بقلم روبرت زوليك، رئيس البنك الدولي*
تقف الجبال الوعرة في أفغانستان شاهداً صامتاً على مدى العصور، من جيوش الإسكندر الأكبر إلى جحافل الجيش الأحمر السوفيتي، على وقع أقدام جنود الجيوش التي تمر أمامها. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لقوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي التي سترحل قريباً عن أفغانستان، ويتساءل الناس عما إذا كان الجيش الأفغاني سيكون قادرا على توفير الأمن. لكن ثمة سؤال لا يقل عن ذلك أهمية، وهو: هل سيكون الاقتصاد الأفغاني قادرا على الوفاء بمتطلبات البلاد؟ وبدون اقتصاد يتمتع بمقومات البقاء، فليست هناك على الإطلاق سوى فرصة ضئيلة أمام أفغانستان لدفع تكاليف أمنها الخاص؛ وأمل ضعيف في اكتساب حكومتها للشرعية؛ وفرصة ليست بالكبيرة للتصدي لحركة التمرد. إن اقتصاد أفغانستان عرضة لمخاطر التأثير المضاعف؛ إذ سيؤدي سحب الأموال إلى التعجيل بوقوع تباطؤ مفاجئ في النمو الاقتصادي، بعد أن كانت أفغانستان تنمو بقوة بمعدل سنوي أكثر من 10 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية، ولكن هذا الأداء كان يعتمد على تدفقات ضخمة من الإنفاق والمعونات العسكرية الدولية. ويقدر الإنفاق العسكري خلال عامي 2010 و 2011 بأكثر من 100 مليار دولار، في حين أن الإنفاق على المعونات قد يصل إلى 15.4 مليار دولار. ويبلغ إجمالي الناتج المحلي حوالي 16.3 مليار دولار. ومع انسحاب القوات، سيتقلص الدعم.. والاستهلاك الخاص يرتبط ارتباطا وثيقا بالإنفاق العسكري والمعونات. وأفغانستان بلد فقير لا تستطيع تحمل تراجع النشاط الاقتصادي، لاسيما وهي تواجه تصاعد التحديات الأمنية. وهي تعاني انخفاض تصنيفها التنموي الذي يقبع في القاع، حيث جاء ترتيبها 155 على مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة نتيجة لتراجع مستوى أدائها في مؤشرات الصحة والتعليم والدخل وغيرها من المؤشرات. وسوف يؤثر سحب الإنفاق العسكري والمعونات الخارجية أيما تأثير على مجالي الإنشاءات والخدمات، ولاسيما في قطاعات النقل والتوزيع والأمن. ويحتاج شركاء أفغانستان إلى توقع تأثيرات تراجع مستويات هذا الإنفاق كي يتمكنوا من تخفيف أثر هذه الصدمة. ونظرا لمحدودية الموارد، فسوف تحتاج أفغانستان إلى معونات أكثر كفاءة مصحوبة بآليات ثبتت نجاعتها لتسليم هذه المعونات لضمان أن كل دولار يتم تقديمه يساعد الشعب الأفغاني بالفعل. أولا، يمكن للقوات العسكرية والجهات المانحة القيام بالمزيد من الجهود لزيادة الإنفاق داخل أفغانستان. وقد بلغ مجموع المعونات المقدمة لأفغانستان العام الماضي نسبة 91 في المائة من اقتصادها، إلا أن معظم المعونات العسكرية وغيرها تم إنفاقه خارج البلاد. وحتى مع انخفاض هذه المبالغ، فإنها ستظل أرقاما كبيرة بالنسبة للاقتصاد الأفغاني. ويمكن لإعادة توجيه المزيد من التمويل للموردين والمقاولين المحليين لإنفاقه في أفغانستان وتوظيف المزيد من الأفغان أن يكون له تأثير كبير في التخفيف من أثر خفض الإنفاق العسكري والمعونات. ثانيا، ينبغي تمرير المزيد من المساعدات عن طريق الحكومة الأفغانية، إذ لا يتم إنفاق سوى 15 في المائة فقط من المعونات من خلال ميزانية الحكومة. ويمكن لربط المعونة بالميزانية أن يرفع حصة العقود التي تفوز بها الشركات المحلية. وبالطبع، فإن الجهات المانحة تحتاج إلى بناء القدرات داخل الحكومة الأفغانية، بما