عندما ننظر إلى السنوات العشرين التي مضت منذ سقوط حائط برلين، يتضح لأي من الأربعمائة مليون شخص من سكان بلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي سابقا أن الانتقال من الاقتصاد المخطط مركزياً إلى اقتصاد السوق لم يكن عمليةً سهلة.
لقد سقطت الأنماط التجارية القديمة بين عشية وضحاها كما انهارت الشركات المملوكة للدولة التي كانت تتلقى منها دعما مفرطا بينما تنتج سلعاً رديئة، في حين فقدت شعوب المنطقة ما كانت تظنه وظائف ثابتة وانزلق كثير من السكان إلى براثن الفقر. وبينما عانت بلدان أوروبا الوسطى من ركود اقتصادي متوسط، شهدت بلدان رابطة كومنولث الدول المستقلة انخفاض متوسط الدخل فيها إلى حوالي النصف مقارنةً بمستواه في التسعينيات، أثناء الأزمة المالية الروسية سنة 1998.
وبينما كان العقد الأول بعد سقوط الشيوعية قاسياً، كان العقد المنصرم أقل قسوة على المنطقة التي تمتد من تالين وتيرانا في الغرب إلى فلاديفستوك وبشكيك في الشرق. واليوم، وبعد مرور عشر سنوات فقط على الأزمة المالية في روسيا، عادت الكتلة الشرقية السابقة للوقوف على قدميها، وفيما يتعلق بالعديد من بلدان المنطقة، فقد انتهت الفترة الانتقالية.
يذكر التقرير الذي عرض خلال مؤتمر البنك الدولي- بروجيل حول القضية ذاتها، أن زيادة الإنتاجية – وهي الطريق العملي الوحيد تجاه استدامة الرخاء – تعتمد على وجود بيئة عمل داعمة، وبصفة خاصة تلك التي تستطيع توفير المنافسة، وقطاع مالي يتسم بالعمق، وحكم رشيد، ومهارات عالية، وبنية أساسية مناسبة.
وقد وجد أن الجوانب الرئيسية لبيئة الأعمال، مثل المنافسة والتمويل، والتي تشكل سلوك الشركات، آخذة في النضج والتقريب، أو تقاربت بالفعل، مع مثيلاتها في اقتصاد السوق الأكثر تقدماً في بلدان أوروبا الغربية. وهذا ما يبعث على التفاؤل بشأن الآفاق المستقبلية في هذه البلدان. وهذا التقارب أكثر وضوحاً في الدول الأعضاء الجديدة في الاتحاد الأوروبي. وتسير بلدان رابطة كومنولث الدول المستقلة على نفس الدرب على الرغم من أنها متأخرة قليلاً.
وذكر براديب مترا Pradeep Mitra، كبير الخبراء الاقتصاديين في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى في البنك الدولي والذي أعد هذا التقرير "عندما يتعلق الأمر بأهمية المنافسة من أجل إعادة هيكلة الأنشطة في الشركات، يتبع اقتصاد البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية خطى اقتصاد السوق في البلدان المتقدمة". وأضاف "إن قطاعات الأعمال والقطاعات المالية في هذه البلدان آخذة في النضج، كما يقل اعتمادها على القطاع العائلي والمصادر غير الرسمية لتمويل الاستثمارات الثابتة".
من ناحية أخرى، أظهر التقرير أن نمو الوظائف تراجعت وتيرته في كل البلدان تقريبا، وقد عكس ذلك التداخل بين (1) نمو الوظائف في الشركات الخاصة الجديدة التي استطاعت الاستحواذ على أنشطة من السوق لم تكن متوفرة في اقتصاد التخطيط المركزي و(2) انخفاض حجم الشركات المملوكة للدولة التي تم بيعها للقطاع الخاص.
