزراعة يحقق نفعاً للأشد فقراً يعادل أربعة أمثال ما يحققه لهم نمو القطاعات الأخرى. ونحن بحاجة إلى ثورة القرن الحادي والعشرين الخضراء التي تستهدف الوفاء بالاحتياجات الخاصة والمتنوعة في قارة أفريقيا. كما نحتاج إلى زيادة الاستثمار في: بحوث وتعميم استخدام التكنولوجيا، وإدارة الأراضي بما يحقق استدامتها، وسلاسل الإمدادات والمستلزمات الزراعية، والري، والائتمان البالغ الصغر في المناطق الريفية، والسياسات التي تؤدي إلى تدعيم الفرص في الأسواق، مع المساعدة في التصدّي لأوجه الضعف وأوجه انعدام الأمن في المناطق الريفية. وينبغي على المزيد من البلدان تحقيق انفتاح أسواقها أمام الصادرات الزراعية أيضاً. وهناك 8 بلدان أفريقية أخرى، تضم حوالي 29 في المائة من سكان تلك المنطقة، حققت متوسط نمو سنوي بلغ 7.4 في المائة خلال فترة السنوات 1995-2005 بسبب مواردها النفطية. وبالنسبة لتلك الدول وبعض البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية في مناطق أخرى، فإن التحدي الإنمائي الذي يحتل الأولوية يتمثل في تشجيع سياسات الحكم الرشيد ومكافحة الفساد، جنباً إلى جنب مع توسيع قدرات القطاع العام المحلي، وذلك لضمان أن تبني إيرادات الموارد الطبيعية مستقبلاً مُستداماً لجميع المواطنين. كما تسنح لنا فرصة إقامة شراكات جديدة بغية مساعدة الأشدّ فقراً. وتعمل مجموعة البنك الدولي حالياً مع كل من روسيا والصين والبرازيل والهند للوفاء باحتياجات بلدان ومناطق أكثر فقراً. ثانياً، ينبغي علينا معالجة المشاكل الخاصة المتعلقة بالدول الخارجة من الصراعات أو التي تسعى إلى تفادي التفكّك والانهيار. حين قام المعنيون في بريتون وودز بوضع رؤيتهم بشأن البنك الدولي للإنشاء والتعمير، كانت عبارة "التعمير" تعني إعادة إعمار أوروبا واليابان. أما اليوم، فتشير عبارة "التعمير" إلى التحدّي الماثل في إعادة إعمار الدول المُتضرّرة من الصراعات الحديثة. ومن المُحزن أن هذه الصراعات لا تؤدي إلى معاناة غير عادية بالنسبة لمن تطالهم مباشرة فحسب، بل إن أثرها غير المباشر يلحق بجيرانهم أيضاً. وبصراحة، نجد أن فهمنا لكيفية التعامل مع هذه الحالات المُدمّرة متواضع في أحسن الأحوال. وأظن أننا سنحتاج إلى نهج أكثر تكاملاً يتضمّن كلاً من: الأمن، والأطر السياسية، وإعادة بناء القدرات المحلية بمساندة سريعة، وإعادة إدماج اللاجئين، وزيادة مرونة المساعدات الإنمائية. وإن العمل البّناء الذي تقوم به مجموعة البنك الدولي في كل من البوسنة ورواندا وموزامبيق يُظهر ما يمكن القيام به. وثبت أن لقدرة المؤسسة الدولية للتنمية على التكيّف وسرعة صرفها للموارد التمويلية أهمية حيوية في بيئات ما بعد انتهاء الصراعات، ونحن نعمل حالياً مع الشركاء الآخرين في عملية التنمية على زيادة فعاليتنا. ونعمل حالياً في كل من: جنوب السودان، وليبيريا، وسيراليون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وكوت ديفوار، وأنغولا، وتيمور ليست، وبابوا غينيا الجديدة، ودول المحيط الهادئ الجزيرية، وأفغانستان، وهايتي – من بين دول أخرى. وإذا تم التوصّل إلى اتفاق سلام في دارفور تدعمه قوّات أمنية قوية