منطقتا أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا واقعتان بالفعل تحت ضغوط بسبب تغير المناخ.
أدوات التكيف تتراوح بين استخدام أساليب الحرث القديمة والاستعانة بالحاسب الآلي.
اعتبار الحكومات وهيئات التنمية جزءاً من الحل.
22 أبريل / نيسان، 2008 – في منطقة زراعة الغذاء في جنوب زامبيا، يقف أحد زراع الذرة يستعرض محصوله. السيقان بنية اللون ومتقزمة. ستكون الغلة طناً أو أقل من ذلك لكل هكتار – وهي نسبة ضئيلة من المحصول الذي يمكن أن يتحقق من حصاد سنة جيدة.
يعرف هذا المزارع الزامبي أنه يواجه شيئاً أكبر وأسوأ من مجرد جفاف عادي. إنه يواجه ظاهرة الاحترار العالمي أو kukasaala kwanyika بلهجته المحلية.
مثل هذه المشاهد تتكرر بانتظام في مناطق إنتاج الغذاء في أشد البلدان فقراً، وبصورة رئيسية في منطقتي أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا.
هاتان المنطقتان واقعتان بالفعل تحت ضغوط بسبب تغير المناخ. فارتفاع درجات الحرارة عالمياً مجرد درجتين مئويتين – وهي الزيادة الدنيا حسب التوقعات حتى عام 2050 – يمكن أن تحدث آثاراً سلبية هائلة على مناطق إنتاج الغذاء. أما النتائج شبه المؤكدة حسب أسوأ التصورات فهي: حدوث حالات جفاف أسوأ وأكثر تواتراً وحدوث عواصف أعنف وأكثر تواتراً تعقبها فيضانات أسوأ.
تأثر 1.4 مليار شخص في 54 بلداً
وفقاً للتقديرات التي أجرتها مجموعة التطوير والبحث التابعة للبنك الدولي في عام 2006، يمكن أن تبلغ الخسائر الزراعية نتيجة الاحترار العالمي في أشد البلدان فقراً ما يتراوح بين 41 مليار دولار أمريكي و102 مليار دولار أمريكي سنوياً. ويمكن أن يصبح حوالي 1.4 مليار شخص في 54 بلداً، يعاني كثير منهم بالفعل من سوء التغذية، أكثر جوعاً. وسيواجه مئات الملايين ممن لم يولدوا بعد المصير نفسه.
ولكن خبراء البنك الدولي المكلفين بمنع حدوث هذا يقولون إنه لا يتعين أن يصبح هذا الكابوس حقيقة واقعة. ففي بعض الحالات، يمكن لتكييف الزراعة مع تغير المناخ أن يحدث فرقاً كبيراً.
وقد حظي تخفيف الآثار – أي تخفيض أحمال الكربون في الغلاف الجوي التي تتسبب في معظم الاحترار العالمي – بأكبر قدر من الاهتمام، والتمويل، فيما يواجه العالم ما يجب عمله إزاء تغير المناخ. ولكن التخفيف قد يحتاج إلى عدة عقود حتى يحقق أهدافه. والتكيف في مجال الزراعة لا يركز على تخفيض أحمال الكربون. ولكنه يمكن أن يساعد الكثير من المزارعين على تجنب أسوأ الآثار الناجمة عن تغير المناخ – في التو واللحظة.
ويستخدم التكيف الزراعي أدوات قديمة جداً مثل المحراث وحديثة جداً مثل الكمبيوتر.
ويمكن أن يكون التكيف بسيطاً جداً مثل تغيير ممارسات الحرث للحفاظ على التربة والمياه، أو بالغ التقدم تكنولوجياً مثل زراعة سلالات بذور مقاومة للحرارة مكيفة حسب توقعات درجات الحرارة المحلية. ويمكن أن يتضمن تنفيذ استثمارات كبيرة في منشآت الري إذا أظهرت الأرقام أنها ستحقق زيادة في صافي الإيرادات لكل هكتار - وإذا كانت هناك موارد مياه كبيرة يمكن استغلالها.
ويركز خبراء التكيف في البنك الدولي وهم خبراء في الاقتصاد والبيئة والزراعة – معظم اهتمامهم على منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، حيث يعتمد ثلاثة أرباع السكان على الزراعة، التي يمارس جزء منها في المناطق الواقعة تحت أشد ضغوط تغير المناخ في العالم.