في ذلك ضمانات صارمة لمكافحة الفساد. وإضافة إلى ذلك، فإن وزارة المالية القادرة قد استخدمت التمويل عن طريق الميزانية لزيادة الشفافية والرقابة المالية والتعاقدية والإشراف على وزارات أخرى. ويقدم البنك الدولي والصندوق الاستئماني لإعادة إعمار أفغانستان المساعدة عن طريق الميزانية بالاشتراك مع الوزارات الأفغانية.. ولا يستطيع الأفغان التحكم في مصيرهم إذا تجاوزت الجهات المانحة الحكومة.. والتنمية لا تتم بدون الالتزام المحلي بالجهود المبذولة. ثالثا، يمكن للأفغان مساعدة أنفسهم إذا تمكنوا من المساهمة في التمويل بأنفسهم، وتوضح الاتجاهات الحالية أن الإيرادات المحلية يمكن أن تزيد بنسبة 16 في المائة سنويا، لتصعد إلى حوالي 13 في المائة من إجمالي الناتج المحلي عام 2019، مدفوعة إلى حد كبير بالتقدم في الإصلاحات الجمركية وتطبيق ضريبة قيمة مضافة جديدة في عام 2014، وتحصيل إيرادات التعدين. ولكن إذا انخفض الدعم الخارجي على نحوٍ سريع، فسوف تزيد الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، وهذه الفجوة سيتعين سدها لفترة ما عن طريق الجهات المانحة الأجنبية. ويمكن للجهات المانحة دعم جميع هذه الأهداف بالتعهد بتقديم الدعم مرة أخرى للصندوق الاستئماني لإعادة إعمار أفغانستان، إذ إن الصندوق يمول العديد من البرامج التي تمثل قصص نجاح، بما في ذلك برنامج التضامن الوطني- وهو مبادرة التنمية المدفوعة باعتبارات المجتمعات المحلية؛ وتشمل البرامج الناجحة الأخرى تعليم البنين والبنات؛ وبناء الطرق في المناطق الريفية؛ وبرنامج للرعاية الصحية الأساسية؛ ونظام لإدارة الشؤون المالية العامة يعتمد عليه. رابعا، هناك حاجة إلى عمل المزيد لزيادة استثمارات القطاع الخاص، ولكن أفغانستان تحتل المرتبة 167 في تقرير "ممارسة أنشطة الأعمال" الصادر عن مجموعة البنك الدولي. وبعيدا عن الأمن والفساد، فإن العقبات التي تواجهها الشركات تشمل ارتفاع أسعار الطاقة الكهربائية وتكرار انقطاعها، وعدم ملاءمة نظام تسجيل الأراضي، وضعف الهياكل القانونية. غير أن أفغانستان لديها ثروة من الموارد في قطاع التعدين المهمل إلى حد كبير والذي ينقصه التمويل، ويمكن للتعدين والنفط والغاز تعزيز التنمية الاقتصادية في البلاد عن طريق استثمارات القطاع الخاص للمساعدة في تمويل عمليات الاستكشاف وتحسين القدرات وإقامة البنية التحتية المناسبة. ويمكن للزراعة تحسين وضعها التقليدي باعتبارها عصب الاقتصاد في أفغانستان؛ ولكن ستكون هناك حاجة إلى المزيد من الاستثمارات في مجال الري، وعلى مستوى سلسلة الإنتاج لتصدير المحاصيل الزراعية إلى الأسواق المحلية والخارجية. لقد حقق الأفغان تقدما اقتصاديا حقيقيا وكبيرا في السنوات الأخيرة.. وهناك حاجة إلى البناء على هذا التقدم وعدم التخلي عنه.. فإستراتيجية انتقال المسئوليات الأمنية تحتاج إلى إستراتيجية متكاملة للتحول الاقتصادي؛ وأي جيش بدون اقتصاد محكوم عليه بالفشل والفناء.. والتراجع الاقتصادي المتسرع وغير المخطط سيهدر المكاسب التي تحققت مقابل ثمن باهظ.. وأفغانستان تحتاج إلى الاعتماد على نفسها، ولكن شركاءها بحاجة إلى التخطيط الآن - معا وبروح تتسم بالتكاتف، ومع الحكومة- لمعرفة كيفية تحقيق البلاد لهذا الهدف.
المقال كما نشر في الموقع الإلكتروني لصحيفة واشنطن بوست يوم 22 يوليو/تموز 2011 وفي النسخة المطبوعة من الصحيفة يوم 24 يوليو/تموز 2011 |