زيادة فرص العمل وتشجيع مشاريع الأعمال الجديدة في تركيا

طرسوس، تركيا ـ تعرض متجر بيع الملابس الذي تملكه عائلة علي غولبكر للإفلاس في إثر حرب الخليج عام 1991.

بعد ذلك، اضطر غولبكر البالغ من العمر 33 عاما، وهو شاب يتسم ببشاشة الوجه والحيوية، للعمل في عدد من مصانع النسيج في مدينة طرسوس التي تقع بين جبال طوروس والبحر المتوسط. لكن هذه المصانع ما لبثت هي أيضاً أن تعرضت للإفلاس.

والآن، ها هو غولبكر يعود ثانية إلى عمله الأول: حيث يقوم باختيار التصميمات، وتجهيز الأقمشة وتصدير منتجه من الملابس الجاهزة إلى أوروبا وروسيا والشرق الأوسط.

وتعكس حالة الانتعاش التي يشهدها حالياً عمل غولبكر، في المقام الأول، ما بذله من الكد ومثابرة. كما يعزى الفضل في ذلك أيضا لبرنامج بدأ تنفيذه في طرسوس قبل ثلاث سنوات يرمي إلى تقديم المساعدات التي تستهدف مشاريع الأعمال الجديدة الصغيرة الحجم. وقد أتاح هذا البرنامج، الذي يُطلق عليه "حاضنة المشاريع التجارية business incubator" والتي تم إنشاؤها في مصنع مهجور لإنتاج زيت بذور القطن، مساحة دون مقابل لغولبكر على سطح هذا المبنى، وقدم له المشورة وسبل الحصول على الائتمان بتكاليف زهيدة ـ وهي مساعدات في غاية الأهمية خاصة في السنوات الأولى المذبذبة من قيام الشركة.

وحتى أكتوبر/تشرين الأول عام 2005، أصبح هذا المجمع المترامي الأطراف يضم 47 مشروعا صغيرا للأعمال يعمل فيه ما بين 250 إلى 400 عامل، العديد منهم كان قد سرح من مصانع تديرها الدولة وتعرضت للإغلاق أو تمت خصخصتها خلال عملية التحول الاقتصادي التي شهدها العقد الماضي.

امتصاص صدمات الخصخصة والإصلاحات

وتوجد في تركيا في الوقت الراهن ستة حضانات للمشاريع التجارية من هذا القبيل، جاء إنشاء خمس منها في إطار مشروع يموله البنك الدولي بهدف التخفيف من تأثير البطالة التي تسببها عمليات الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية واسعة النطاق.

وبالإضافة إلى تمويل التعويضات الممنوحة بسبب فقدان الوظائف، فقد ساعد مشروع المساندة الاجتماعية للتخفيف من آثار الخصخصة، المدعوم بقرض قيمته 250 مليون دولار أمريكي قدمه البنك الدولي، على تمكين العمال الذين تم الاستغناء عنهم من بدء أعمال جديدة أو العثور على وظائف جديدة. (وهناك قرض آخر قدره 465 مليون دولار ينطوي على نفس الأهداف قيد التنفيذ حالياً).

ويقول غولبكر، الذي حقق مشروعه أرباحا على مدى الأشهر الستة الماضية ويعمل فيه 35 شخصا، أنه لم يكن لينجح بدون المساعدة التي قدمتها له حاضنة المشاريع التجارية.

ويؤكد غولبكر أن "أكبر مصنع للنسيج في البلاد قد أغلق أبوابه هنا قبل سنوات قليلة." لكنه يستشرف لنفسه ولموظفيه مستقبلا آخر. فيداعبه الأمل في أن يتم الاعتراف بماركة منتجه حتى يتمكن من زيادة أرباحه وتجنب النهاية التي آل إليها المصنعون الذين كانوا يصنعون الملابس الرخيصة المقلدة التي خرجت من السوق بفعل المنافسة من قبل المنتجات الآسيوية الأرخص.

مساعدة مشاريع الأعمال الصغيرة الجديدة على البقاء خلال سنواتها الأولى

وبجوار مشروع غولبكر، يقع مشروع تانكون أورون البالغ من العمر 40 عاما، الذي كان يحاول إعادة تشغيل خط لإنتاج الكولونيا ومواد التجميل أطلقه أبوه في وقت من الأوقات. يقول أورون وهو يرتدي معطف الكيميائيين الأبيض فيما تعلو وجهه ابتسامة عريضة، إن التدريب الذي توفره حاضنة المشاريع التجارية يشبه مدرسة إدارة الأعمال. وأضاف "بفضل هذه المؤسسة أصبحت لَدَيَّ آفاق أرحب وأعتزم الانطلاق إلى مختلف أنحاء العالم...."

وينشغل آخرون ممن يستأجرون مواضع في حاضنة المشاريع التجارية بطرسوس بتصنيع زخارف لتزيين الحدائق، وقطع الأثاث لأجهزة التلفزيون، والمعدات المتخصصة ـ وأي شيء يمكن بيعه.

وفي المقابل، تبنى البنك الدولي نهجاً أكثر تركزاً في مدينة أضنة المجاورة التي تضم 3 ملايين نسمة وتمتد على طول سهل كان في وقت من الأوقات يشتهر بحقوله المزروعة بالأقطان. وتأمل الحكومة التركية ورجال الأعمال المحليون في أن تثمر الجهود التي قامت بها حاضنة المشاريع التجارية في أضنة، عن ظهور وادي السليكون التركي الجديد.

وادي السليكون التركي

أقيمت حاضنة المشاريع التجارية، التي تم افتتاحها في فبراير/شباط عام 2005، في مِرْآب سيارات متعدد الطوابق تبرعت به بلدية أضنة.

