الأحد، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2011
بقلم روبرت ب. زوليك تُطلّ علينا الأسبوع القادم إحدى الفعاليات المهمّة في حقبة الأزمة المالية: حيثُ تنعقدُ قمة لمجموعة العشرين يحضُرها قادة وزعماء العالم لوضع حلول للاضطرابات الاقتصادية التي يشهدها العالم حالياً ومناقشتها. ومع كل ما يصاحب مؤتمرات القمة هذه من احتفالات وضجيج إعلامي، ألا يحق لنا أن نتساءل: ما الذي تحققه هذه الاجتماعات على أرض الواقع؟ ومع توجه الرئيس أوباما والزعماء الآخرون إلى مدينة كان في فرنسا لحضور مؤتمر القمة، دعوني أصحح بعض الأفكار الخاطئة عن هذه الاجتماعات رفيعة المستوى. 1. مجموعة العشرين تضم 20 عضوا. تضم مجموعة العشرين في واقع الأمر أكثر من 20 بلداً. فعادةً ما توجّهُ الحكومات المُضيفة الدعوة إلى بلدان أخرى لحضور الاجتماعات، سواء لتمثيل مناطق معينة أو لتلطيف الأجواء مع بلدان مجاورة لها شكاوى تستوجب النظر. وبذلك جرت العادة على انعقاد القمة بحضور حوالي 25 بلدا، بالإضافة إلى رؤساء المنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة. (ويشغل الاتحاد الأوروبي معظم المقاعد، حيث تشارك غالبا ستة أو سبعة بلدان أوروبية فضلا عن ممثلي رئاسة المجلس الأوروبي، والدولة التي تترأس مؤتمر القمة، والمفوضية الأوروبية). وتمثل اقتصادات البلدان الحاضرة حوالي 85 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في العالم. وبطبيعة الحال، للبلدان المتقدمة الكبرى - وخاصة الولايات المتحدة - ثِقلها وأهميتها الكبيرة، وإن كان أداؤها المتعثر في السنوات الأخيرة يُقلل من نفوذها وتأثيرها. وتتسم آراء البلدان النامية الكبيرة، مثل الصين والهند، بالأهمية أيضا، فيما تستطيع البلدان ذات الاقتصادات المتوسطة أن تضغط بما يفوق قدرتها عن طريق حشد البلدان حول قضية معينة، ومثالُ ذلك الضغط الذي مارسته أستراليا وجنوب أفريقيا هذا الشهر من أجل بحث خيارات متعددة لاستكمال إجراءات زيادة موارد صندوق النقد الدولي إذا عاودت الأسواق المالية الهبوط مجددا. 2. خروج مجموعة العشرين من رحم الأزمة المالية في عام 2008. على الرغم من الحضور والمكانة المرموقة التي اكتسبتها مجموعة العشرين عقب انهيار بنك ليمان براذرز في خريف عام 2008، فإن تاريخ إنشاء هذه المجموعة يعود إلى عام 1999 بعد انتقال آثار الأزمة المالية الآسيوية إلى أسواق صاعدة أخرى. ففي ذلك الوقت، ناقش اجتماع وزراء مالية مجموعة السبع برئاسة وزير المالية الكندي ضرورة أن يكون للبلدان النامية صوتُ أقوى في المداولات والمناقشات العالمية المعنية بالسياسة الاقتصادية. ومما يوضح الطابع الخاص للمجموعة الجديدة أن عضويتها مازالت تعكس بعض الأمور المثيرة للغرابة الناتجة عن العملية الأولية للاختيار الذاتي: فقد أبدت جنوب أفريقيا والمملكة العربية السعودية الرغبة آنذاك في الانضمام، على سبيل المثال، بينما امتنعت كل من مصر ونيجيريا. ومع ذلك، فإن إنشاء مجموعة العشرين كان مؤشرا مبكرا على قُرب نهاية حقبة مجموعة الدول السبع - ذلك النادي القديم للدول المتقدمة الذي يضم بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة. وباستثناء الاتفاقية المبرمة عام 2004 حول المسائل الضريبية، كانت مجموعة العشرين إلى حد كبير محفلا للمناقشات في سنواتها الأولى. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2008، أراد الرئيس جورج بوش الابن طمأنة وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية أثناء حضورهم الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة بأن حكومته ملتزمة بالحيلولة دون حدوث أي انهيار في الاقتصاد العالمي. وعقد الرئيس بوش أولا لقاءات مع زعماء مجموعة السبع، ولكنه أدرك أن معطيات العالم المتغير تستوجب الحوار مع مجموعة أوسع نطاقا، ولذا طلب أن يتحدث مع مسؤولين من مجموعة العشرين التي كانت البرازيل تتولى رئاستها في ذلك العام. وبعد ذلك، وبتشجيع من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وزعماء آخرين، عقد الرئيس بوش أول مؤتمر قمة لمجموعة العشرين في واشنطن العاصمة في الشهر التالي. 3- مجموعة العشرين جعجعةُ بلا طحين. لعل هذه مسألة فيها نظر، ويدور بالتأكيد نقاش واسع حولها. فمؤتمرات القمة واجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية مصحوبة الآن بجلسات خاصة لوزراء الزراعة والتنمية والعمل، فضلا عن جميع لقاءات "مجموعات العمل" اللازم انعقادها مُسبقا. ومثلما هو الحال بالنسبة لمجموعة السبع، توجد مخاطر حقيقية لاستشراء البيروقراطية؛ فالمجموعة الأكبر تستلزم تمثيلا أوسع نطاقا ولكن الحجم يعيقُ المداولات ويحيلُ المناقشات الصريحة إلى عروض أكثر رسمية (وأقل نفعا وجدوى) لمواقف الأطراف مما يُزيد من صعوبة اتخاذ ما يلزم من إجراءات. ولكن الواقع يشير إلى اتخاذ بعض الإجراءات المهمّة. فقد أقرّت قمة مجموعة العشرين في لندن في 2009 خطة لإنعاش الاقتصاد العالمي بضخّ 1.1 تريليون دولار، وتحديد جهود التحفيز والتنشيط الاقتصادي للبلدان، والدعوة إلى زيادة موارد صندوق النقد الدولي ومستويات تمويل التجارة. إلا أن ازدياد عجوزات المالية العامة منذ ذلك الوقت جعل من السهل على قادة العالم إنفاق مبالغ طائلة بدلا من سياسات التقشف وشد الأحزمة. وحتى عندما لا تصدر عن مؤتمرات القمة خطط تحظى بتغطية إعلامية واسعة، فمن شأن جهود أصغر حجما أن تأتي بنتائج مع مرور الوقت. فقد حوّلت قمة لندن منتدى الاستقرار المالي من تجمّعٍ فضفاض أنشأته مجموعة السبع إلى مجلس الاستقرار المالي الذي يُعد أكثر قوة ونفوذا وهو مفتوح أمام جميع بلدان مجموعة العشرين ومُكلّف من قبلها بتوجيه وتنسيق السياسات والقواعد الجديدة لتنظيم الأسواق والنظم المالية؛ وأدى هذا المجلس بالفعل إلى التوصل إلى اتفاقات بشأن المعايير والرقابة. كما خرجت مؤتمرات القمة في بيتسبرغ وتورنتو وسول، وكذلك التحضيرات للقمة برئاسة فرنسا هذا العام، باتفاقيات حول إعفاء الإمدادات الغذائية الطارئة من إجراءات الحظر المفروضة على الصادرات، علاوة على اتفاقيات بشأن المساعدات الزراعية المقدمة لأفريقيا. كما استخدمت فرنسا أيضا منتدى مجموعة العشرين لإثارة النقاش حول شكل النظام النقدي الدولي مستقبلا. 