وقد وجد التقرير أن زيادة الإنتاجية والتحويلات العامة التي تغذيها زيادة إيرادات المالية العامة قد ساعدت على خروج 50 مليون شخص – من بين 400 مليون نسمة – من دائرة الفقر المدقع (الذين يقل دخلهم عن 2.15 دولار أمريكي في اليوم حسب تعادلات القوة الشرائية) بين السنتين الماليتين 1998-1999 و2005-2006. وبينما كان شخص واحد تقريبا من بين كل خمسة من السكان – أو 85 مليون فرد – يعيش تحت خط الفقر في السنة 1998/1999، كان واحد فقط من بين كل 12 شخصا – أو 35 مليون فرد – في هذا المستوى في السنة 2005/2006.
الابتكار هناك حاجة للابتكار حيث إن زيادة الإنتاجية تتطلب من الشركات أن تبتكر وتطور أفكارا ومعارف جديدة للعالم، أو أن تستوعب المعارف المتولدة في أماكن أخرى. وتزيد الإنتاجية بشكل أكبر في الشركات عندما تواجه ضغوطاً أقوى من المنافسين المحليين لتطوير منتجات جديدة وفتح أسواق جديدة، وعندما يمكنها الحصول على خدمات قطاعات مالية أكثر تقدماً، وعندما تكون القواعد واللوائح التنظيمية أكثر وضوحا.
الإشراك إن مبدأ "الإشراك" هو مبدأ أساسي. فبينما زادت الدخول في المنطقة بشكل سريع، لم تزد الوظائف بنفس النسبة باستثناء مؤخراً في الدول الأعضاء الجديدة في الاتحاد الأوروبي. وتظهر الدراسة أن النمو البطئ في الوظائف في دول الاتحاد الأوروبي الثمانية وجنوب شرق أوروبا هو نتيجة انخفاض عدد الشركات المملوكة للدولة والتي تم بيعها للقطاع الخاص بوتيرة أسرع مما تستطيع الشركات الجديدة أن توفر بها فرص عمل – هذه الشركات التي كانت دائماً شركات خاصة.
ويقول مترا "إن المنافسة القوية التي تساعد على التقارب في بلدان رابطة كومنولث الدول المستقلة يمكن أن تزيد أيضاً من وتيرة خفض عدد الشركات المملوكة للدولة والتي تم خصخصتها. ويمكن لتعويضات الفصل من الخدمة، وبرامج إعادة التدريب، وشبكات الأمان الاجتماعي للعمال المفصولين أن تساعد على التقارب عن طريق خفض تكلفته الاجتماعية."
الاندماج أخيراً، تحتاج بلدان المنطقة إلى مضاعفة جهودها للاندماج في الاقتصاد العالمي. وبينما تشكل التجارة الآن 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في البلدان التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي سنة 2004، تنخفض هذه النسبة بشدة إلى 20 في المائة فقط في بلدان رابطة كومنولث الدول المستقلة. وهذا ما يدعو إلى تسهيل التبادل التجاري وتحسين لوجستيات التجارة في الموانئ والقيام بإصلاحات جمركية. وعن طريق خفض التكلفة من خلال تحرير خدمات البنوك والاتصالات والنقل، يمكن زيادة القدرة التنافسية لصادرات هذه البلدان.
وكان هناك تناسق بين العوامل المحلية والخارجية، حيث استخدمت الدول الأعضاء الجديدة في الاتحاد الأوروبي حافز الانضمام المتوقع إلى الاتحاد في تطبيق ما يلزم من إصلاحات في السياسات والمؤسسات لتحقيق النمو السريع في الإنتاجية والاندماج العميق في الاقتصاد العالمي.
وقال مترا "إن جمهورية التشيك وأستونيا والمجر وبولندا وجمهورية السلوفاك قد اجتذبت استثمارات أجنبية مباشرة ضخمة، وتشارك تقريبا بنفس مستوى البلدان النامية في شرق آسيا في سلاسل السلع العالمية المدفوعة باعتبارات المنتجين، مثل شركات السيارات وتكنولوجيا المعلومات، وتقوم بتصدير المنتجات كثيفة رأس المال وكثيفة العمالة الماهرة. وفي المقابل، تصدر معظم بلدان رابطة كومنولث الدول المستقلة الموارد الطبيعية والمنتجات كثيفة العمالة غير الماهرة."
