18 يناير/كانون الثاني 2008 - ترسم سلسلة مجلة ذي لانست (The Lancet) الجديدة المعنية بالتغذية، التي يشارك البنك الدولي في تأليفها وتمويلها، صورةً تبعث على الأسى عن مشكلة نقص التغذية على مستوى العالم، وحالة الإهمال المقابلة من جانب مجتمع التنمية للتصدي لهذا التحدي بشكل حاسم. ويمثل نقص التغذية وجه الفقر غير المرتبط بالدخل. وتشير الإحصاءات إلى أن العالم لا يسير على الطريق الصحيح لبلوغ هذا الهدف.
وتُعتبر الحقائق العلمية التي أثارها تقرير البنك الدولي الصادر في عام 2006 بعنوان "تغيير وضع التغذية لتكون في صميم عملية التنمية" والتي رددتها مجلة ذي لانست بالفعل حقائق مروعة: فنقص التغذية ـ الذي يندرج تحته التقزّم أو ضعف نمو الأجنة، ونقص المغذيات الدقيقة ـ هو السبب الأساسي في وفاة حوالي 3.5 مليون نسمة، كما يشكل ما نسبته 35 في المائة من العبء المرضي في شريحة الأطفال دون سن الخامسة على مستوى العالم. وفي هذا الصدد، يقول جان فرانسوا أرفيس ومونيكا الينا موسترا ـ المؤلفان الرئيسيان لهذه الدراسة، وهما خبيران بمجموعة تخفيض أعداد الفقراء وإدارة الاقتصاد التابعة للبنك الدولي، إنه من المُرجح أن تضيع الفرص التي تتيحها العولمة على البلدان التي تعاني "ارتفاعاً في مجمل تكاليف الخدمات اللوجستية".
جوي فومافي، نائبة رئيس البنك الدولي ورئيسة شبكة التنمية البشرية، مع ميرا شيكار مستشارة التغذية في شبكة التنمية البشرية بالبنك الدولي بعد إطلاق سلسلة مجلة ذي لانست. اضغط للتكبير
علاوة على ذلك، يشكل عدد حالات الوفاة بسبب نقص التغذية على مستوى العالم أكبر نسبة مئوية لأي عامل خطورة في هذه الشريحة العمرية؛ حيث يؤدي سوء التغذية أثناء الحمل وفقر الدم الناجم عن نقص الحديد إلى زيادة تعرض الحوامل للوفاة أثناء الوضع، ويشكل ذلك السبب في أكثر من 20 في المائة من حالات الوفيات النفاسية. ومن اللافت للنظر أن 90 في المائة من عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية يعيشون في 36 بلداً فقط من بلدان العالم.
وتخلص مقالة افتتاحية في مجلة ذي لانست، التي تصدر أسبوعياً منذ عام 1823، على نحو يتسم بالصراحة والوضوح، إلى ما يلي: "إن هذا العدد من سلسلة مجلة ذي لانست يخلص، على نحو قد لا يكون مثيراً للدهشة والاستغراب، إلى أن النظام الدولي للتغذية هو نظام مُفْلِس. فهو يعاني من غياب القيادة، وشحة الموارد، وهشاشة القدرات، ناهيك عن تجزؤ أنظمة الاستجابة لحالات الطوارئ.
حلول مجربة وحقيقية
ومما لا شك فيه أن مجلة ذي لانست محقة فيما وجهته من نقد في مقالها لمجتمع التنمية، ولكن لا يمكنا القول بأن في جعبتنا إجراءات تدخلية مجربة يمكننا الاستعانة بها لتغيير هذا الوضع.
