6 أبريل/نيسان 2006 يُعد التحصين باللقاحات واحداً من أنجح برامج الصحة العامة في أنحاء العالم، إذ يصل إلى 75 في المائة من إجمالي عدد الأطفال الذين يولدون سنوياً والبالغ عددهم 130 مليوناً.
ولكن وفقاً لآمي باتسون، وهي أخصائية رعاية صحية أولى في البنك الدولي، فإن 30 مليون رضيع، معظمهم في العالم النامي، لا يتم تحصينهم سنوياً.
وقد تسببت الحصبة، التي تم استئصالها فعلياً في الغرب، وحدها في وفاة ما يزيد على 348000 شخص في أفريقيا جنوب الصحراء و239000 شخص في جنوب آسيا في سنة 2001، طبقاً للطبعة الثانية من "أولويات مكافحة الأمراض في البلدان النامية".وهذا المجلد هو مشروع مشترك بين البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية ومركز فوغارتي الدولي التابع للمعاهد الصحية الوطنية الأمريكية، وقد تم تمويله من خلال منحة مقدمة من مؤسسة بيل وميلندا غيتس.
"يكمن التحدي الذي يواجهنا في ضرورة تحصين مجموعة جديدة من الأطفال في كل سنة. وعلينا في كل سنة، أن نحافظ على نفس المستوى من الجودة الذي حققناه في العام السابق، على أقل تقدير. وما لم يكن هذا النظام يؤدي عمله جيداً، فسيكون هؤلاء الأطفال عرضة للمخاطر" وذلك وفقاً لآمي باتسون، وهي أخصائية رعاية صحية أولى في البنك الدولي،.
ووفقاً للبيانات التي أوردها هذا الكتاب، فإن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء تسجل 58 في المائة من الوفيات بسبب السعال الديكي، و41 في المائة من وفيات التيتانوس، و 59 في المائة من وفيات الحصبة، و80 في المائة من وفيات الحمى الصفراء على مستوى العالم.
وتشكل الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، والتي مازالت قائمة في أفقر بلدان العالم، واحدة من مجموعة واسعة النطاق من الشواغل الصحية التي تتناولها هذه المطبوعة وكتابان مرافقان لها – هما " العبء العالمي للمرض وعوامل المخاطر"، و"الأولويات في مجال الصحة" (وتتوفر جميعاً في سبع لغات).وقد صدرت هذه الكتب الثلاثة خلال الشهر الحالي في بيجين بالصين.
ويقول أخصائيو الرعاية الصحية في البنك الدولي إن هناك تحديات عديدة تواجه محاولة توسيع نطاق تغطية التحصينات في البلدان النامية.فالعديد من البلدان يعتمد بشدة على المنح لتمويل برامج التحصين بها.أضف إلى ذلك صغر حجم ميزانيات تلك البلدان الخاصة بالصحة، كما أن بها مناطق يصعب الوصول إليها.من جهة أخرى، فإن اللقاحات الجديدة التي يمكن أن تمنع حدوث ما يزيد على مليون وفاة بسبب الأمراض التنفسية الحادة والإسهال ستشكل عبئاً إضافياً كبيراً على ميزانيات البلدان النامية.
اللقاح لا يصل إلى الجميع
وتشدد هذه الإحصائيات على مشكلة أخرى، وهيأن اللقاحات لا تصل إلى جميع الأطفال في البلدان النامية.
فعلى حد تعبير باتسون، التي تقود الفريق المعني بالتحصين في البنك الدولي، فإنه بينما تصل التحصينات إلى ما يبلغ في المتوسط 75 في المائة في أنحاء العالم، فإنها قد لا تصل إلا إلى 10 إلى 20 في المائة فقط من السكان في بعض المقاطعات أو المناطق.
وفي بعض الأماكن، حدث نكوص عن المكاسب التي تحققت فيما سبق. ففي كينيا، على سبيل المثال، يتناقص عدد الأطفال الذين يجري تحصينهم.وتبين إحصائيات الحكومة الكينية أن ما يزيد قليلاً على 59 في المائة من الأطفال قد تم تحصينهم بالكامل في سنة 2003 – ويقل ذلك عن النسبة التي بلغت 79 في المائة في سنة 1993. ويقول الدكتور تاتو كاماو، مدير برنامج التحصينات الموسع بالحكومة الكينية إن عدد الذين تم تحصينهم ضد الحصبة قد انخفض إلى 51 في المائة في سنة 1998، قبل أن يرتفع ثانية إلى 68 في المائة في سنة 2005.
ويضيف كاماو قائلاً بأن سبب الانخفاض في التغطية يعود جزئياً إلى أن برنامج التحصينات في كينيا كان معتمداً بشدة على الجهات المانحة، مع وجود مساندة ضئيلة لتدعيمه من الحكومة.وكانت اللقاحات قد نفدت من البلاد في سنة 2000 حينما تراجع حجم المساندة التي تتيحها الجهات المانحة الرئيسية فجأة.
وحتى حين كان اللقاح متوفراً، فقد عانى هذا البرنامج من نقص العاملين والتجهيزات اللازمة لتوزيعه بفعالية، مما قلل إمكانية حصول الناس على التحصينات.وبالإضافة إلى ذلك، لم يتمكن العديد من المرافق الصحية والآباء من تحمل تكلفة الإبر والمحاقن اللازمة للتحصينات.
ويقول كاماو "إن توثيق بيانات برامج التحصينات كان ضعيفاً أيضاً، بحيث إنه حتى نسبة التحصينات المخفضة التي تمت لم يتم توثيقها بالكامل".
