تقرير جديد للبنك الدولي يدعو إلى توفير مزيد من الموارد التمويلية لمكافحة سوء التغذية، ولكنه ينوه إلى ضرورة استهداف الجهود المبذولة للحوامل والأطفال دون سن الثانية. كما يحذر من أن محاولة تحسين تغذية الأطفال في مراحل لاحقة من حياتهم تُعتبر جدّ متأخرة ومكلفة للغاية وغير فعالة. يحذر تقرير جديد صادر عن البنك الدولي من أنه ما لم يتم إجراء ما يلزم خلال السنتين الأوليين من عمر الأطفال لتحسين مستوى تغذيتهم، فإن هؤلاء الأطفال سيعانون أضراراً لا يمكن إصلاحها، مما يؤثر سلباً في نهاية المطاف على النمو الاقتصادي في البلاد. يقول هذا التقرير الصادر بعنوان " تغيير وضع التغذية لتكون في صميم عملية التنمية"، إن سوء التغذية ما زال أخطر مشكلة صحية تواجه العالم. إذ إن للتغذية السيئة دوراً في أكثر من نصف مجموع وفيات الأطفال في أنحاء العالم – وهي نسبة لا يعادلها أي مرض معدٍ منذ تفشي مرض الطاعون (الموت الأسود) في أوروبا. تقول ميرا شيكار، كبيرة مؤلفي هذا التقرير، " يُعتبر سوء التغذية من بين أخطر المشاكل الصحية التي تواجه العالم في الوقت الحالي، وهي مشكلة لم يتم التصدي لها بعد. فعلى سبيل المثال، يعاني حوالي 30 في المائة من الأطفال في العالم من نقص التغذية، كما أن حوالي 60 في المائة من الأطفال الذين يموتون بسبب الإصابة بأمراض شائعة كالإسهال والملاريا كان من الممكن ألا يتعرضوا لهذا المصير إذا لم يكونوا يعانون من سوء التغذية في المقام الأول." وفي الوقت الذي ينتقد فيه الافتقار إلى وجود إجراءات واسعة النطاق على الصعيدين الدولي والوطني للتصدي لمشكلة سوء التغذية، يمضي هذا التقرير ليقول إن من شأن تحسين أوضاع التغذية أن يؤدي إلى زيادة معدلات النمو في البلدان الفقيرة بما نسبته اثنين إلى ثلاثة في المائة. وخلافاً للاعتقاد الشائع، يكشف هذا التقرير أن معدلات سوء التغذية في جنوب آسيا تبلغ ضعفي المعدلات السائدة في أفريقيا جنوب الصحراء تقريباً. " لقد وجدنا أن هذه المشكلة أكبر بكثير في منطقة جنوب آسيا عنه في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء. فحوالي 50 في المائة من الأطفال في جنوب آسيا يعانون نقصاً في التغذية مقارنة بحوالي 25 في المائة من الأطفال في أفريقيا جنوب الصحراء. ولكن، وجدناً أيضاً أن هذه المشكلة ليست مقتصرة على هاتين المنطقتين وحدهما. فهناك بلدان أخرى من مناطق أخرى حول العالم، كإندونيسيا وأوزبكستان واليمن وغواتيمالا وبيرو، يُعتبر فيها سوء التغذية مشكلة حادة." مشكلة ليست قاصرة على الفقراء يفند هذا التقرير فكرة أن سوء التغذية لا يعدو كونه مشكلة قاصرة على البلدان الفقيرة في العالم. تقول شيكار، " إن التغذية السيئة موجودة أيضاً في كل مكان، الأمر الذي يشير إلى أن هذه المسألة غير مرتبطة ببساطة بالقدرة على الحصول على الطعام. فالهند وإثيوبيا يعانيان من نفس مستويات سوء التغذية تقريباً. كما أن هناك 26 في المائة من أطفال أعلى شريحة من حيث الدخل في الهند يعانون من نقص الوزن، يعاني 65 في المائة منهم من الأنيميا." "ولا يسير أداء الأطفال المصابين بالأنيميا على النحو المطلوب في المدارس، ومن المرجح أن يتسربوا من مدارسهم، كما ستنخفض إنتاجيتهم الذهنية والبدنية عندما يكبرون. ويتحدث الجميع عن أداء الهند الجيد في صناعة تكنولوجيا المعلومات ــ ولك أن تتصور مدى التحسن الذي كان يمكن أن تشهده الهند لو أن 65 في المائة من بين أطفال أكثر الأسر غنى و88 في المائة من أطفال أشدّ الأسر فقراً في الهند لم يكونوا مصابين بالأنيمياّ." وتضيف شيكار أن بلدان العالم المتقدمة تواجه أيضاً الوجه الأخر من عملة سوء التغذية ــ البدانة. ففي بلدان العالم المتقدمة، يمكننا أن نعثر على الوجه الأخر لسوء التغذية، وهو مشكلة آخذة في الازدياد، ويتمثل