وأضاف "الواقع أن المدى الذي يمكن للبلدان ذات الآفاق غير الأوروبية أن تذهب إليه في استخدام آليات خارجية – مثل سياسة الجوار الأوروبي، والانضمام لمنظمة التجارة العالمية، والاتفاقيات دون الإقليمية – بغية الحفاظ على مؤسسات ملائمة لبيئة أعمال مواتية، يبقى سؤالا بلا إجابة حتى الآن."
العوامل الديموغرافية – التحول الثالث من ناحية أخرى، إذا كانت التحولات السياسية والاقتصادية المزدوجة في الماضي غير حافلة بالتحديات بما فيه الكفاية، فإن التقرير يرى أن بلدانا عديدة في شرق أوروبا والاتحاد السوفيتي سابقا تواجه الآن تحولاً ثالثاً، ألا وهو زيادة أعداد المسنين. إذ تشير التقديرات الديموغرافية إلى أنه بحلول سنة 2025 سيكون متوسط العمر في سلوفينيا 47 سنة، وهو ما يجعل هذا البلد واحدا من أكبر السكان عمراً في العالم. كما أن واحدا من كل خمسة من السكان في بلغاريا سوف يتعدى عمره 65 سنة. وسوف ينخفض عدد السكان في أوكرانيا بمقدار الخمس، وفي روسيا بأكثر من العشر. وسوف يؤدي التقدم في السن إلى تراجع نسبة السكان ممن هم في سن العمل (15 – 64 عاما) إلى إجمالي عدد السكان بشكل كبير بعد سنة 2015 – أي أقل من عقد من الآن – في دول الاتحاد الأوروبي الثمانية، وجنوب شرق أوروبا، والبلدان المتوسطة الدخل في رابطة كومنولث الدول المستقلة. وتماثل هذه التقديرات التغير المتوقع في دول الاتحاد الأوروبي الخمسة عشر، لكنها تزيد عما هو متوقع في الولايات المتحدة، وتقل عن التوقعات في اليابان.
وقال السيد ميترا: "التحدي الذي يثيره أمام النمو الاقتصادي تزايد عدد السكان المسنّين في شريحة كبيرة من البلدان السائرة على طريق التحوّل إلى نظام السوق في وسط وجنوب شرق أوروبا فضلاً عن روسيا وأوكرانيا وبيلاروس هو تحدٍّ جدّي وشامل في النظام. ويتطلب التغلّب عليه أولاً تحقيق أكبر استفادة من رصيد رأس المال وقوة العمل الحاليين – من خلال كافة الإصلاحات اللازمة لبيئة أنشطة الأعمال التجارية بغية تحقيق زيادة الإنتاجية. ثانياً، يستدعي ذلك استخدام كافة - وليس فقط جانباً من - الموارد البشرية في كل من البلدان المعنية، وذلك عن طريق زيادة سن التقاعد وجعله متساوياً بالنسبة للرجال والنساء، وتخفيض الضرائب على الأيدي العاملة حيثما كانت أوضاع المالية العامة تسمح بذلك نظراً لأنها تؤدي إلى زيادة التكلفة. ثالثاً، كما يتطلب إصلاح أنظمة المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية، بحيث لا تؤدي الضغوط على المالية العامة إلى مزاحمة الإنفاق المرغوب على البنية الأساسية وشبكات الأمان الاجتماعي واستثمارات القطاع الخاص من أجل زيادة الإنتاجية".
واستطرد قائلاً: "أخيراً، يمكن لهجرة الأيدي العاملة الدائرة على الصعيد الدولي - مع التنسيق بين البلدان المرسلة والبلدان المستقبلة - واحترام حقوق المهاجرين أن تردف مجموعة السياسات تلك. فالهجرة تنطوي على عوامل معقدة سياسية واقتصادية واجتماعية، ولهذا السبب يمكن أن يكون من الضروري إجراء تجارب على السياسات بهدف تحسين الأطر التي تقوم بتنظيمها".
للمزيد من المعلومات، يُرجى زيارة الموقع التالي على شبكة الإنترنت: