مقال عن هايتي

متاح باللغة: English, Français, 中文, Español, ภาษาไทย

بقلم: روبرت ب. زوليك، رئيس مجموعة البنك الدولي

تدفق الدعم الدولي من كل حدب وصوب إلى هايتي لمؤازرة عمليات الإنقاذ والإغاثة في أعقاب الهزة الأرضية المدمرة التي ضربتها، وتمثلت الأولوية الأولى لهذا الدعم في إنقاذ أرواح الناس. ويعني ذلك التركيز على توفير المياه والغذاء والمأوى والدواء وغير ذلك من المستلزمات الأساسية الأخرى اللازمة للضحايا والمنكوبين. ومن الضروري تعزيز هذه الاندفاعة الأولى لمساعدة هايتي بسلسلة من الدعم اللوجيستي تواصل عملها لأشهر عدة.

لكن، حتى ونحن نعمل على تحقيق استقرار الاستجابة الإنسانية، لابد أن ننتقل إلى تقديم الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار والبناء. وعلينا، إذ نقوم بذلك، أن نستفيد من دروس الماضي.

فهايتي مازالت، بعد خمس من بعثات حفظ السلام ومعونات بمليارات الدولارات، تعاني من بعض أسوأ مؤشرات التنمية البشرية على مستوى العالم.

لكننا نعلم أن تحقيق التقدم في هذا البلد المنكوب أمر ممكن.

لقد كانت هايتي، قبل أعاصير 2008 وكذلك قبل وقوع الزلزال هذا الشهر، تمضي قدماً إلى الأمام ـ وشمل ذلك إجراء انتخابات ناجحة وسلمية، واستقرار البلاد بعد تأزم الأوضاع الأمنية، وزيادة حصيلة الإيرادات ومعدلات الاستثمار.

وفي إطار الاستفادة من هذه النجاحات والبناء عليها، تقتضي جهود إعادة الإعمار والانتعاش في هايتي التزاماً طويل الأمد. وعندما تبدأ الكاميرات في الرحيل وتخفت الأضواء الإعلامية، وهو ما بدأ في الحدوث بالفعل، لابد وألا يرحل المانحون معها. ففي الماضي، شكل "الإجهاد الهايتي" ـ شأنه في ذلك شأن الكوارث الطبيعية ـ تحدياً كبيراً أمام عملية التنمية.

لقد تسببت الأعاصير والعواصف المدارية الأربعة التي ضربت هايتي في عام 2008 في أضرار بالغة تعادل نحو 15 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي، ومن المؤكد أن الأضرار التي وقعت بفعل هذه الهزة الأرضية المدمرة ستكون أكبر بكثير، وستقتضي قدراً أكبر ومتواصلاً من الجهود المنسقة.

ما هي الدروس التي علينا أن نتعلمها؟

لا يمكن للأطراف الخارجية ذات النوايا الحسنة بمفردها أن تعيد إعمار هايتي، إذ لابد أن يعمل المانحون يداً بيد مع الحكومة والشعب الهايتي. وعلى الحكومة والبرلمان أن يضطلعا بدور قيادي ويبرهنا على التزامهما بالعمل معاً.

ومن الضروري كذلك أن تكون المساندة التي يقدمها المانحون لجهود إعادة الإعمار في شكل منح. ويجب هنا توجيه المزيد من الأموال من خلال الموازنة العامة للدولة حتى يمكن ربطها بالأهداف الوطنية وجهود بناء القدرات في هذا البلد الكاريبي، حتى وإن اعتمدت المراحل الأولى من هذا العمل على ما يقوم به الشركاء الإقليميون والدوليون. وعلينا أن نزيل أعباء الديون المستحقة على هايتي. ففي العام الماضي، قام البنك الدولي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي بشطب 1.2 مليار دولار من ديونها. لكن مازال هناك مليار آخر تقريباً من الديون المستحقة عليها، أقل من 4 في المائة منها ـ أي 38 مليون دولار ـ ديون مستحقة عليها للبنك الدولي. وقد أعلنا فور وقوع الزلزال إعفاء هايتي من مدفوعات سداد الديون المستحقة عليها للبنك على مدى السنوات الخمس المقبلة، ونسعى حالياً لشطب الجزء المتبقي من مديونيتها لنا. وعلى الآخرين أن يحذو حذونا.

إننا بحاجة إلى تحسين تنسيق عملية تقديم المعونات، وتقليل مشروعات المانحين التي تستسلم "للشعور بالرضا والارتياح عما تحقق"، والحد من المشروعات التي تقوم بها البلدان بصورة منفردة، وتعزيز قواعد الشفافية والمساءلة بغرض ترسيخ الثقة بأن هذه الأموال سيتم استخدامها بفعالية.

إن إعادة بناء هايتي أفضل من ذي قبل يقتضي حسن التقدير والتصرف، ووجود إستراتيجية لبلوغ ذلك الهدف.