في أجندة زيادة الوزن. وترتبط هذه المشكلة بشكل وثيق جداً بالأمراض التي لا تنتقل بالعدوى كأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والسرطان. فرص صغيرة سانحة يفند تقرير "تغيير وضع التغذية لتكون في صميم عملية التنمية" كذلك الفكرة القائلة بأن مجرد تقديم مزيد من الطعام إلى الأطفال يمكن أن يتغلب على مشكلة سوء التغذية. فالإجراءات التي تستهدف الأطفال الأكبر سناً لها تأثير ضعيف، إن كان هناك أي تأثير أصلاً، على تحسين أوضاع التغذية. ولذلك، من الضروري أن يستهدف تركيز أية برامج تتصدى لسوء التغذية كلاً من الحوامل والأطفال دون سن الثانية من أعمارهم. وتضيف شيكار قائلة، "بالفعل هناك فرصة سانحة، وإن كانت صغيرة للغاية، تتمثل في الفترة الزمنية الممتدة بين وقت الحمل وحتى نهاية السنتين الأوليين من حياة أي طفل. وإذا ما أضعنا هذه الفرصة السانحة، نكون قد أضعنا فرصة جيل بأكمله. "فالضرر الذي يحدث نتيجة لسوء التغذية في هذا الوقت بالتحديد لا يمكن، في حقيقة الأمر، إصلاحه. ولذا، فإذا لم يكن لدينا إلا دولار واحد لاستثماره في تحسين أوضاع التغذية، فهذه هي الفترة التي ينبغي أن نركز فيها إجراءاتنا." فالكثير من الناس يفترضون أن تغذية الأطفال في مراحل لاحقة من حياتهم ستحسن تغذيتهم. حسناً، إن هذه الإجراءات جدّ محدودة وباهظة التكلفة ومتأخرة للغاية، ولن تجدي نفعاً في تحسين أوضاع التغذية أو تحسين إنتاجيتهم في المستقبل. الحاجة إلى إعادة النظر تضيف شيكار لقد حان الوقت للمجتمع الدولي أن يعيد النظر في الأهمية التي يوليها لقيمة التغذية. وكما يقول هذا التقرير، "يتمثل الاختيار الحاسم الآن بين الاستمرار في الإخفاق، كما فعل المجتمع الدولي بالنسبة لفيروس ومرض الإيدز لأكثر من عقد من الزمن، أو أن نجعل التغذية في صميم عملية التنمية بشكل نهائي بحيث يمكن تحقيق تحسن في مجموعة واسعة النطاق من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعتمد على التغذية." وتستطرد شيكار قائلة بأن المجتمع الدولي كان ينظر في الماضي إلى التغذية على أنها مجرد قضية تتعلق باستهلاك الأغذية أو قضية رفاهة اجتماعية. لكن هذه المسألة، كما بيّنا في هذا التقرير، هي أن التغذية قضية استثمار. فهي تشكّل عاملاً يمكنه دفع النمو الاقتصادي قُدّماً إلى الأمام بدلاً من الاعتماد على الآخرين في تحقيق النمو الاقتصادي، حيث يوضح هذا التقرير لنا أن الأطفال جيدي التغذية سيحققون دخلاً أعلى بكثير عندما يكبرون." ويؤكد التقرير على أن سوء التغذية يكلف البلدان الفقيرة ما يصل إلى ثلاثة في المائة من إجمالي ناتجها المحلي سنوياً. ولما كانت اقتصادات الكثير من البلدان النامية تنمو بمعدل اثنين إلى ثلاثة في المائة سنويا، يقول هذا التقرير بأن من الممكن أن يؤدي تحسين أوضاع التغذية إلى مضاعفة هذا المعدل. وتضيف شيكار، " أعتقد أن التحدي الأكبر في الوقت الراهن يتمثل في إقناع أوساط الجهات المانحة بالالتفاف حول هذه القضية ـ ووضع مواردها وراءها، سواء الفنية أو المالية. وفي الوقت نفسه، هناك ضرورة لتكوين التزام فيما بين الجهات الشريكة مع الحكومات للاستثمار ليس فقط في التغذية ولكن أيضاً في الأنواع الصحيحة من المواد الغذائية. ويدعو هذا التقرير أوساط الجهات المانحة إلى تمويل صندوق للمنح بصورة مشتركة لتحفيز اتخاذ الإجراءات الضرورية من حيث بناء الالتزام والبحوث العملية، مما يكمّل المنحة التي قدمها البنك مؤخراً بمبلغ 3.6 مليون دولار أمريكي للمساعدة في جعل التغذية جزءاً لا يتجزأ من برامج صحة الأم والطفل. وفي الوقت ذاته، من الضروري توفير قدر كبير من الموارد التمويلية لصالح البلدان النامية من خلال قنوات التمويل القائمة لتوسيع نطاق الإجراءات اللازمة للوقاية من سوء التغذية لدى الأطفال. |