فنقص التغذية في الأشهر الأربعة والعشرين الأولى من حياة أي رضيع تؤدي إلى تلف بالمخ والبنية لا يمكن محوها، بما في ذلك قصر القامة لدى البالغين، وانخفاض سنوات الدراسة، وتقلص مستوى الدخل لدى البالغين. ولذلك، فإن الإجراءات الوقائية، كالاعتماد حصرياً على الرضاعة الطبيعية، والتغذية التكميلية للرضع، هي استثمارات طويلة الأمد يمكنها أن تحسن بشكل كبير نوعية الحياة للأجيال الحالية والمتعاقبة. وتعتبر فترة الحمل وأول عامين من عمر الطفل فرصة سانحة بالغة الأهمية للوقاية من نقص التغذية أو تخفيض معدلاتها. وينبغي علينا، وهو ما يتفق عليه البنك ومجلة ذي لانست، أن نركز بقوة على هذه الفترة الحاسمة الأهمية.
استثمارات بالغة الأهمية
تقول جوي فومافي، نائبة رئيس البنك الدولي لشؤون التنمية البشرية، والتي كانت عضواً في اللجنة المسؤولة عن إطلاق سلسلة مجلة ذي لانست في واشنطن، " لقد ركزت استثمارات البنك الدولي في مجال التغذية على مدى السنوات الأخيرة على هذه الفرصة السانحة البالغة الأهمية التي تقع بين الفترة السابقة على الحمل وحتى يبلغ عمر الطفل 24 شهراً؛ وبالرغم من ذلك، من الواضح الآن أنه يجب علينا زيادة حجم الاستثمار في هذه الشريحة العمرية. فسوء التغذية يسلب من الصغار قدراتهم البشرية، كما يسلب البلدان الفقيرة من نموها الاقتصادي الحيوي، الأمر الذي سيحتم على البنك الدولي توسيع نطاق عمله في البلدان الستة والثلاثين التي يعيش فيها 90 في المائة من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية على مستوى العالم".
وتقول فومافي إن من شأن توسيع نطاق العمل في هذه البلدان أن يحفز الجهود الرامية إلى استئصال الجوع حسبما يقتضي الهدف الأول من الأهداف الإنمائي للألفية الجديدة، كما سيساعد بدرجة كبيرة على تحقيق الهدفين الرابع والخامس، اللذان يدعوان على التوالي إلى تخفيض وفيات الأطفال وتحسين الرعاية الصحية للأمهات.
نظام مجزأ ولا يقوم بعمله
وترى بعض النقاط الأساسية الأخرى في سلسلة مجلة ذي لانست أن هيكل النظام الدولي للتغذية ـ الذي يتألف من المنظمات الدولية ومنظمات المانحين، والأوساط الأكاديمية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، هو هيكل مجزأ ولا يقوم بعمله.
وفقاً تقول ميرا شيكار، أخصائية التغذية الأولى في شبكة التنمية البشرية بالبنك الدولي، وأحد المساهمين في المقالات المنشورة بسلسلة مجلة ذي لانست، "بالإضافة إلى الخلل في هذا النظام العالمي، لا يوجد ما يكفي من المعونات الإنمائية للتصدي لمشكلة نقص التغذية؛ ويرتكز هذا النظام، بصورة تفتقر إلى الحكمة، على المعونات الغذائية والمساعدات الفنية المدفوعة باعتبارات العرض؛ كما أننا في حاجة إلى توافر هيكل إدارة عالمي جديد وقيادة لزيادة مستوى المساءلة والمشاركة من جانب المجتمع المدني والقطاع الخاص. يُذكر أن ميرا شيكار هي مؤلفة دراسة "تغيير وضع التغذية" التي استنفرت جهود المجتمع الدولي، بما في ذلك مؤسسة غيتس الخيرية، حول أجندة التغذية.
