ما الذي يجعل أية مدينة صالحة للعيش فيها ومفعمة بالحيوية والنشاط؟ ولماذا تنجح بعض المدن في اجتذاب أنشطة الأعمال والأفكار المبتكرة بينما يخفق البعض الآخر؟ وما الذي يمكن للمدن القيام به للحد من تأثيراتها على البيئة، وللتخطيط المسبق تحسباً للنمو السكاني المتوقع؟ هذه هي بعض القضايا الساخنة المطروحة على بساط النقاش في القمة العالمية للمدن في سنغافورة خلال الفترة 23-25 يونيو/حزيران الحالي والتي تجمع معاً عدداً كبيراً من رؤساء البلديات من مختلف أنحاء العالم، بالإضافة إلى رؤساء برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، والمجلس العالمي للبناء الأخضر، والاتحاد الدولي للنقل العام.
ينظر البنك الدولي، وهو أحد الشركاء المتضامنين في هذه القمة، إلى المدن باعتبارها أقطاباً مهمة للنمو الاقتصادي المحتمل، والذي يمكن إذا جرى التعامل معه بعناية أن يؤدي إلى تحسين الصورة العامة لأي بلد بشكل ملحوظ من خلال اجتذاب الاستثمارات وزيادة الابتكار، وربط السكان بمصالح مشتركة. وقد أظهرت السنوات الطوال التي قضاها البنك في العمل على مساعدة الحكومات وسلطات المدن في التصدي للتحديات الناشئة عن التوسع الحضري السريع أن ثمة عوامل كثيرة تحدد مدى نجاح المدن في القيام بوظائفها. ومن بينها على سبيل المثال: اعتماد نهج مهني يتسم بالمرونة في التخطيط الحضري يراعي آراء واحتياجات مواطني المدينة المعنية. أضف إلى ذلك أن تحصيل إيرادات الضرائب على نحو يتسم بالعدل والكفاءة، وتوجيهها إلى تقديم الخدمات وتوفير المرافق العامة، يُعتبر كذلك عنصراً أساسياً.
وكما تبين مطبوعة تقرير عن التنمية في العالم المرتقبة للبنك الدولي الصادرة بعنوان "إعادة تشكيل الجغرافية الاقتصادية"، فإن المدن تجتذب السكان إلى المجالات ذات الإنتاجية الأعلى، وتهيئ الظروف المواتية لتحقيق النمو الاقتصادي. إلا أن ذلك أيضاً ينطوي على تحديات، إذ أن المدن نفسها قد لا تكون دوماً قادرة على استيعاب المهاجرين الجدد الباحثين عن الفرص أو على التعامل بعناية مع التكدس المصاحب للنمو. ومع انتقال قاطني المناطق الريفية من الفقراء إلى المراكز الحضرية، فإن معدلات الفقر في المناطق الحضرية قد تشهد تزايداً، وذلك على الأقل إلى أن تستوعبهم أسواق العمالة الآخذة في التوسع والفرص المتاحة على نطاق أوسع.
ولذا، فإن نجاح المدن في القيام بوظائفها من أجل الفقراء يعني إنشاء مدن تتصف بالإنتاجية ويمكن العيش فيها لجميع سكانها. ويعني ذلك بطبيعة الحال ترتيب أولويات الإنفاق على مرافق البنية الأساسية الخاصة بالنقل وإمدادات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات الصلبة. لكن المدن لا يمكنها توفير تلك الاستثمارات بمفردها. فخطة التنمية الحضرية في ولاية مومباي بالهند، على سبيل المثال، تتطلب ميزانية رأسمالية تزيد على 60 مليار دولار أمريكي. وتحتاج المدن إلى المساندة لمرافق البنية الأساسية في تصميم الإصلاحات بغرض جعل أسواق الأراضي والعقارات أكثر فعالية، وفي تطوير أنواع المؤسسات اللازمة لإدارة أية مدينة حديثة. وقد أثبتت المساندة التي تبديها الدوائر العليا للحكومات، والاشتراك مع القطاع الخاص وعلاقات الشراكة الخلاقة مع المدن الأخرى في أرجاء العالم، أنها جميعاً مكونات أساسية من أجل إدارة قوية وراسخة للمدن وتحقيق الازدهار في المناطق الحضرية.
ومما لا شك فيه أن التحديات المتعلقة بالتخطيط المسبق لمدن تجتذب الناس وتعتني بهم ستكون الشغل الشاغل لجميع الحاضرين في القمة العالمية للمدن.