مختلطة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، فإن مجموعة البنك الدولي راغبة في مدّ يد المساعدة أيضاً. ثالثاً، تحتاج مجموعة البنك الدولي إلى اعتماد نموذج عمل أكثر تمايزاً من أجل البلدان المتوسطة الدخل. فحوالي 70 في المائة من الفقراء يعيشون اليوم في الهند والصين والبلدان المتوسطة الدخل التي يقدم لها البنك الدولي للإنشاء والتعمير الخدمات. وفي حالات كثيرة، أخفق النمو الاقتصادي السريع في إتاحة الفرص للفقراء. فالخدمات الاجتماعية مازالت ناقصة التمويل. كما أن المشاكل البيئية ومشاكل الطاقة حادّة وبارزة. ومازال يتواصل احتمال حدوث تقلبات في تدفقات رؤوس الأموال إلى تلك البلدان ـ على النحو الذي شهدناه في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. وإدراكاً من البلدان الأعضاء المتوسطة الدخل لتلك التحديات، فإنها تريد من مجموعة البنك الدولي مواصلة العمل معها من خلال مجموعة مُنوّعة من "الحلول الإنمائية". لكن ذلك العمل ينبغي أن يُجسِّد تحقيق تحسينات كبيرة في مراكزها المالية وقدراتها المؤسسية على مدى السنوات العشر الماضية. وهي تريد من البنك الدولي للإنشاء والتعمير أن يقدم خدمات مصرفية أكثر مرونة وأفضل أسعاراً، مع تقليل الإجراءات البيروقراطية، وتقصير المُدّة اللازمة لإنهاء تلك المعاملات. كما تريد خدمات معرفية واستشارية حسب احتياجات كل منها ومحكمة التوقيت. وهي تتطلّع إلى مؤسسة التمويل الدولية لكي تساعد في تطوير حلول للقطاع الخاص بشأن الأسواق غير المتطوّرة والاحتياجات الاجتماعية أيضاً. كما أنها تطالبنا بالوفاء بمعايير متزايدة الارتفاع فيما يتعلق بكل من: النوعية، والاتساق، وفعالية التكاليف في ما نقوم بتقديمه من الخدمات الاستشارية. باختصار، إنها تريد رؤية الأداء الجيّد، وهذا ما ننوي القيام به. وبالنسبة للبعض من بين البلدان المتوسطة الدخل، ستكون خدماتنا بصورة متزايدة في مجالات إدارة المخاطر، وتطبيق المعارف العالمية على الاحتياجات المحلية. كما يمكننا إتاحة تعزيز الائتمان، والتحوّط من المخاطر، وخبرات محايدة من شأنها المساعدة على بناء القدرات على إدارة الأصول. ويمكننا تشجيع أسواق الأوراق المالية المحلية من خلال المساعدة في إنشاء صناديق ومؤشرات السندات المُقوّمة بالعملات المحلية. ونستطيع كذلك تقديم التمويل بالعملات المحلية للمساعدة في الجمع بين ما نقدمه من قروض وإدارة مخاطر أسعار العملات. ولتشجيع تحقيق النمو الاشتمالي داخل البلدان، يمكننا العمل مع أجهزة الإدارة الحكومية المحلية في المناطق والأقاليم. ونحن الآن بصدد تطوير أدوات مالية للطوارئ للمساعدة في توفير الاحتياجات الطارئة من السيولة في أوقات الأزمات المالية، وتسهيلات التأمين وأسواق رأس المال بغرض توسيع نطاق وتخفيض تكلفة التغطية الضمانية بشأن الكوارث الطبيعية، كالأعاصير والزلازل. ومن شأن بعض هذه الأنشطة أن تقودنا إلى استطلاع أفضل سبل تقديم الخدمات والمعارف مقابل رسوم، مع إتاحة خيار تقديمها إلى البلدان المتعاملة معنا مقرونة بالتمويل أو بدونه. رابعاً، ينبغي على مجموعة البنك الدولي القيام بدورٍ أكثر نشاطاً في تشجيع سلع النفع العام على الصعيدين الإقليمي