'المزارعون سيتمكنون من التكيف مع تغير المناخ في المستقبل'
من الصعوبة التنبؤ بعدد المزارعين الذين سيكون بوسعهم التكيف مع تغيّر المناخ، في ظل عدم القدرة على التنبؤ بالتغيرات القادمة. ويرى البعض في أوساط التنمية الدولية أن الماضي يُعتبر مؤشراً جيداً على كيفية استجابة المزارعين في المستقبل.
يقول آريل دينار، وهو كبير خبراء اقتصاديين يعمل مع مجموعة التطوير والبحث التابعة للبنك الدولي، إن البحوث الجديدة تشير إلى أن "الزراعة الأفريقية بالغة المرونة إزاء تغير المناخ وإن المزارعين سيتمكنون من التكيف مع التغيرات المستقبلية في المناخ."
تضمنت البحوث بيانات عن المناخ والمياه والتربة وبيانات اقتصادية من 16 منطقة "زراعية-إيكولوجية" في أفريقيا جنوب الصحراء أعدت نماذج لها على خلفية أربعة تصورات لتغير المناخ في المستقبل. ويقول السيد دينار إن البحوث وجدت أنه "ما لم يكن الاحترار شديدا، فإن دخول المزارعين لن تنخفض أكثر من ذلك."
ولكن السيد دينار يقول إنه لكي يتم تفادي حدوث نتائج متزايدة السوء وفقا لمعظم التصورات، يتعين أن ينفذ التكيف على نطاق منسق وشامل يمتد من المزارعين الأفراد إلى واضعي السياسات في وزارات الزراعة والمالية والشؤون الاجتماعية، على أن تقدم منظمات التنمية مثل البنك الدولي مساعدات في شكل تمويل وخبرات.
ويقول السيد دينار إنه إذا نفذ التكيف عبر مناطق زراعية إيكولوجية لا تلتزم بالحدود القطرية، فإنه يمكن، في معظم الحالات، أن يدخل ممارسات بديلة كثيرة تحقق "نتائج كبيرة بما يكفي لتبرير التكاليف." وقد أظهرت التصورات التي أعد نماذجها هو وشريكه في تأليف الكتاب أن صافي الإيرادات لكل مزرعة يمكن أن يزيد حتى في الحالات التي أضيفت فيها استثمارات كبيرة في الري وكانت المياه متوفرة.
نظرياً، يتيح التكيف للمزارعين خيارات واسعة، ولكن كثيرين منهم قد لا يمتلكون الأموال التي يحققون بها تلك الخيارات. ويقول السيد دينار إن "هذا هو الوضع الذي قد يتعين فيه على الحكومة أن تتدخل وأن تساعدهم. أو يمكن أن يتدخل البنك الدولي وأن يساعد في بدء مشروع للتكيف."
يقول أيان نوبل، الإخصائي الأول في تغير المناخ في إدارة البيئة التابعة للبنك الدولي، والمؤلف المشارك في كتاب نُشر في الآونة الأخيرة عن التحول الذي يحدث في ولاية أندرا براديش إن التكيف في مجال الزراعة الذي ينفذ على نطاق منسق وشامل، ويتضمن مساعدات خاصة وعامة، لا يزال في مراحله الأولى. ولكن الدراسات التحليلية الرائدة والمشاريع التي يساندها البنك على أرض الواقع في ولاية أندرا براديش الهندية قد حققت نتائج مشجعة في تلك الولاية الريفية الفقيرة المنكوبة بالجفاف.
وقد وجد مؤلفا الكتاب، المعنون التغلب على الجفاف: التكيف من أجل أندرا براديش، الهند، أن التحول الدائم عن زراعة الأرز إلى زراعة المحاصيل التي لا يكون تعطشها للمياه بمثل هذه الشدة، كالدخن أو الفول السوداني، يعتبر مثالا واحدا على استخدام التكيف للمساعدة على تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي في ولاية أندرا براديش.
غير أن استراتيجيات التكيف القوية في الزراعة تمثل حتى الآن الاستثناء وليس القاعدة في البلدان النامية.
