نشر النص الأصلي لهذا المقال باللغة الإنجليزية في جريدة واشنطن بوست يوم الجمعة الموافق 30 من أكتوبر/تشرين الأول 2009. وهذه الترجمة باللغة العربية مقدمة من البنك الدولي. الجمعة، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2009 مع قيام الحكومات بإعادة النظر في الاستراتيجيات بشأن أفغانستان، كثرت القصص عن سبب كون " مقبرة الإمبراطوريات " حافلة بتحديات كبيرة: فهذا البلد يدمّره العنف وإنتاج الأفيون، والثقة بالحكومة ضعيفة، وجيرانه يتدخلون بشؤونه، كما أن القبائل شديدة النزعة الاستقلالية لا تثق بأي من المتدخلين – سواء من بريطانيا أو الاتحاد السوفيتي أو حلف الأطلسي أو العاصمة كابول. تعكس خبرة البنك الدولي العملية في أفغانستان كافة تلك المشاكل. فأفغانستان تعتبر أكثر بيئات عملنا صعوبة. ومع ذلك، شهدنا إحراز تقدّم حقيقي قابل للقياس في قطاعات: الرعاية الصحية، والتعليم، وتنمية المجتمعات المحلية، والتمويل الأصغر، والاتصالات السلكية واللاسلكية. فمنذ العام 2002، ارتبط البنك الدولي بتقديم حوالي 2 مليار دولار أمريكي لمشروعات في تلك القطاعات وغيرها من المشروعات، وهو يقوم مع شركائه بإدارة صندوق استئماني بمبلغ 3.2 مليار دولار أمريكي قدّمه 30 من البلدان المانحة. وفيما يلي بعض الدروس التي تعلمها البنك الدولي: أولاً، من الضروري " جعل عملية التنمية آمنة " – أي خلق صلة قوية بين الأمن والتنمية. فكل منهما يعزز الآخر، ولاسيما حين نقوم بالتركيز على المجتمعات المحلية وعلى تسوية النزاعات على الصعيد المحلي. علماً بأن عدم قيام قوات الشرطة ونظام العدالة والسجون بوظائفهما يؤدي إلى زيادة عدم الخضوع للقوانين، وهو ما يسفر عن خيبة الأمل بالحكومة والتعاطف مع خصومها. ثانياً، يمكن من خلال العزم والتصميم مكافحة الفساد على نحو أفضل من الدعوة لإتباع الفضيلة أو من خلال مجموعة كبيرة من التحقيقات. فتجارة المخدرات في أفغانستان تحفل بمخاطر تجريم الدولة. ولكن هنالك خطوات يمكن القيام بها تزيد من صعوبة الفساد وتقلّل من إمكانية وقوعه. علماً بأن وزراء المالية الأفغان ذوي العقلية الإصلاحية اتخذوا خطوات عملية لتبسيط الإجراءات الحكومية وإضافة الشفافية بغية تخفيض فرص الفساد، وهذا ما أدى فعلاً إلى زيادة الإيرادات الحكومية بنسبة 75 في المائة في أول نصف من هذه السنة. وفي الآونة الأخيرة، خفّضت الحكومة عدد الخطوات اللازمة لتسجيل السيارات من 55 خطوة إلى بضعة خطوات، مما أدى إلى تخفيض فرص الرشاوى وزيادة الإيرادات. ثالثاً، المشروعات التي تتصدّرها المجتمعات المحلية هي الأكثر فعالية. فبرنامج التضامن الوطني – الذي ساعد البنك الدولي في الشروع في تنفيذه في العام 2003 – يعطي أسباب القوة لما يزيد على 22000 من المنتخبين في مجالس القرى للبتّ في أولوياتهم التنموية – من بناء المدارس إلى مشروعات الري ومشروعات إدخال الكهرباء. وحتى الآن، وصل هذا البرنامج إلى أكثر من 19 مليون من سكان أفغانستان في 34 إقليماً، بمنحٍ بلغ متوسطها 33000 دولار أمريكي. فالتنمية التي يلتزم بها المجتمع المحلي يمكنها البقاء وسط الصراعات. فحين جرى في أغسطس/آب من العام 2006 الهجوم على مدرسة موّلها برنامج التضامن الوطني، قام القرويون بالدفاع عن المدرسة. كما أن مجالس المجتمعات المحلية تساعد في بناء التعاون فيما بين القرويين والحكومة. رابعاً، مع أن لإحراز التقدّم على الصعيد المحلي أهميته، يجب بناء قدرات ومسؤوليات الحكومة على الصعيد الوطني. فثلثا المعونات الحالية إلى أفغانستان تتدفق خارج نطاق الحكومة لأن الجهات المانحة لا تثق في كفاءتها وشفافيتها. ولكن هذا يؤدي إلى تقويض جهود الذين يسعون لبناء مؤسسات أفغانية شرعية. كما يمكن أن يشوه كثيراً توزيع الموارد: فبعض المناطق الآمنة نسبياً لا تصل إليها الأموال مع أنه يمكنها تحقيق النتائج. ويمكننا العمل مع الأفغانيين على تدعيم إدارة المال العام. ومع قول هذا وفي غياب المؤسسات القوية ومع وجود الفساد الكبير، يتوقف تحقيق النتائج الجيدة على شراكات الواحدة تلو الأخرى مع وزراء إصلاحيين من أصحاب النزاهة والاستقامة. ويجب أن يتضمّن مجلس الوزراء الجديد المزيد من أمثال أولئك الأشخاص. خامساً، من الضروري أن يرى الأفغانيون تحسينات قابلة للقياس في حياتهم، وإلا فإنهم لن يشعروا بأنهم مدينون بأي شيء للحكومة في كابول أو السلطات الحكومية المحلية. وهنالك أمثلة من هذا القبيل: تم بناء طرق بطول أكثر من 12000 ميل في مناطق ريفية تصلح للسير عليها في كافة الأحوال الجوية وهي تربط المجتمعات المحلية بالأسواق، وأصبحت لنسبة 80 في المائة من الأفغانيين حالياً القدرة على الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأساسية مقارنة بنسبة 9 في المائة فقط في العام 2003، والتحق بالمدارس 6 ملايين طفل حالياً منهم 35 في المائة فتيات، مقارنة بحوالي مليون طفل ولا فتيات قبل سبع سنوات، وتقوم شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية المتنافسة بتقديم الخدمات لحوالي 10 ملايين مشترك. ولكن مازال ينبغي فعل الكثير. تحقيق الاستقرار في أفغانستان يعتمد أيضاً على جودة القيادة – ولاسيما في المجالات الحاسمة الأهمية التي تأخرت عن اللحاق بغيرها كالزراعة والطاقة والتعدين وتنمية القطاع الخاص. علماً بأن التحديات أمام تحقيق أمن عملية التنمية لكي تصبح ذاتية الاستدامة هي تحديات هائلة. إلا أن من الممكن تحقيق التقدم إذا: تمت تقوية السلامة، والتزمت الحكومة الأفغانية بعملية التنمية، وقام الشركاء بعملية التنمية من بناء على خيارات الشعب الأفغاني، وقرر جيران أفغانستان أن وجود دولة ناجحة على حدودهم أفضل لهم من منطقة عازلة يمكنها الرد بإحداث القلاقل عبر حدودهم. الكاتب هو رئيس مجموعة البنك الدولي نشر سابقاً في جريدة واشنطن بوست |