والعالمي بما يتخطى حدود الدول. ومن بين مهام عملنا التأكد من الربط بين هذه الأجندة وأهداف عملية التنمية. وسيقتضي عملنا على سلع النفع العام الإقليمية والعالمية توثيق أواصر التعاون مع الهيئات الأخرى التي تتمتع بخبرات متخصصة، من بينها: منظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ومنظمة التجارة العالمية. وقد برهنت مجموعة البنك الدولي عن إمكاناتها في المساعدة على التصدي للأمراض المُعدِية، وذلك من خلال عملنا في مكافحة كل من: فيروس ومرض الإيدز، والملاريا، وإنفلونزا الطيور، فضلاً عن تطوير الأمصال واللقاحات. ونقوم حالياً بإعادة النظر في طرق تدعيم الرابط بين المعونات والتجارة. ونعمل حالياً مع مجلس المديرين التنفيذيين لإجراء زيادة كبيرة في المساعدة التي نقدمها إلى الجهود الدولية للتصدّي لمشكلة تغيّر المناخ. وفي مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيّر المناخ الذي سيتم عقده في بالي في شهر ديسمبر/كانون الأول القادم، آمل أن أعرض موجزاً لمجموعة من الطرق التي يمكن فيها لمجموعة البنك الدولي أن تساعد في الدمج بين احتياجات عملية التنمية وتخفيض انبعاثات غاز الكربون. ومن الضروري التركيز على وجه الخصوص على مصالح واحتياجات البلدان النامية، حتى يمكننا التصدي للتحدي الماثل في تغيّر المناخ دون إبطاء وتيرة النمو الذي يساعد بدوره في التغلّب على الفقر. وسيكون هدفنا الرئيسي مساعدة البلدان في جعل إجراءات التكيّف والتخفيف " من صميم " استراتيجياتها بشأن تحقيق النمو، شاملة خططها في مجالات تنمية قطاع الطاقة والزراعة واستخدامات الأراضي. كما يمكن لمجموعة البنك الدولي إتاحة آليات تمويل مبتكرة وبشروط ميسّرة – كبرنامج شراكات غاز الكربون في الغابات الذي تمت إقامته في الآونة الأخيرة – وذلك للمساعدة في إجراءات: التخفيف من الأثر، والتكيّف، والتعميم السريع للمبتكرات التكنولوجية. ومثلما في إطار تبادل حصص انبعاثات غاز الكربون، يمكننا المساعدة في رِيادة وتشجيع آليات جديدة للأسواق – بطرق تهدف إلى مساعدة البلدان النامية. وبمساعدة من مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، يمكننا أيضاً تشجيع خلق بيئة سياسات عامة وأنشطة أعمال تجارية من شأنها الحصول من القطاع الخاص على رأس المال اللازم للتصدّي لهذا التحدي. البلدان الفقيرة والأشخاص الفقراء هم الأكثر عُرضة للمخاطر الناجمة عن آثار تغيّر المناخ، وهم الأقل حماية ووقاية منها. ويمكن لمجموعة البنك الدولي مساندة زيادة المرونة فيما يتعلق بالمخاطر المناخية. ويمكننا الترويج للتقدم التكنولوجي وتشجيع اعتماد التكنولوجيات الجديدة، ولاسيما في بلدان العالم النامية. فعلى سبيل المثال، تمسُّ الحاجة إلى قدرات جديدة تُسهّل امتصاص غاز الكربون على نحو يتّسم بالكفاءة. ومن أجل تدعيم قدرات البلدان النامية على تحديد استراتيجياتها بشأن تخفيض انبعاثات غاز الكربون والتكيّف مع ضرورات مواجهة تغيّر المناخ، يمكننا مساندة البحوث التطبيقية وتطوير المعارف فيما يتعلق باقتصاديات تغيّر المناخ في البلدان النامية. واستناداً إلى مجموعة أنشطة المساندة هذه والمعرفة التي نقوم بتطويرها، ستكون