Click here for search results
Online Media Briefing Cntr
Embargoed news for accredited journalists only.
Login / Register

التحدي المتعلق بفن إدارة الاقتصاد في الدولة

Available in: 中文, Deutsch, English, Español, Português, 日本語, Français, русский

"التحدي المتعلق بفن إدارة الاقتصاد في الدولة"

روبرت ب. زوليك
رئيس مجموعة البنك الدولي
مركز التنمية العالمية، واشنطن العاصمة
2 أبريل/نيسان 2008


في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد مضي فترة قصيرة على انضمامي إلى مجموعة البنك الدولي، اقترحت رؤية تكون نبراساً نهتدي بها في عملنا: وهي المساعدة في إقامة عولمة مستدامة لا تستثني أحداً ـ حتى يمكن التغلُّب على الفقر، وتعزيز النمو مع العناية بالبيئة، وخلق مستقبلٍ مفعمٍ بالأمل وزاخر بالفرص أمام الأفراد.

 وفي الشهر التالي، توجهت إلى جنوب أفريقيا لحضور اجتماع لمجموعة العشرين (G-20) جرى عقده بالقرب من مدينة كيب تاون، وكان عبارة عن تجمع لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من بلدان متقدمة وبلدان نامية، وترأسه في هذه المناسبة وزير المالية القدير لجمهورية جنوب أفريقيا السيد/ تريفور مانويل.

 وخلال المناقشات الرسمية التي شهدها هذا الاجتماع، بدأ بعض المشاركين، في سياق استعراض الاضطرابات التي شهدتها الأسواق المالية في فصل الصيف، في التكهن بسلسلة من الأحداث التي ستهز أركان أسواق العالم في الأشهر التالية؛ وكان التبادل غير الرسمي للآراء أثناء استراحات تناول القهوة، كشأنه مراراً، مليئاً بالتحذيرات والتساؤلات حول المخاطر المحدقة.

 ولم يطل الأمر كثيراً إذ حملت الأشهر التالية في ثناياها إدراكاً للخسائر الجسيمة التي حلت بقيم المساكن والرهونات العقارية، وخسائر الائتمان، وتعرض كبار مسؤولين تنفيذيين لفقدان وظائفهم. وازداد إدراكنا لفداحة الخسائر التي وقعت مع سعي كبار المسؤولين التنفيذيين الجدد إلى إصلاح المراكز المالية لشركاتهم، والصدمة التي تعرضت لها شركات تأمين القروض العقارية (monoline insurers) وآثار تلك الصدمة على السندات المضمونة برهونات عقارية، وتفاقم مشاعر القلق والتوجس إزاء الأطراف الأخرى بالأسواق، وأخيراً عمليات إعادة الرسملة والاستحواذ. وقد شهدنا، في الآونة الأخيرة، تعرض المراكز المالية لبنوك تجارية لضربات موجعة ـ وهي بنوك لم تكن مضطرة على الفور إلى تحديد مركزها المالي وفقاً لأسعار السوق الحالية. وسرعان ما نضبت السيولة قصيرة الأجل في ظل اشتداد حدة الجفاف الذي أصاب مصادر التمويل والمعلومات. وشعرت جهات التمويل التي تقوم بتعبئة الموارد من الأسواق بمختلف فئاتها التي تشمل: بنوك الاستثمار، وصناديق الاستثمار الخاص في أسهم رأس المال، وصناديق التحوط، وحتى الأوراق التجارية التي تصدرها الشركات ـ بظمأ شديد للسيولة. وبينما حافظت المؤسسات المالية المتعطشة للسيولة على مواردها، أخذ نموذج التوريق الخاص بالتدفقات النقدية متعددة الطبقات وخسائر القروض الثانوية والتعزيزات الائتمانية في الانكماش، تاركاً أطراف القروض الأصلية (منشئ سندات الدين) في وضع لا يحسدون عليه.

 ورأينا بأم أعيننا الوجه الإنساني لهؤلاء الذين يكافحون للتكيف مع هذه القوى المجردة.

 وكان من حسن طالع الولايات المتحدة أن بها أمناء ماليين يتحلون بالطابع العملي السديد والعزم الأكيد ـ في أوقات عصيبة كهذه، أمثال: هانك بولسون وزير الخزانة، وبن برنانكه رئيس مجلس الاحتياطي الأمريكي، وتيم جيثنر رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وثمة تواصل وثيق ومستمر كذلك فيما بين وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم في هذا الصدد.

 ويتمثل جانب من التحدي الذي يواجه هؤلاء ـ ونحن معهم ـ في فهم الآثار الناجمة عن هذه الاضطرابات المالية على ما يُسمى بالاقتصاد "الحقيقي" ـ أي على معدلات النمو، وفرص العمل، والأسعار، والرواتب والأجور، والأرباح، والتجارة، والمساكن، ومنشآت الأعمال ـ وعلى حياة الأفراد والأسر. علاوة على ذلك، فإن تدهور الأوضاع المالية جاء مقترناً بتغيرين آخرين، هما: ارتفاع أسعار منتجات الطاقة والسلع الأولية على مستوى العالم، والتراجع في كبح الأسعار الذي نشأ على مدار السنوات العشر الأخيرة نتيجة لدخول مئات الملايين من العمالة الجديدة من البلدان النامية إلى قوة العمل على مستوى العالم. ونعرف أن آثار هذه الانعكاسات على الاقتصاد الكلي ليست بالجيدة، لكن نطاق هذا التأثير وشكله بدقة مازالا غير واضحي المعالم.

 والواقع أن السؤال المتعلق بوقع هذه الآثار على الاقتصاد العالمي "الحقيقي" هو ما يربط بين الاضطرابات المالية الشديدة التي نشهدها اليوم وعملنا المتعلق بإقامة عولمة وتنمية مستدامتين ولا تستثنيان أحداً، وأثر ذلك على الأشخاص الساعين إلى تحسين مستوى معيشتهم.

 إن الفرق الملحوظ بين هذه الفترة من الاضطرابات المالية وتلك التي وقعت في الماضي يكمن في أداء البلدان المتقدمة والبلدان النامية. ففي ندوة في شهر أغسطس/آب الماضي، أشار أحد المسؤولين المكسيكيين متهكماً إلى أن بلاده لا تتحمل مسؤولية هذه الاضطرابات في هذه المرة. وفي واقع الأمر سيتعين على الولايات المتحدة أن تستقي دروساً من هذه الأزمة بشأن أهمية الدور الذي تلعبه الأنظمة المالية والإشراف المالي في سوق دائمة التغيّر، حتى وهي تعمل مع غيرها على معالجة الأضرار التي وقعت وإعادة البناء.

إن مركز هذا الزلزال المالي لم يغير مكانه فحسب، ولكن قوة توابعه قد تفاوتت حتى الآن من سوق إلى أخري. حيث اتسعت فروق أسعار الفائدة على الاقتراض التي كانت ضيقة في السابق بعض الشيء بالنسبة لديون الأسواق الناشئة، لكنها مازالت معتدلة مقارنة بمعظم الأدوات والمنتجات الائتمانية الأخرى المتاحة. وبطبيعة الحال، فإن الأسواق المالية في البلدان النامية لن تكون بمعزل عن هذه التغيرات؛ فأسعار الصرف تمر حالياً بتقلبات حادة، كما أن أسعار الأسهم في الأسواق الناشئة قد عانت من جراء ذلك، أضف إلى ذلك أن فروق أسعار الفائدة على الديون غير الحكومية قد ازدادت زيادة كبيرة بما يتفق مع الأدوات المناظرة في أماكن أخرى.

وأهمّ من ذلك كله، أن هناك شيئاً ما يختلف هذه المرة اختلافاً واضحاً بشأن هذا التباطؤ: وهو أن الصين والهند وغيرهما من القوى الاقتصادية الصاعدة الأخرى تتيح أقطاب نمو بديلة للاقتصاد العالمي. ولا يشكل ذلك "انفصالاً" بالنظر إلى أن العلاقات المتشابكة للعولمة ستنقل الآثار الناجمة عن المشاكل المالية والتباطؤ الاقتصادي في بلدان العالم المتقدمة إلى مناطق أخرى؛ ولكنه يمثل بالأحرى تنوعاً إيجابياً في مصادر النمو. فأكثر من نصف النمو في الطلب العالمي على الواردات ينشأ حالياً في بلدان العالم النامية، ويتيح ذلك فرصاً تصديرية أمام اقتصادات البلدان النامية والمتقدمة على حد سواء. كما يشكل إعادة توازن ـ وليس انفصالاً ـ من شأنها مساندة إقامة العولمة المستدامة التي لا تستثني أحداً. ومثلما يُعتبر التنويع مفيداً بالنسبة لأية حافظة استثمار، فإنه يكتسي نفس القدر من الأهمية بالنسبة لمصادر النمو في الاقتصاد العالمي.

