Feature Story Templateكان للتطورات التي شهدتها الأسواق العالمية للسلع الأولية على مدى السنوات الثلاث الأخيرة، وخاصة في عام 2008، تأثير على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأسفرت عن تقلبات كبيرة في معدلات التبادل التجاري وأوضاع الحساب الجاري، ومتطلبات التمويل الخارجي. ورغم حدوث هذه التحولات في وقت تدهورت فيه البيئة الخارجية للنمو والتمويل الدولي، فقد كان أداء إجمالي الناتج المحلي جيداً في عام 2008، واستمرت وتيرة النمو في عام 2008 بالنسبة للبلدان النامية بالمنطقة دون تغيّر عن المعدل القوي الذي شهدته في عام 2007 والبالغ 5.8 في المائة. بيد أن الآفاق المستقبلية للعام القادم لا تبدو بنفس القوة نظراً لأن تراجع النشاط الاقتصادي والأزمة المالية في العالم سيكون لهما تأثير بالغ على النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى توقع تباطؤ إجمالي الناتج المحلي في المنطقة إلى 3.9 في المائة في عام 2009. ومع الانخفاض الحاد في الطلب العالمي على النفط، فإن أية قرارات للبلدان المصدرة للنفط في المنطقة لتقييد حجم الإنتاج بغرض وضع "حد أدنى" للأسعار ـ ستلعب دوراً كبيراً في رسم ملامح النمو. وسيشهد الانتعاش الاقتصادي في عام 2010، الذي يتوقف على التوصل إلى تسوية سريعة للأزمة المالية الحالية في البلدان المرتفعة الدخل وحدوث انتعاش معتدل في النمو في بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، ارتفاع معدل نمو إجمالي الناتج المحلي إلى نسبة 5.2 في المائة، مدفوعاً بعودة معدلات النمو إلى 5.7 في المائة في البلدان ذات الاقتصادات المتنوعة النشاط. تأثير التغيرات التي طرأت على أسعار السلع الأولية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شهدت المنطقة تغيراً متعرجاً ارتبط بالأسعار العالمية للسلع الأولية في السنوات الأخيرة ـ من زيادات تدريجية إلى طفرة في أسعار النفط الخام والمواد الغذائية (خاصة الحبوب) وأسعار المواد الخام خلال الفترة بين عام 2005 وحتى منتصف عام 2008 ـ إلى انحسار هذه الموجة بصورة مفاجئة وقوية في النصف الثاني من عام 2008. وعلى الصعيد الإيجابي لدورة السلع الأولية، استطاعت البلدان النامية المصدرة للنفط في المنطقة ـ الجزائر، وجمهورية مصر العربية (رغم أن لديها اقتصاداً أكثر تنوعاً)، وجمهورية إيران الإسلامية، والجمهورية العربية السورية، وجمهورية اليمن ـ أن تحصد 82 مليار دولار من الإيرادات الإضافية على مدى فترة السنوات 2003- 2007، وبلغ مجمل إيراداتها في العام الأخير 130 مليار دولار. وفي حين قفزت الإيرادات النفطية في النصف الأول من عام 2008 بنسبة 50 في المائة لتصل إلى 200 مليار دولار تقريباً، فإن آثار الأزمة المالية والتوقعات بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي بدرجة أكبر دفعت أسعار النفط إلى هبوط حاد من الذروة التي بلغتها عند حوالي 150 دولاراً للبرميل في أوائل شهر يوليو/تموز إلى ما يقترب من 65 دولاراً للبرميل في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2008. ونتيجة لذلك، تشهد بلدان المنطقة المصدرة للنفط حالياً هبوطاً كبيراً في إيرادات الهيدروكربونات، ومعدلات التبادل التجاري، وفوائض الحسابات الجارية، وهو ما سيتجلى بصورة أكثر وضوحاً في عام 2009. ويتوقف تحقيق الانتعاش في المنطقة في عام 2010 على تحسّن الصادرات وحدوث زيادة معتدلة في الاستثمارات. إلا أن ذلك يعتمد في المقام الأول على تحقيق زيادة بنسبة 1.8 نقطة مئوية في نفقات الأسر لرفع المعدل السنوي إلى 6 في المائة في ضوء انخفاض كل من أسعار السلع الأولية ـ التي ارتفعت في وقت سابق ـ ومعدل تضخم أسعار المستهلكين، مما يفسح المجال لتحقيق استقرار تدريجي ولانتعاش القوة الشرائية للمستهلكين. وستستمر فوائض الحسابات الجارية في المنطقة في التقلص بشكل عام لتصل إلى نحو 4 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، مما سيتيح مجموعة جديدة من "الأوضاع الأولية" من المرجح أن تكون منطلقاً للنمو في العقد التالي. آثار الأزمة المالية تزيد الفئات المعرضة للمعاناة في بعض بلدان المنطقة كانت الآثار المباشرة للأزمة المالية التي شهدتها معظم البلدان النامية في هذه المنطقة حتى الآن طفيفة نسبياً، ويرجع ذلك إلى أن البنوك وشركات الاستثمار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تمتلك حوافظ كبيرة من الأوراق المالية المضمونة برهونات عقارية أقل جودة. إلا أن الآثار غير المباشرة تزداد وضوحاً مع ارتفاع هوامش أسعار الفائدة على الديون السيادية، والتدهور الحاد في أسواق أسهم رأس المال. كما انخفض إجمالي تدفقات رؤوس الأموال إلى بلدان المنطقة، وهو أمر مرشح للمزيد من التدهور. وساعدت القفزة التي شهدتها القروض المصرفية من 4 مليارات دولار إلى 14 مليار دولار في هذا العام حتى أغسطس/آب 2008 على موازنة الانخفاض في إصدار السندات وأسهم رأس المال بواقع الثلثين تقريباً في هذه الفترة، لكن من المرجح أن يحدث انخفاض مباشر في تدفقات رؤوس الأموال الداخلة مع الانتقال إلى عام 2009. وقد أدى الارتفاع الكبير في الأسعار العالمية للحبوب الغذائية والعلفية (أكثر من 50 في المائة خلال النصف الأول من عام 2008)، وزيادة متوسط أسعار النفط الخام بواقع 42 في المائة في هذا العام، بالإضافة إلى وصول الطلب المحلي في العديد من اقتصادات المنطقة إلى مستويات محمومة (لا سيما في مصر، وجمهورية إيران الإسلامية، وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي)، إلى زيادة حادة في تضخم أسعار المستهلكين في مختلف بلدان المنطقة. التضخم مازال يشكل تحدياً رئيسياً أمام المنطقة رغم أن الاعتماد الواسع النطاق على دعم أسعار المواد الغذائية والوقود يساعد على الحد من الضغوط التضخمية، فإنه يؤدي إلى زيادة كبيرة في أعباء المالية العامة. فخطوات كهذه لا تؤدي فحسب إلى تقليص الحيز المتاح في ميزانية بلدان المنطقة لمعالجة الأولويات الأخرى، بل عادة ما تُعتبر آليات مفتقرة إلى الكفاءة بالنسبة للتخفيف من حدة الفقر. وبالمثل، فإن البلدان التي استجابت لارتفاع أسعار المواد الغذائية عبر زيادة الرواتب والأجور لصالح فئات مختارة للمساعدة في التخفيف من الآثار السيئة على مستويات المعيشة عليها الآن أن تواجه ارتفاع الآثار التضخمية.
|