التحدي
خلال نصف القرن الذي مضى عليها منذ الاستقلال، حققت تونس تقدماً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً، انعكس في شكل مزيج من مضاعفة متوسط نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي إلى أربعة أمثاله، وزيادة متوسط العمر المتوقع إلى ما يقترب من مستواه في البلدان المتقدمة، وخفض أعداد الفقراء إلى أقل من 4 % من السكان. وقد تعزز أداء الاقتصاد التونسي بدرجة كبيرة بفضل إنشاءُ نظام الأوفشور (حوافز الاستثمار الأجنبي) في عام 1971، والذي كان الغرض منه الحد من التحيز المتأصل في السياسة الصارمة المتبعة في الستينيات ـ القائمة على إحلال الواردات ضد الصادرات. ويمنح نظام الأوفشور عدة حوافز ضريبية ومالية لشركات التصدير، من بينها إعفاء المواد الخام والمعدات التي تدخل في الإنتاج من الرسوم الجمركية، ومنح إعفاء ضريبي لمدة 10 سنوات، مع حرية تحويل الأرباح إلى الخارج. وقد أتاح ذلك لتونس اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، واقتحام سلاسل الصناعات التحويلية العالمية، وخلق الكثير من فرص العمل في قطاع الملابس وغيره من قطاعات الصناعات التحويلية.
غير أنه تبين أن انتهاج سياسة تجارية مهجنة تجمع ما بين الحماية الشديدة والتحكم في الاقتصاد المحلي من جهة وتوفير مناخ عمل قائم بذاته (هو الأوفشور) من جهة أخرى، لا يتسق مع الرغبة في تحقيق نمو قوي وطويل الأمد وخلق فرص العمل. فمع بدء معاناة خريجي الجامعات في العثور على عمل في أوائل التسعينيات، بدأ معدل البطالة في الارتفاع، حتى بلغ 15 % في عام 1999. وقد تراجع معدل البطالة قليلاً منذ ذلك الحين، لكنه لا يزال في حدود 14 %. ونظراً لتسارع معدلات دخول الشبان من خريجي الجامعات إلى سوق العمل، فقد بدا واضحاً، إذا ما تجاوزنا نطاق الاستثمار الأجنبي في قطاع الأوفشور، أن البلد بحاجة إلى تعزيز كفاءة اقتصاده المحلي وقدرته عل المنافسة كي يتفادى حدوث تدهور كبير في أوضاع العمالة.
النهج
:ساند البنك الدولي البرنامج الإصلاحي للحكومة الذي جمع ما بين الإصلاح التجاري واللوجستي، والإصلاح الإداري والتنظيمي من أجل تحسين مناخ الاستثمار، وإنشاء مجلس للمنافسة وتخويله الصلاحيات المناسبة، وإصلاح القطاع المصرفي وقطاع التأمين من أجل زيادة القدرة على الحصول على التمويل، وتحرير خدمات رئيسية مثل النقل البحري وقطاعي الموانئ والاتصالات من أجل تقليل تكاليف التعاملات وتعزيز جاذبية البلد في أعين المستثمرين.
النتائج
نجحت تونس، من خلال مجموعة من برامج قروض سياسات التنمية المبرمة مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير، في زيادة قدرتها على المنافسة العالمية ومضاعفة صادراتها خلال ما يزيد قليلاً عن 10 سنوات. ولعل أبلغ تصوير لتحسن قدرة تونس على المنافسة هو نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وهو ما يحرك الاستثمار في العادة. فقد انتعشت الإنتاجية الكلية من معدلاتها السلبية في الثمانينيات لتصل إلى 1.24 % في التسعينيات، ثم 1.40 % في الفترة من 2000 إلى 2006. ورغم أن معدل الإنتاجية ظل خلال تلك الفترة أدنى منه في كوريا الجنوبية وماليزيا، فقد شكل واحداً من أفضل معدلات الأداء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وعلاوة على ذلك، فقد تضاعفت الصادرات من حيث القيمة فيما بين عامي 1996 و2007، في حين زادت التدفقات السنوية للاستثمار الأجنبي المباشر باطراد، لتصل في المتوسط إلى 2.2 % من إجمالي الناتج المحلي فيما بين عامي 1996 و2000، ثم إلى 2.6 % فيما بين عامي 2002 و 2005، وإلى 5 % فيما بين عامي 2006 و2008. واحتلت تونس المرتبة الأولى كأكثر البلدان الأفريقية قدرة على المنافسة في تقرير التنافسية العالمية الصادر عن منتدى دافوس 2009. وقد تُرجم ذلك كله في شكل نمو نسبته 5 % منذ منتصف التسعينيات على الرغم من الصدمات المتكررة داخلياً (كالجفاف على سبيل المثال) وخارجياً.