البنك ينتهج الآن استراتيجية تكيف أكثر طموحاً
أظهرت البحوث التي أجراها السيد أيان نوبل أنه فيما بين عامي 2000 و2007، لم تشر سوى 17 من 73 استراتيجية مساعدات قطرية خاصة بالبلدان الفقيرة التي تقدم لها المساعدات من خلال المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) إلى الآثار المحتملة لتغيرات المناخ. بل إن عدداً أقل من تلك الاستراتيجيات هو الذي تضمن نصاً واضحا عن تغير المناخ. وقد نجح السيد نوبل وفريقه في تطوير أداة برامج كمبيوتر جديدة(PDF) المخاطر المرتبطة بتغير المناخ، وتقترح حلولاً للتصدي لها. علماً بأن ترتيب المخاطر ترتيباً تصنيفياً يتم حسب اللون، بحيث يشير اللون الأحمر إلى المخاطر الأكثر حدة. وربما كان أهم مثال على اتجاه البنك الجديد هو الإطار الاستراتيجي المعني بتغير المناخ والتنمية الذي يعده حالياً. وسيحقق هذا الإطار عدة أهداف من بينها توفير اتجاه بشأن الكيفية التي يمكن بها دمج التكيف – في الزراعة وكذلك في المجالات المتأثرة الأخرى، مثل السواحل المعرضة للفيضانات – في استراتيجيات التنمية القطرية والقطاعية والإقليمية.
وفقا للتقديرات التي أعدها في الآونة الأخيرة فريق إعداد الإطار الاستراتيجي المعني بتغيّر المناخ والتنمية (SFCCD)، فإن من شأن برامج التكيف المدمجة بصورة كاملة – والتي تغطي الزراعة، وتخفيف آثار الفيضانات، والإجراءات الدفاعية الأخرى – أن تزيد تكلفة المشروعات التي تساندها المؤسسة الدولية للتنمية بنسبة تتراوح بين 6 و21 في المائة (714 مليون دولار أمريكي و2.5 مليار دولار أمريكي) سنوياً. ولم يتحدد حتى الآن كيفية تغطية هذه التكاليف ومن سيدفعها.
مزارعو الكفاف يواجهون مصاعب هائلة بشأن التكيف
يقول سرجيو مارغوليس، وهو أيضاً كبير خبراء اقتصاد بيئي في البنك الدولي، إن المزارعين ـ في شتى أرجاء المعمورة ـ قد أظهروا قدرة كبيرة على الاستجابة للتقلبات والأزمات المناخية، وذلك باستخدام مجموعة متنوعة من الإستراتيجيات. ومع ذلك، فقد يجد المزارعون الأكثر فقراً ـ الذين عادة ما يعتمدون بشكل تام على الزراعة الكفافية ويميلون إلى شغل الأراضي الحدية وذات الإنتاجية المتدنية ـ خيارات قليلة للغاية للتكيف مع الضغوط الإضافية الناجمة عن تغير المناخ، حتى في إطار السيناريوهات الأكثر اعتدالاً لزيادة درجات الحرارة في المستقبل، على حد قوله.
ويضيف مارغوليس، الذي يجري دراسة عن اقتصاديات التكيف مع تغير المناخ الناشئة حديثاً، " لا يمكن للمرء أن يكون مفرطاً في تفاؤله بشأن القدرات المؤسسية والمالية للحكومات في البلدان الأفقر لتوجيه جهود التكيف، ولتوفير الحوافز المناسبة. علاوة على ذلك، فبالنظر إلى أن الكثير من النتائج الناجمة عن تغير المناخ غير مؤكدة وغير معروفة، فلا يمكن للمرء الاعتماد بشكل تام على خبرات التكيف في الماضي. إذ إن المخاطر التي يتعرض لها أكثر المزارعين تضرراً كبيرة للغاية.
"ومن الواضح أن أفريقيا جنوب الصحراء تشكل أكثر مصادر القلق. حيث إن زيادة الإنتاجية الزراعية في هذه المنطقة قد أثبتت بالفعل أنها تحدٍ لا يمكن تذليله تقريباً، وبصفة عامة، فإن الآثار الإضافية الناجمة عن تغير المناخ ستؤدي إلى تفاقم الأوضاع. ولم يثبت كذلك أن مساعدة المزارعين على الانتقال إلى مناطق زراعية أكثر إنتاجية أو على إيجاد فرص عمل جديدة تُعتبر أمراً يسيراً، كما أن التكاليف الاجتماعية التي ينطوي عليها ذلك ستكون بالضرورة باهظة".