يقول حسن إرجان، وهو مهندس معدات طبية يبلغ من العمر 21 عاما ويبيع معدات تجميل وأدوات طبية تستخدم الليزر، والومضات الضوئية المكثفة ومعدات رقمية من ابتكاره: "حينما أحتاج إلى بطاقة كهربائية أو إلى تطوير برنامج كمبيوتر فما علي إلا أن أسير عبر القاعة وأن أشرح ما أريد."

ويتاح للمستأجرين المستفيدين من أوجه التعاون والتآزر التي يتيحها هذا المبنى والإيجار المجاني، إمكانية الحصول على بيانات قيمّة للاتصال مع العملاء، والنصائح التي تقدمها جمعية أضنة للأعمال. وكان أحد ممثلي شركة مايكروسوفت ضيفا متحدثا مؤخرا. يقول إرجان إن كونك جزءا من حاضنة المشاريع التجارية في أضنة يضفي على مشاريع الأعمال الجديدة المزيد من المصداقية. ويضيف "الناس ينظرون إليك بشكل مختلف. فهم يثقون فيك ويعتقدون أنك مصدر للأمان."

وتشارك 23 من بين 34 شركة في هذه الحضانة في تطوير برامج الكمبيوتر التي تجذب المواهب الشابة. ومن بين أولئك الذي جذبتهم حاضنة المشاريع التجارية طلاب تخرجوا من جامعة كوكوروفا في أضنة، وهي واحدة من مؤسسات القمة في التعليم العالي بالبلاد. ويبدو أن كثيرا منهم عازم على تحقيق نجاح مالي سريع من خلال إنتاج بضائع ذات قيمة مضافة عالية.

ومع هذا يساعد الجزء الأكبر من مشروع المساندة الاجتماعية للتخفيف من آثار الخصخصة من يتمتعون بمهارات فنية أقل وآفاق أدنى. وحتى يونيو/حزيران 2005، تم تدريب 30741 عاطلا وعاملا ممن تم الاستغناء عنهم، على إحدى الوظائف، وهو ما يزيد عما استهدفه مشروع البنك الدولي.

من وظائف عارضة إلى أعمال مستقرة

بالنسبة لمصطفى كيار (26 عاما)، فإن التدريب أثناء العمل بتمويل من وكالة التوظيف الوطنية ((ISKUR يعني تغييرا جذريا في ظروفه الشخصية.

لم يحصل مصطفى الذي تخرج من مدرسة ثانوية للتعليم المهني المتوسط على أية وظيفة ثابتة خلال فترة السنوات 1997 - 2003. وعلى الرغم من أنه لم يعرف إلا القليل عن المحركات خلال أيام دراسته، فإن التدريب النظري لم يعده للعمل الفني الحقيقي. ولذا فقد انتقل كيار بين وظائف عارضة يكسب منها أقل من الحد الأدنى للأجر المعروض لها. ونتيجة لذلك، "لم تكن لديه الشجاعة للمشاركة"، أو التحرك خارج منزل والديه.

وابتسم له الحظ حينما أبلغه أحد أصدقائه عن برنامج تدريبي ترعاه وكالة التوظيف الوطني. ووضعت الوكالة 90 شابا في تيمسا (TEMSA)، وهو مصنع للحافلات على أطراف أضنة يحتاج إلى مزيد من العمالة الماهرة لإنتاج حافلات لتلبية الطلب المتزايد من سوق التصدير. وبدأ كيار تدريبه المجاني في ديسمبر/كانون الأول 2003.

وبعد انتهاء برنامج التدريب، استبقى هذا المصنع 87 من بين المتدربين التسعين. وكان مصنع تيمسا سعيداً بهذه النتيجة إلى درجة أنه اعتمد برنامج التدريب أثناء العمل كوسيلة للتغلب على أوجه القصور التي تعاني منها مدارس التعليم المهني التقليدية وقام بتوسيعه.

كما كانت التجربة إيجابية بالنسبة لوكالة التوظيف الوطنية ISKUR. يقول إبراهيم أكجايوغلو، رئيس فريق المشروع بالبنك الدولي: "ليس هناك تأمين عام على البطالة في تركيا، ولذا فإن الناس عادة لا تكلف نفسها عناء تسجيل نفسها لدى وكالة التوظيف الوطني." لكن برامج التدريب أصبحت أخيرا تمنح المتدربين حوافز من أجل تسجيل أنفسهم لديها. ويضيف أكجايوغلو "نريد أن نشجع الناس على أن يصبحوا جزءا من الاقتصاد الرسمي."

وماذا عن كيار الآن؟ إنه الآن متزوج ويعيش حياة سعيدة، حيث يقول، "لم تتغير حياتي إلا بعد أن التحقت بالعمل لدى مصنع تيمسا."


* * *

وقد أمكن تحقيق هذا التقدم بفضل مشروع المساندة الاجتماعية للتخفيف من آثار الخصخصة (2000 - 2005)*، وذلك بقرض قيمته 250 مليون دولار أمريكي قدمه البنك الدولي. اقرأ أيضا مشروع المتابعة* الذي يموله البنك الدولي بقرض قدره 465 مليون دولار أمريكي (2005 - 2009).


أخبار أخرى ذات صلة

البنك الدولي يحتفل باليوم العالمي لحرية الصحافة ويقدم دراسة عن البث الإذاعي والتنمية
البنك الدولي يدعو إلى تجديد التركيز على قطاع الزراعة بغرض تقليص معدلات الفقر في المناطق الريفية في البلدان ذات الاقتصادات السائرة على طريق التحول



Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/I4FO0QAPU0