4. مجموعة العشرين هي حكومةُ عالمية جديدة. هذا مجاف للحقيقة، إذ لا توجد لدى مجموعة العشرين آليات تصويت ولا ميثاق للحقوق أو المسؤوليات ولا إجراءات إلزامية. فالمجموعة منتدى للدبلوماسية الاقتصادية - هي لجنة توجيهية غير رسمية تتبادل وجهات النظر والتقارير والتوصيات وتسعى للوصول إلى توافق في الآراء بشأن الإجراءات الواجب اتخاذها. ويعتمد أعضاؤها أيضا على مؤسسات متعددة الأطراف في الدفع باتجاه اعتماد الأفكار وتنفيذ السياسات بمساعدة البلدان غير الأعضاء في المجموعة. في مجموعة متباينة مثل مجموعة العشرين، يتم على الأرجح إنجاز العمل الجاد والبنّاء من خلال القيام أولا بوضع اتفاقيات من قبل مجموعات أصغر حجما ثم العمل بعد ذلك على توسيع نطاق الائتلافات التي يُفضّل مساندتها من قبل كل من البلدان النامية والبلدان المتقدمة أو تأييدها ودعمها عبر مختلف مناطق العالم. (فمن الواضح، على سبيل المثال، أن اقتراحا تتبناه الولايات المتحدة والصين أو الهند سوف يكون اقتراحا مؤثرا). وفي النهاية، فإن اتخاذ القرارات الكبيرة يقع على عاتق الحكومات الوطنية التي يتعين عليها في سياق تمثيلها السيادي أن تُقرر إمكانية التعاون ومتى وكيف تتعاون. 5. الاختبار الحقيقي لمجموعة العشرين يتمثل في مدى قدرتها على منع نشوب أزمة مالية في المستقبل. هذا هو المحكّ المهم، ولكن أمام المجموعة اختبارا عاجلا يجبُ اجتيازه بنجاح - وهو التغلب على تداعيات الأزمة الراهنة وانعكاساتها السلبية. فالاقتصاد العالمي لا يرزح تحت وطأة العجوزات المالية الكبيرة والبنوك المتعثرة فحسب، بل يواجه أيضا تصاعد معدلات البطالة وتباطؤ النمو الاقتصادي. في قمة مجموعة العشرين التي تلتئم في فرنسا الأسبوع القادم، سوف تقدم منطقة اليورو خطة جديدة لإعادة رسملة وتعزيز بنوك الاتحاد الأوروبي، واستخدام موارد الصندوق الأوروبي الجديد للاستقرار المالي في تمكين إيطاليا وأسبانيا من مدّ آجال الديون الحكومية، وتقديم المساعدات اللازمة لليونان والبرتغال وأيرلندا؛ وتخفيف أعباء ديون اليونان لمنحها فرصة للتعافي. ورغم أن التحديات التي تواجهها واشنطن بخصوص الميزانية وحجم الديون والنمو الاقتصادي وارتفاع البطالة ربما لا تمثل إشكاليات ملحة في نظر الأسواق الدولية، فإنها قد لا تقل أهمية وخطورة. فقد ساعد النمو الاقتصادي في البلدان النامية في التعويض عن ضعف أداء البلدان المتقدمة، ولكن البلدان النامية ليست بمنأى عن التعرض للصدمات الآتية من البلدان الصناعية. ويجب على كل البلدان أن تتفق على الأقل على عدم اتخاذ أية إجراءات سلبية غير محسوبة - مثل اللجوء إلى السياسة الحمائية أو الحروب التجارية. ويجب على مجموعة العشرين أيضا موازنة الأضرار التي تلحق بالبلدان الأشد فقرا غير المشاركة في الاجتماعات. يُشار هنا إلى أن روبرت زوليك، رئيس مجموعة البنك الدولي، قد شارك في جميع مؤتمرات قمة مجموعة العشرين. |