وبوسع البنك الدولي مساندة عملية التحوّل من تقديم المعونات الإنسانية إلى إعادة الإعمار، وذلك من خلال برامج الغذاء أو النقد مقابل العمل، بحيث ندفع أجوراً للهايتيين مقابل قيامهم بإزالة الأنقاض وإعادة بناء مرافق البنية الأساسية وزراعة الأشجار. ويمكن للمشروعات المجتمعية أن تؤدي إلى تحسين الأنشطة الزراعية الصغيرة التي يمكنها بمرور الوقت أن توفر الاحتياجات لبرامج المساعدات الغذائية، إلى أن تحل محلها لاحقاً. وتستطيع هايتي، بقدر قليل من الاستثمارات في المستلزمات والمعدات، إنشاء مؤسسات بناء كثيفة الاستخدام للأيدي العاملة.

إن الطبيعة الجغرافية تمثل لعنة على هايتي في ظل تكرار تعرضها للكوارث الطبيعية. لكن الجغرافيا يمكن أن تتيح فرصة إستراتيجية لها. فهايتي، التي تقع على بُعد 600 ميل من الولايات المتحدة، تمتلك مقومات وإمكانات هائلة. إذ يمكنها، من خلال تمتعها بإمكانية النفاذ إلى السوق الأمريكية بفضل قانون تشجيع الفرص في نصف الكرة الغربي من خلال الشراكة (HOPE II Act)، أن تخلق المزيد من فرص العمل في قطاعي الملابس الجاهزة والزراعة. كما يمكنها أيضاً أن تشجع القطاع الخاص عن طريق توفير بيئة ملائمة للاستثمار وبناء مقومات البنية الأساسية لشبكات الكهرباء والموانئ والطرق.

وقد رأينا بالفعل تحقق بعض النجاحات. فلمؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وهي ذراع مجموعة البنك الدولي المعني بالتعامل مع القطاع الخاص، استثمارات في شركة ديجيسل (Digicel) التي وسعت نطاق تغطية الهواتف المحمولة في هايتي. واجتذبت إحدى مناطق التجارة الحرة القريبة من الحدود مع الجمهورية الدومينيكية شركات ملابس أمريكية مما أدى إلى خلق الآلاف من فرص العمل. وثمة فرص عديدة للتوسع في المناطق الأخرى.

وحتى تتمكن هايتي من الازدهار، لابد أن تسير الشرعية والأمن والتنمية جنباً إلى جنب.

إن مشاهدي أجهزة التلفاز يدركون حالياً مدى الضعف والوهن الذي تعاني منه هايتي. وهذا الوضع لا يقتصر فحسب على نقص المعدات الثقيلة اللازمة لنقل الأنقاض، لكنه ينسحب كذلك على قوة الشرطة الصغيرة، والجهاز القضائي الضعيف. فهايتي دولة ذات قدرات محدودة لا تتوافر لديها الإيرادات الكافية لحماية شعبها أو تقديم الخدمات الأساسية.

إننا بحاجة إلى "تأمين عملية التنمية" كي تضرب بجذورها بما يكفي لكسر حلقة الضعف والفقر والعنف. ومع توفر الاستقرار السياسي والأمن ووجود حكومة فعالة، يمكن لمعدلات الاستثمارات والتنمية أن تنمو.

وآتشية في إندونيسيا هي خير مثال على ذلك يمكن الاسترشاد به. فاليوم بعد مضي خمس سنوات على كارثة تسونامي، يُنظر إلى عملية إعادة إعمار آتشيه على أنها قصة نجاح. فقد تم بناء 140 ألف بيت، وإنشاء 2500 ميل من الطرق، ومساندة 200 ألف مؤسسة أعمال صغيرة ومتوسطة.

لقد ساند الشركاء الدوليون في آتشيه جهود إعادة الإعمار من خلال نُهُج منسقة تتسق كل الاتساق مع الدور القيادي للحكومة والأولويات المحلية. وقام خمسة عشر بلداً ومنظمة مانحة بتعبئة 700 مليون دولار في صندوق متعدد المانحين تولى البنك الدولي إدارته، وبدلاً من خمسة عشر مشروعاً منفصلاً في مجالي بناء المساكن والطرق لكل منها إجراءات ومعايير مختلفة كان يمكن أن تؤدي إلى إثقال كاهل القدرات المحدودة للمؤسسات المحلية، كان هناك برنامج واحد جيد التنسيق شاركت في تنفيذه المجتمعات المحلية والأجهزة الحكومية والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الدولية.

إن الهايتيين لا يريدون، أكثر منا، أن يكونوا ضحايا. ولا شك أن بوسعنا في ظل توّفر قيادة هايتية قوية، ومساندة دولية وإقليمية منسقة ومتسقة وتتسم بالكفاءة أن نحول الأيام التي تناولتها الروايات الإخبارية إلى عِقد من قصص النجاح.




Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/A1B78R70E0