Also available in:  French ,  Spanish ,  English ,  Chinese
 

التصدي للسل في أفريقيا

حينما دخل رينو دجوكو البالغ من العمر 45 عاما مستشفى جاموت، وهو الجهة الأولى التي تتم إحالة الحالات المعقدة من إصابات السل إليها في ياوندي بالكاميرون، كان هزيلا ومتواصل السعال، كما لم يكن قادرا على العمل. وبعد أربعة أشهر من العلاج من السل، بدأ دجوكو يتماثل للشفاء.

وفي الكاميرون، مثلما الحال في بلدان أخرى، تتجلى سنوات الإهمال على المظهر المادي للمستشفيات. لكن دجوكو يقول إن الرعاية هنا لا تشوبها شائبة.

ويضطر آخرون من أمثال دجوكو ممن يعانون السل وأمراض أخرى، للسفر ساعات من دوالا لأن "العقاقير هنا أفضل"، مما يبرز التصورات الإيجابية عن نوعية الرعاية. ويستعيض المستشفى بإخلاص العاملين فيه عن العجز الذي يعانيه في بيئة العمل. 
     

Jamot Hospital

مرضى في مستشفى جاموت، في ياوندي بالكاميرون
©البنك الدولي/ Helene Pieume

الجدير بالذكر أن هناك شخصاً يموت كل 20 ثانية على مستوى العالم بسبب الإصابة بمرض السل على الرغم من توفر عقاقير علاج هذا المرض منذ 50 عاما فيما لا تزيد تكلفتها على 25 دولاراً أمريكياً للفرد. وقد شهدت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء خلال العقدين الماضيين عودة أخرى لظهور هذا المرض الذي ينتقل عن طريق الهواء ويشكل الفقراء النسبة الأكبر للمصابين به. وفي أفريقيا يشكل السل القاتل الأول للمصابين بفيروس ومرض الإيدز.

وفي الجنوب الأفريقي، تسبب ضعف مكافحة السل ومعه تفشي عدوى الإصابة بفيروس الإيدز، في ظهور السل المقاوم للعقاقير المتعددة مما يزيد بشكل كبير من تكاليف العلاج ويطيل أمده كما يقلص من فرص نجاحه.

وفي معرض حديثه عن ذلك، قال رئيس مجموعة البنك الدولي، روبرت ب. زوليك، "أضحت مقاومة العقاقير المتعددة في الجنوب الأفريقي تمثل خطرا متزايدا على مكاسب الرعاية الصحية والتنمية التي تحققت بشق النفس في المنطقة. وبالنظر إلى المخاطر التي نواجهها اليوم، فإننا في حاجة لتكثيف جهودنا بالتعاون مع شركائنا الأفارقة في إطار مسعانا لتعزيز أنظمة الرعاية الصحية."

وقال الدكتور ماريو رافيليوني، مدير برنامج "أوقفوا السل" التابع لمنظمة الصحة العالمية، "يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2008 بشأن الجهود العالمية للحد من انتشار السل، أن إيقاع التقدم الرامي إلى مكافحة هذا الوباء يتباطأ بينما تشتد الحاجة الملحة لتسريع هذا الإيقاع في أفريقيا. ويمكن للبنك الدولي أن يعزز من قوة الدفع التي تجعل من هذا ممكنا في هذه القارة."

ضعف الأنظمة الصحية

يضطر المصابون بكل من السل والإيدز معا في أفريقيا إلى أن يشقوا طريقهم وسط أنظمة صحية ضعيفة وأن يقفزوا فوق العديد من الحواجز من أجل الحصول على الرعاية. ويتنقل الكثيرون بين العيادات الطبية للحصول على علاج للسل وبين مستشفيات المناطق للحصول على العقاقير المضادة للإيدز. ولا يرتاح معالجو الإيدز غالبا في رعاية مرضى السل بينما لا يكون المتخصصون في علاج السل على دراية دائما بآخر التطورات في مجال علاج الإيدز. وفي الوقت الذي تتاح فيه الخدمات العقاقير العلاجية في المستشفيات بشكل عام مجانا أو تكون مدعومة إلى حد كبير، فإن المرضى يشكون من تكاليف فحوصات المختبرات وفترة بقائهم للعلاج في المستشفيات بالإضافة إلى المواصلات.

وكما تعلم السيد زوليك خلال زيارة مؤخرا لموزامبيق، فإن المرضى غالبا ما يكونوا على درجة من الإعياء لا تمكنهم من السفر لمسافات طويلة للوصول إلى مرافق الخط الأول للرعاية الصحية مما يحول بينهم وبين التشخيص المبكر للسل. كذلك في كينيا، حسب الدكتور جوزيف سيتييني، مدير البرنامج الوطني لمكافحة السل، فإن"التحدي الأكبر أمام مكافحة السل يكمن في تغيير سلوكيات طلب الرعاية الصحية لدى المواطنين وكذلك في حثهم على السعي مبكرا للحصول على الرعاية قبل أن تزداد المضاعفات تعقيدا." ويعزو سيتييني الفضل في الإنجازات التي حققتها البلاد إلى الصف الأول من مقدمي الرعاية الذين يعملون في ظروف صعبة.

   اعتقد جستن أنه مصاب "بالسل السام " 
  ©البنك الدولي /Clement Kayitare

ويتواصل هذا العجز في مختلف أنحاء أفريقيا ويقود البعض إلى أن يطلبوا العلاج لدى محترفي الطب الشعبي الذين يعدونهم سرعة الشفاء. ففي رواندا، اكتشف جوستين بارايافوزي، وهو أب لطفلين يبلغ 30 عاما، حينما كان يصطحب زوجته الحامل المصابة بنفس المرض لتلقي الرعاية الطبية قبل الولادة، أنه مصاب بالإيدز. وتم إقناعه بإجراء الفحوص. وبالإضافة إلى تلقيه العلاج من السل، وضع جاستين تحت برنامج للعلاج من الإيدز باستخدام مضادات الفيروسات الرجعية بمستشفى ميبيليزي الذي يدعمه البنك الدولي. ونقص وزنه حتى أصبح 84 رطلا بالكاد حيث كان يعاني من الأنيميا فيما ضعف جهازه المناعي كثيرا. وبعد خمسة أشهر من العلاج من كلا المرضين، بدأ يسترد عافيته.

وغالبا ما ينشد المرضى من أمثال بارايافوزي الرعاية الطبية في مراحل متأخرة من المرض مما يزيد من مخاطر انتقال العدوى إلى آخرين ويجعل العلاج أكثر تعقيدا وأعلى تكلفة. 

الرعاية المتكاملة

أقامت كل من كينيا وملاوي ورواندا، إلى جانب بلدان أخرى، خدمات متكاملة لعلاج كل من الإيدز والسل حيث وفرت خدمات الفحوص والمشورة بشأن الإيدز، وكذا تشخيص الإصابات بالسل والعلاج منه بالنسبة للمصابين بالمرضين.

يقول الدكتور مايكل جاسانا، مدير برنامج مكافحة السل برواندا، إن سياسة "خدمات الشباك الواحد" التي تنتهجها الدولة الموجهة للمرضى تشكل أحد الملامح الرئيسية للبرنامج. وقد طورت الدولة أساليب تنظيم وتمويل هذه الخدمات. وأثمرت سياسة الاختيار (التي يخضع فيها المريض للفحص الروتيني إلا إذا رفض) عن فحص أكثر من 76 في المائة من مرضى السل عام 2006 لتبين ما إذا كانوا مصابين بالإيدز.

وفي إطار سياسة إسناد تعاقدات تقديم خدمات الرعاية الصحية لمرضى الإيدز والسل بناءً على مستوى الأداء في إطار برنامج رواندا لمكافحة فيروس ومرض الإيدز، يتم دفع حوافز تشجيعية للأطقم القائمة على تقديم هذه الخدمات وذلك بالتناسب مع التقدم الذي يتم إحرازه. وشكلت هذه السياسة حافزا لوضع استراتيجيات خلاقة مثل اكتشاف حالات الإصابة بالسل من قبل عمال محليين والقيام بزيارات منزلية للمرضى المصابين بالداءين. ويتم تشجيع مقدمي هذه الخدمات على تبني توجه كلي للرعاية، ومن ذلك تطوير الخدمات المؤسسية للحوامل وتنظيم الأسرة. كما يتيح الإشراف المنهجي من قبل مسئولي الحي ـ الذي تجب مكافئتهم عليه أيضا ـ الفرصة لإعطاء معلومات تقييمية إلى العاملين في البرنامج.

وتنوه الدكتورة أجنيس بيناجواهو، السكرتير التنفيذي للجنة مكافحة الإيدز والسل في رواندا، إلى القدرات الكامنة لدى المرضى المصابين بالإيدز والسل على نشر الوعي والتشجيع على تغيير السلوك على مستوى المجتمع المحلي. كما توضح أن الدولة أعطت قوة دفع كبيرة لتكامل جهود العلاج بين الأمراض الرئيسية الثلاثة (السل، وفيروس ومرض الإيدز، والملاريا.)

وتشكل مكافحة هذه الأمراض من خلال جهود مشتركة جزءا من خطة البنك الدولي.

وتقول جويل سبايسر، كبير أخصائيي الصحة في مكتب منطقة أفريقيا التابع للبنك الدولي، "في البلدان الأفريقية التي تكافح الأوبئة المزدوجة، لا يمكن للمرء أن يذكر الإيدز دون أن يرد ذكر السل، والعكس صحيح." وتؤكد جويل على أهمية توسيع نطاق الأنشطة التعاونية لمكافحة السل والإيدز.

دور البنك الدولي

جدد مكتب منطقة أفريقيا التابع للبنك الدولي التزامه بمواصلة جهود مكافحة السل.

تقول مريم شنايدمان، منسق الفريق المعني بمرض السل بمكتب منطقة أفريقيا، "الاستراتيجية والخطة العالميتان للتصدي لمرض السل يوفران الرؤية الاستراتيجية ويشكلان العمود الفقري للتوجهات التي تنتهج على مستوى البلد."

وفي سياق عملها ضمن برنامج "الشراكة من أجل وقف السل"، تعكف المنطقة على تكثيف وتدعيم جهود مكافحة السل من خلال حافظتها التي تضم مشاريع الصحة ومشاريع مكافحة فيروس ومرض الإيدز. وتقول شنايدمان إن المنطقة تشارك آخرين وتستفيد بالتقدم الهائل الذي أحرز عالميا في وضع الإرشادات الضرورية لهذه السياسة وتحديد أدوات مكافحة السل.

ويتفق زملاء شنايدمان معها.

يقول أوك باننبورغ، وهو مستشار أول في مجال الرعاية الصحية لدى البنك الدولي "سيجعل مكتب منطقة أفريقيا من الإجراءات التدخلية لمكافحة السل جزءاً لا يتجزأ في العمليات القائمة مع التركيز على مهمتها الأساسية الرامية إلى تدعيم أنظمة الرعاية الصحية."

ويردد مقدمو الخدمات الصحية بمستشفى جاموت في ياوندي آراء الآخرين في مختلف أنحاء القارة الأفريقية بشأن الحاجة لتعزيز أنظمة الصحة. ويؤكدون على أهمية توافر العدد الصحيح من أطقم الرعاية المؤهلة، والحوافز المناسبة للحد من عمليات استبدال العمالة، وإجراءات مكافحة العدوى لمنع التلوث. وتشهد جاموت عملية استنزاف شديد للمتخصصين في علاج السل مثلما هو الحال في مناطق أخرى من أفريقيا. فهذا المجال ليس محل جذب للعمالة.

تقول إحدى الممرضات بالمستشفى "العمل مع مرضى السل يعرض العاملين لمخاطر على المستوى الشخصي."

كذلك تشكل محدودية الموارد مشكلة أخرى.

Florence

فلورنس أورجي مع أمها.
©البنك الدولي/Clement Kayitare

يقول بيرت فويتبرج، أحد كبار المتخصصين في الصحة في مكتب منطقة أفريقيا التابع للبنك الدولي، " يعوق نقص أدوات التشخيص الجديدة، وتدني الإمكانيات لدى المختبرات، جهود رصد وإدارة مقاومة العقاقير، مع مواجهة عواقب كارثية عند التعامل مع الأنواع القاتلة من السل."

والأوجه الأخرى مثل أنظمة العقاقير والإمدادات والتمويل الصحي لا تقل أهمية عن ذلك. وفي بلدان مثل كينيا، لعب البنك الدولي دورا محوريا في التأكيد على أن احتياجات برنامج السل تنعكس بشكل واضح على برنامج الإنفاق في القطاع الصحي. وقد أدت هذه العملية إلى زيادة التركيز على مكافحة السل، وتحسين مستوى التنسيق والتوافق بين مكافحة ميزانيات السل والإيدز، وتحسين احتساب تكاليف الاحتياجات المستجدة مثل مقاومة العقاقير.

وفي رواندا، قالت كريستين أويراجي إنها كانت في حالة إنكار بعد أن توفي زوجها بسبب الإيدز. وحينما دخلت ابنتها فلورنس البالغة من العمر سبع سنوات، المستشفى للعلاج من السل، حزنت حينما اكتشفت أن الطفلة مصابة بالإيدز. وليست قصة ذهول كريستين أو خوفها بالشيء غير الشائع. وفي حالة فلورنس، أمضت الطفلة 40 يوما في المستشفى للعلاج من السل ولبدء العلاج من الإيدز باستخدام مضادات الفيروسات الرجعية. ثم ما لبثت الطفلة أن نقلت إلى مركز ماشيشا الصحي بالقرب من منزلها وهو ما جعلها أكثر التزاما بمواصلة العلاج. وقد أصبحت فلورنس قادرة على استئناف حياتها العادية حيث التحقت بأصدقائها في السنة الدراسية الأولى. وفي غياب برنامج علاج حكومي متاح على نطاق واسع للمصابين بأمراض مزدوجة، لم يكن من الممكن إنقاذ حياة فلورنس الصغيرة.

والموضوع الرئيسي لليوم العالمي للسل هذا العام هو "أنا أتصدى للسل."

يقول ماركوس سبينال، السكرتير التنفيذي لبرنامج الشراكة لوقف الإيدز "نستطيع بوضوح أن نضيف الرئيس روبرت زوليك والبنك الدولي لهذه القائمة. والالتزام المتجدد من قبل البنك بالمنافع العامة العالمية يمثل أخبارا سعيدة لأفريقيا.


إطار الموارد

برنامج البنك الدولي "أوقفوا السل."





Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/QAEKGFGVZ0