وبعد أن أوضحت الأسباب والمبررات الفنية لضرورة القيام بالمزيد بشأن تغذية الأمهات وأطفالهن حديثي الولادة، فإن مجلة ذي لانست تطرح هذا التحدي: "يجب أن تنبري هيئة أو جهة مانحة أو زعيم سياسي ما للتصدي لهذا التحدي. فثمة فرصة رائعة أمامنا الآن ينبغي اغتنامها. ولكن، من تكون تلك الجهة أو ذلك الشخص الذي يقوم بذلك؟
دور للبنك
تجيب شيكار على هذا التساؤل بالقول بأن البنك الدولي في مركز يؤهله لاضطلاع بهذا الدور الريادي في إطار الشراكة مع آخرين. وتقترح شيكار وجوليان سكوييتزر، وهو مدير قطاع الصحة والتغذية والسكان بإدارة التنمية البشرية التابعة للبنك الدولي، بأن بوسع البنك أن يلعب دوراً ريادياً، بصورة مقبولة، في مواصلة تنفيذ ثلاث خطوات أساسية، وهي:
• إبراز أهمية ومستوى فهم الآثار طويلة الأمد الناجمة عن سوء التغذية على الصعيدين الدولي والوطني: فنقص التغذية يؤدي إلى استمرار معاناة أجيال من المواطنين من الإعاقات الإدراكية، وإلى تهميش التقدم المحرز نحو بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة الأخرى (ولاسيما الأهداف 2، 4 و 5)؛ كما أن أياً من الجهات المانحة، بما في ذلك البنك الدولي، لم يتصد بشكل ملائم لهذا التحدي حتى الآن. • إتاحة قاعدة قائمة بالفعل للارتكاز عليها في اتخاذ الإجراءات العاجلة: لإعطاء دفعة جديدة في البلدان الستة والثلاثين التي تعاني من أعباء عالية، من الضروري القيام بدور ريادي في التنسيق بين المانحين (شاملاً إتاحة المجال أمام القطاع الخاص)، وتطبيق الدروس المستفادة من آليات التمويل المبتكرة، مثل التمويل المستند إلى النتائج، ودعوة شركاء آخرين للانضمام إلى تلك الجهود. ويجب التأكيد على أن تكون الإجراءات العاجلة والنتائج على المستوى القطري، وذلك باستخدام برامج البنك القائمة ـ وليس على إنشاء مبادرة عالمية رأسية جديدة أخرى أو أمانة جديدة لتنسيق جهود المانحين. • القيام بدور ريادي في "مجال تقديم الخدمات" عبر قطاعات متعددة على نحو يؤدي إلى تحسين النتائج المتحققة بصورة مطردة. ويمكن للابتكارات المفيدة في هذا المجال أن تشمل التمويل المستند إلى النتائج، والتحويلات النقدية المشروطة، والمناهج الجديدة لتقديم الخدمات، والالتزام وبناء القدرات المؤسسية على المستوى القطري، الخ. ويمكن لبرنامج تسهيلات منح التنمية التابع للبنك أن يوفر رأس المال الأولي اللازم لجهد من هذا القبيل. وبفضل سلسلة مجلة ذي لانست، والمبررات التي يبديها البنك لضرورة عكس مسار نقص التغذية، فإن هذا الهدف الإنمائي للألفية الجديدة الذي تعرض للإهمال سيصبح أقل غموضاً، وستكون له أحقية في أولويات التنمية للبلدان والجهات المانحة، وهيئات المعونة على حد سواء.
وفي معرض حديثه قبل توجهه إلى سويسرا للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي خلال عطلة نهاية الأسبوع، قال السيد زوليك، رئيس مجموعة البنك الدولي، إنه سيستخدم اجتماع دافوس "لتوجيه الانتباه إلى مشكلة الجوع وسوء التغذية، ذلك الهدف الإنمائي للألفية الجديدة الذي مازال في طي النسيان".
مضيفاً أن مكافحة سوء التغذية تُعتبر ركيزة أساسية للنجاح في جبهات التنمية الأخرى، مثل تخفيض معدل وفيات الرضع، وتحسين صحة الأمهات، وتدعيم معدلات الالتحاق بالتعليم الابتدائي.