مجموعة البنك الدولي جاهزة أيضاً للمساعدة في إثراء مناقشات السياسات الدولية بشأن أنظمة ممكنة فيما يتعلق بتغيّر المناخ. ولكن ينبغي أن لا يكون هذا مفاضلة بين تحقيق النمو والعناية بالبيئة. فالبلدان النامية – ولاسيما البلدان الأفريقية – تشعر بالقلق من أن الموارد التي تُخصص لتخفيف آثار تغيّر المناخ ستكون على حساب تمويل الاحتياجات الإنمائية الرئيسية الأخرى. وهذا سبب آخر لضرورة وفاء البلدان المتقدمة بتعهداتها وتقديم مساهماتها في التجديد الخامس عشر لموارد المؤسسة الدولية للتنمية (IDA 15). خامساً، من بين أبرز التحديات في عصرنا الحالي كيفية مساندة البلدان الساعية إلى النهوض بالتنمية وإتاحة الفرص في العالم العربي. ففي الماضي، كانت تلك البلدان مركز التجارة والعِلم، وهو ما يشير إلى وجود إمكانات وقدرات يمكن الاستفادة منها إذا استطاعت تخطّي الصراعات والحواجز التي تعوق تحقيق النمو والتنمية الاجتماعية. وبدون تحقيق النمو عريض القاعدة، فإن تلك البلدان ستعاني من توترات اجتماعية وأعداد كبيرة من الشباب والشابات غير القادرين على العثور على فرص العمل. علماً بأن تقرير التنمية الإنسانية العربية الصادر عن الأمم المتحدة يتضمّن تقييمات ذاتية قويّة. عندما كنت أشغل منصب الممثل التجاري للولايات المتحدة، عملت عن كثب مع قادة بلدان تلك المنطقة من المغرب العربي وحتى الخليج حيث كانوا يقومون بتحقيق انفتاح اقتصاداتها ومجتمعاتها. وبالرغم من أن بعضها تمتع بوفرة في موارد الطاقة ورؤوس الأموال، افتقر نشاطها الاقتصادي إلى التنوع والقدرة على خلق فرص العمل. وكانت بلدان أخرى تسعى إلى تحسين مدارسها، وتدعيم اعتماد التكنولوجيا، وزيادة فرص العمل من خلال تخفيف القيود الناظمة لممارسة أنشطة الأعمال والتجارة. وسعى عدد منها إلى تعميق الصلات الإنتاجية مع آسيا من خلال الاستثمارات المُتبادلة، والتجارة، ونمو مراكز الخدمات. ويُظهر تقرير "ممارسة أنشطة الأعمال 2008" الصادر حديثاً عن مجموعة البنك الدولي إمكان تحقيق التقدم في تلك المنطقة. فقد تصدّرت مصر في هذا العام قائمة البلدان المُنفّذة لإصلاحات اللوائح التنظيمية بغية تسهيل إجراءات ممارسة أنشطة الأعمال التجارية. وقامت المملكة العربية السعودية بإلغاء طبقات من الإجراءات البيروقراطية التي كانت تجعل المملكة من بين أصعب الأماكن في إنشاء مؤسسات الأعمال، كما ألغت الحد الأدنى من رأس المال المطلوب . ومع أن هذه التطورات مُشجعة، مازال من الممكن فعل ما هو أكثر بكثير. فالعولمة التي لا تستثني أحداً يجب أن تعود بالنفع على الجميع في تلك الدول. وبينما تسعى حكومات البلدان العربية إلى تقديم الخدمات الاجتماعية بفعالية لجميع شعوبها، يمكننا إتاحة خبراتنا وتجاربنا مع البلدان الأخرى في هذا المجال. ويمكننا المساعدة في خلق المناخ الملائم لأنشطة الأعمال التجارية. وقد نتمكن ـ بالنسبة لبعض منها ـ من تمويل مشروعات التنمية، وتنفيذ الصناديق الاستئمانية من البلدان والجهات المانحة، أو حفز توسيع نطاق الخدمات التي يقدّمها القطاع الخاص، وذلك من خلال مؤسسة التمويل الدولية (IFC). ونقوم حالياً في الأراضي الفلسطينية بالمساعدة في تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية ومساندة الحكم الرشيد ونمو القطاع الخاص، وهذا ما يمكن أن يتيح الأساس الاقتصادي للتنمية المأمولة إذا اختارت الأطراف المعنية سلوك سبيل السلام. وأخيراً، بينما تتمتّع مجموعة البنك الدولي ببعضٍ من سمات مؤسسات العمل المالي والإنمائي، فإن مهمّتها أوسع من ذلك بكثير. إنها مؤسسة فريدة وخاصة قائمة على المعرفة والعِلم. لكنها ليست جامعة دراسية ـ بل هي "مُجمّع خبراء" يضم خبرات تطبيقية من شأنها مساعدتنا في تناول محاور التركيز الإستراتيجية الخمسة الأخرى. فتقديم تلك المعارف وتوسيع نطاقها واختبارها ـ مقرونة بالموارد التمويلية أو على نحو منفصل ـ يشكل أهمّ جزء من العمل الذي نقوم به. يجب علينا أيضاً أن نحفز أنفسنا ونتحداها دوماً من خلال طرح السؤال التالي: ما هو المطلوب لتحقيق تنمية ونمو مستدامين لا يستثنيان أحداً؟ إن هذا التحدي يتطلّب مِنّا الشعور بالتواضع ـ والأمانة الفكرية. فلقد أخفق الكثير من خطط وأحلام التنمية. ولكن ليس ذلك سبباً وجيهاً للكفّ عن السعي والمحاولة. بل هو مُوجِب للتركيز باستمرار وبقوة على تحقيق النتائج، وعلى تقييم مدى الفعالية. محاور التركيز الإستراتيجية الستة الآنفة تتيح لنا توجهاً ـ ضرورة مناقشتها وصقلها وتحسينها. ونحن نرحب بكل ما تبديه البلدان المساهمة في مؤسساتنا من توجيهات ومشورة. وثمة حاجة كبيرة ـ وفرصة ملحة ـ لمجموعة البنك الدولي في هذا المنعطف التاريخي. التحديات الداخلية: حُسن نظام الإدارة ومكافحة الفساد ولكي تحقق مجموعة البنك الدولي النجاح، ينبغي عليها أيضاً التصدّي بثبات وجرأة لتحدياتها الداخلية. إذ يتعين علينا استخدام رأس مالنا بمزيد من الفعالية، وزيادة التركيز على تقديم الخدمات للبلدان المتعاملة معنا. وينبغي علينا تضمين كافة بنود الأجندة التي نعتمدها تمكين المرأة من أسباب القوة. وعلينا تدعيم علاقاتنا مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لنتمكّن من التعلّم منها. وتجسيداً لما يُشكّل "نظام المعونات" الجديد، علينا العمل بمزيد من الفعالية مع برامج المعونات في البلدان المعنيّة، والصناديق التي تركز على مشروعات محدّدة كمشروعات مكافحة الأمراض، ومؤسسات العمل الخيري، والمنظمات غير الحكومية في الميدان، ومؤسسات الأعمال الخاصة المُهتمة بالتحديات الإنمائية. وبالإضافة إلى ذلك، يتعين علينا زيادة الصوت المسموع ونسبة التمثيل في مجلس المديرين التنفيذيين، مع تحسين مستوى التنوع في قوة العمل لدينا. وكما أكد تقرير حديث العهد صدر عن فريق قاده بول فولكر، الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفدرالي بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن أمامنا عمل ينبغي القيام به في تدعيم نهجنا فيما يتعلق بحُسن نظام الإدارة ومكافحة الفساد. وطرح علينا هذا الفريق مجموعة واسعة من التوصيات ينبغي النظر فيها. ونتابع تلك التوصيات بصورة فورية، مُرحِّبين في هذا السياق بآراء ووجهات نظر الآخرين، كما نناقش الأفكار المطروحة مع مجلس المديرين التنفيذيين، ونمضي قُدُماً في إدخال التحسينات على عملياتنا. ومن واقع تجربتي الشخصية، أجِدُ الموظفين في مجموعة البنك الدولي يدركون الأهمية الحاسمة لأجندة حُسن نظام الإدارة ومكافحة الفساد. وهم فخورون بالرسالة الإنمائية التي يعملون من أجلها، ويريدون تعزيز النزاهة في مؤسستهم، ويعرفون أن أكثر سرقات الفساد تكون على حساب الفقراء والضعفاء. ولا شك في أن تحسين عملنا يكون في تكاتُفنا. كما يمكن لمجموعة البنك الدولي الإسهام بدور قيادي من خلال تضمين أجندة التنمية سياسات كل من الحكم الرشيد وسيادة القانون. وفي الشهر الماضي، انضممنا إلى الأمم المتحدة في تدشين مبادرة استعادة الأصول المسروقة، وذلك بهدف دفع البلدان المتقدمة والبلدان النامية للعمل معاً على استعادة الأموال التي سرقها الفساد. وتقدّم إلينا عدد من البلدان النامية بطلب المساعدة في هذا المجال. خاتمة هنالك الكثير مما يمكن لمجموعة البنك الدولي القيام به لكي تكون الحافز للعولمة الاشتمالية المستدامة التي لا تستثني أحداً، ولكن لا يمكننا القيام بذلك وحدنا. وإنني أُقدّر بامتنان المبادرات الخلاّقة التي اقترحها زملاؤنا الأوروبيون منذ بدأت عملي. ومع ذلك، لا تزال هنالك ضرورة بالغة لقيام البلدان النامية بإدماج مختلف جهود المعونات المتعددة الأطراف في خطط متجانسة. علماً بأن المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) تقوم بتوحيد المعونات المُجزّأة في برنامج أكثر تجانساً يركّز على تحقيق النتائج والفعالية والتزام البلدان المعنيّة. وأعرف أن لوزراء المالية صلاحيات قوية فيما يتعلق بالموازنات: نحتاج إلى أن تستخدموا صلاحياتكم من أجل ولصالح الفقراء من خلال زيادة مساهماتكم في المؤسسة الدولية للتنمية. فالتزام مجموعة البنك الدولي بتقديم 3.5 بليون دولار أمريكي للتجديد الخامس عشر لموارد المؤسسة الدولية للتنمية يُبيّن "أننا نفي بما نتعهد به" – فهل ستفون بتعهداتكم؟ سيدي الرئيس، إذا أوفت البلدان الأعضاء في مجموعة الثمانية والبلدان المتقدمة الأخرى بالوعود التي قطعتها في قمة غلين إيغلز بزيادة المعونات لأفريقيا ولأشد البلدان فقراً، فإن ذلك سيكون علامة ملموسة على الالتزام المتعدد الأطراف بتحقيق الازدهار على الصعيد العالمي. وإذا استطاعت البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية تحقيق اختراق فيما يتعلق بأجندة الدوحة للتنمية، فإن ذلك سيكون علامة ملموسة على الالتزام المتعدد الأطراف بتحقيق الازدهار على الصعيد العالمي. علماً بأن المدير العام لمنظمة التجارة العالمية – باسكال لامي – قال في نهاية هذا الأسبوع أن من الممكن التوصّل إلى اتفاق في هذا الخصوص، وربما كانت هذه آخر فرصة لتحقيق النجاح في هذا المأرب. وأنا أوافقه على هذا. فمجموعة البنك الدولي ستبذل قصارى جهدها لمساعدة البلدان النامية في الاستفادة من المكاسب التي تنجم عن زيادة انفتاح الأسواق وعن التخفيض الشديد للإعانات المالية موضوع الخلاف. الناس يعرفون بالفطرة أن من غير الممكن اللجوء إلى العزلة. فهم يعرفون أننا جزء من ما هو أكبر مِنّا. وسواء كنا نُمثّل حكومات أو مؤسسات متعددة الأطراف، لعلينا أن نُظهر أن لدينا البصيرة والالتزام والعزم على السير في سبيل إنجاح العولمة لفائدة الجميع. #####
|