وحدث تحول في الموقف في سنة 2001 بفضل تدفق التمويل.فوفقاً لما يقوله كاماو، فإن برنامج التحصينات يمكنه الآن أن يمول أربعة من بين خمسة لقاحات، وكذلك التجهيزات اللازمة لإدارة اللقاحات.كما ارتفعت نسب التغطية بلقاح الحصبة لتصل إلى 68 في المائة في سنة 2005.
وجاء هذا التمويل من التحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI)، الذي يشمل شركاؤه: حكومات من البلدان النامية والصناعية، والبنك الدولي، واليونيسيف، ومؤسسة بيل وميلندا غيتس، ومنظمات غير حكومية، وشركات صناعة اللقاحات.
وقد ارتبط التحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI) بتقديم مبلغ 1.4 بليون دولار أمريكي لبرامج التحصين في البلدان النامية بين سنة 2000 و 2005، حيث خُصص مبلغ مجموعه 79 مليون دولار أمريكي لكينيا وحدها.
أنظمة صحية ضعيفة
تقول باتسون إن إحدى أكبر المشكلات في البلدان النامية هي ضعف الأنظمة المالية وأنظمة تقديم خدمات الرعاية في القطاع الصحي.
وتستطرد باتسون قائلة، "يلزم ـ لضمان فعالية أي برنامج تحصينات ـ أن يكون هناك نظام صحي يقوم بوظيفته على الوجه الصحيح، وأن يحظى بعاملين مدربين ومتحمسين. وإذا لم تكن الأنظمة تؤدي عملها كما ينبغي، فإن أقساماً كبيرة من السكان لن تتلقي اللقاحات أو الإجراءات التدخلية الصحية الأخرى البالغة الأهمية."
وتضيف باتسو، "إن الميزانيات الصحية للبلدان النامية محدودة".فالبلدان الأفريقية المنخفضة الدخل تنفق في المتوسط ما يقل عن 10 دولارات أمريكية على الصحة بنسبة الفرد، كما أن بعض الحكومات، مثل حكومة إثيوبيا، تنفق مبلغاً ضئيلاً يصل إلى 3 دولارات أمريكية.
ويجب أن تغطي الميزانيات الصحية المحدودة مجموعة متنوعة من الخدمات والسلع البالغة الأهمية، تتراوح من أولويات الصحة العامة مثل التحصينات ومكافحة الملاريا، إلى توفير الرعاية للمصابين بالأمراض الحادة في المستشفيات.وتقول باتسون إن شراكات، من قبيل التحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI)، تتطلع إلى البنك الدولي للمساعدة بشأن كيفية تحسين مساندة النظام الصحي الأوسع نطاقاً، وذلك بالعمل في إطار العمليات الوطنية لوضع الميزانيات والتخطيط.
وتضيف قائلة، "يكمن التحدي الذي يواجهنا في ضرورة تحصين مجموعة جديدة من الأطفال في كل سنة. وعلينا في كل سنة، أن نحافظ على نفس المستوى من الجودة الذي حققناه في العام السابق، على أقل تقدير.وما لم يكن هذا النظام يؤدي عمله جيداً، فسيكون هؤلاء الأطفال عرضة للمخاطر".
صفقة صحية
تقول لوغان برنزل، أخصائية أولى في مجال الرعاية الصحية في البنك الدولي والمؤلف الرئيسي لفصل الأمراض التي يمكن منعها بالتحصينات في "أولويات مكافحة الأمراض في البلدان النامية"، الطبعة الثانية، إن تحصين طفل تحصيناً كاملاً يتكلف مبلغ 17 دولاراً أمريكياً في المتوسط – مما يجعل حزمة التحصينات التقليدية بالفعل إحدى أفضل ما يمكن شراؤه اليوم.
ولكن، قد يكون من العسير تحمل تكلفة اللقاحات الأحدث والأكثر تعقيداً.وفي هذا الشأن، تقول برنزل إن اللقاحات التي تقي من أمراض فيروس روتا (الإسهال الحاد) وأمراض المكورات الرئوية (الالتهاب التنفسي الحاد)، أو إنفلونزا الطيور، أو فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز (أمامها وفقاً لباتسون عشر سنوات على الأقل لكي تتوفر)، ستكون أكثر تكلفة من اللقاحات التقليدية (مثل الحصبة وشلل الأطفال والتيتانوس).
مضيفة "إن التكلفة هي عامل مهم دائماً".ومن المرجح أن المجتمع العالمي سيقدم أموالاً لمساندة اللقاحات الجديدة ذات الأولوية خلال السنوات الخمس أو العشر الأولى من استعمالها.ولكن بمجرد نفاد الأموال، سيتعين على ميزانيات البلدان أن تستوعب تلك التكاليف الإضافية، وذلك على حد تعبير برنزل.
وتقول "أمام البلدان بالفعل مهمة عسيرة، تتمثل في إيجاد موارد كافية لتمويل جميع الأولويات الصحية.فكيف يمكن تخصيص الأموال بين أولويات مكافحة أمراض من قبيل الملاريا، وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، والحصبة، والالتهاب الرئوي، ناهيك عن الرعاية في المستشفيات؟"
وتقول إن فيروساً سريع الانتشار مثل إنفلونزا الطيور، مع ذلك، قد يخلق دواعي قلق بشأن التكلفة.
"ومن منظور عالمي – ومن اجل المصلحة العامة العالمية – فمن الحصافة أن تتضافر جهود العالم لإيجاد الموارد اللازمة للتعامل مع مشكلة كبرى مثل إنفلونزا الطيور.وإذا كنا محظوظين بما فيه الكفاية بحيث يكون لدينا لقاح فعال، فإن مساندة الجهات المانحة للتحصينات ستشكل جزءاً كبيراً منه."