نحو المستقبل
تحتاج تونس إلى المزيد من تعزيز الاستثمار الخاص ونمو الإنتاجية كي تصل إلى معدل نمو يتراوح بين 6 و 7 % وخفض معدلات البطالة. فعلى الرغم من استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، فإن الاستثمار المحلي الخاص لم يزد إلا بنسبة طفيفة من 12.3 % من إجمالي الناتج المحلي في عام 1997 إلى 14.2 % في عام 2007. وهذا المستوى من الاستثمار الخاص يقل عما حققته غيرها من البلدان الصاعدة ولا يكفي لاستدامة نمو الإنتاجية الذي كان المحرك لما تحقق في الآونة الأخيرة من توسع اقتصادي. وقد حققت الاقتصادات العالمية الأسرع نمواً معدلات استثمار أعلى بكثير. ومن هنا، فلا يزال هناك شوط واسع ينبغي قطعه من أجل تحسين مناخ الأعمال والتكامل التجاري من خلال إدخال إصلاحات يستطيع البنك الدولي مساندتها بالإقراض الذي يستند إلى السياسات. ومن المهم بوجه خاص إدخال إصلاحات تستهدف القضايا المتعلقة بالمنافسة، كالممارسات المناهضة للمنافسة، والمنافسة غير النزيهة التي لا تزال تعيق الاستثمار.
غير أنه، فضلاً عن تحسين البيئة الملائمة للنمو، تظل تونس بحاجة إلى تحسين نوعية النمو من خلال مساندة الابتكار. فالاقتصاد التونسي في الحقيقة، كما أظهر تقرير للبنك الدولي_ صدر مؤخرا بعنوان "استعراض سياسات التنمية في تونس: نحو نمو مدفوع باعتبارات الابتكار"_ لم تزل تهيمن عليه أنشطة تتسم بتدني المهارات وضعف القيمة المضافة، ولاسيما في مجال الصناعات التحويلية. وتتسم القطاعات الاقتصادية التونسية في واقع الأمر بكثافة الأيدي العامة غير الماهرة، إذ لا تزيد نسبة الحاصلين على شهادات جامعية على 15 % فقط من مجموع العاملين في الوقت الراهن. ويمثل العاملون غير المهرة أكثر من 90 % من مجموع العاملين بقطاعات المنسوجات والملابس والقطاعات الميكانيكية والكهربائية (التي تمثل فيما بينها 60% من صادرات تونس). ولذا فإن "المجال الاقتصادي" محدود للغاية أمام استيعاب خريجي الجامعات الذين يشكلون الآن 60 % من الداخلين الجدد إلى سوق العمل. ويفسر ذلك جزئياً الارتفاع المتزايد في معدلات البطالة بين هذه الفئة من الباحثين عن العمل. ولذلك، فإن من بين التحديات الهامة كيفية تحويل القطاعات التقليدية تدريجياً إلى قطاعات تتسم بارتفاع القيمة المضافة والكثافة المعرفية، فضلاً عن زيادة الاستثمارات في القطاعات الجديدة والناشئة التي تعتمد على التكنولوجيا. وبمقدور تونس، لو نجحت في التحول إلى نهج نمو مدفوع باعتبارات الإنتاجية، أن تقلل من البطالة من خلال اتباع طريقين متوازيين: أولهما زيادة الإنتاجية ونمو إجمالي الناتج المحلي (وهو ما سيفيد كل أنواع العاملين) وثانيهما توسعة المجال أمام توظيف العمالة ذات التعليم العالي. والبنك الدولي، حسبما تم الاتفاق عليه في إستراتيجية الشراكة القطرية الخاصة بتونس، ملتزم بمساندة نموذج النمو الجديد الذي وضعته الحكومة من خلال توفير العمل التحليلي، والمساعدة الفنية، وقروض سياسات التنمية خلال السنوات المقبلة.
.