 وثمة تحد يتعلق بفن إدارة الاقتصاد في الدولة في أوقات كهذه، ويتمثل في: أن ندرك أن المشهد الحالي آخذ في التغير، بينما تمر الأحداث متسارعة، حتى يمكننا معالجة الاحتياجات الملحّة، بينما نقوم أيضاً بغرس بذور قد تتحول ذات يوم إلى منتجات خشبية داعمة نستخدمها في بناء المستقبل.
واليوم، علينا أن نواجه الأخطار المباشرة في الوقت الذي نقوم فيه أيضاً بإقامة عولمة مستدامة لا تستثني أحداً ـ عولمة ستعمل على إتاحة مزيد من مصادر النمو والابتكار من أجل المستقبل، وتعزيز التعاون المتعدد الأطراف لمواجهة الصدمات والتقلبات، وتعظيم الاستفادة من الفرص والأمل للجميع.

 ولذلك، فإنني سأسلط الضوء على أربعة احتياجات مباشرة تتيح أيضاً فرصاً على الأمد الأطول، وسأشير إلى بعض الإجراءات الواجب اتخاذها لكل منها.


ارتفاع أسعار المواد الغذائية:التوصل إلى اتفاق جديد من أجل السياسات الغذائية على مستوى العالم
 مع تردي أوضاع الأسواق المالية، ارتفعت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً كبيراً، حيث قفزت أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية بواقع 80 في المائة منذ عام 2005. وخلال الشهر الماضي، بلغ السعر الحقيقي للأرز أعلى مستوى له خلال 19 عاماً؛ كما ارتفع السعر الحقيقي للقمح كذلك إلى أعلى مستوى له خلال 28 عاماً، وتضاعف تقريباً مقارنة بمتوسط سعره خلال السنوات الخمسة والعشرين الماضية.
 
 وبينما تشكل تلك الزيادة أخباراً سارة لبعض المزارعين، فإنها تلقي أعباءً ثقالاً على كاهل معظم الفئات الضعيفة والمعرضة للمعاناة ـ حتى أن أطفالاً في عمر أربعة أو خمسة أعوام اضطروا إلى الفرار من الأمان الذي توفره لهم مجتمعاتهم المحلية في المناطق الريفية إلى مدن تعج بالسكان للحصول على الطعام؛ وتهدد أعمال الشغب بسبب نقص المواد الغذائية بتعرض المجتمعات للتفكك والانهيار؛ كما تؤدي إلى حرمان الأمهات من التغذية اللازمة لنمو صغارهن نمواً سليماً. وتشير تقديرات مجموعة البنك الدولي إلى أن 33 بلداً في جميع أنحاء العالم تواجه احتمال تفجر قلاقل اجتماعية نتيجة للارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية ومنتجات الطاقة. وبالنسبة لهذه البلدان حيث تشكل المواد الغذائية 50-75 في المائة من حجم الاستهلاك، لم يعد هناك هامش للبقاء على قيد الحياة.
 
 ويشير الواقع الديمغرافي، وتغير الأنظمة الغذائية، وأسعار منتجات الطاقة والوقود الحيوي، وتغيّر المناخ إلى أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية ـ ـ وتقلبها ـ ـ هو حقيقة باقية لسنوات عديدة قادمة.

إننا في حاجة إلى التوصل إلى اتفاق جديد بخصوص السياسات الغذائية على مستوى العالم. وينبغي أن يركز هذا الاتفاق الجديد ليس فقط على قضايا الجوع وسوء التغذية والحصول على المواد الغذائية وسلاسل التوريد ذات الصلة، ولكن أيضاً على العلاقات المتشابكة مع منتجات الطاقة، والمحاصيل، وتغير المناخ، والاستثمار، وتهميش النساء وفئات أخرى، وقدرة الاقتصادات على الصمود والنمو. وينبغي أن تحظى السياسات الغذائية باهتمام المستويات السياسية العليا إذ لا يستطيع أي بلد ـ أو أية مجموعة بلدان ـ أن يتصدى لتلك التحديات المتشابكة بمفرده.
 
وينبغي علينا أن نبدأ بمساعدة من هم في أمسّ الحاجة للمساعدة. فبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة يتطلب ـ على الأقل ـ ما قيمته 500 مليون دولار أمريكي من الإمدادات الغذائية الإضافية لتلبية الاحتياجات الطارئة في الوقت الراهن. ويتعين على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وغيرهم من البلدان الأخرى الأعضاء بمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) أن تتخذ ما يلزم من إجراءات الآن لسد هذه الفجوة ـ وإلا سيتعرض مزيد من الناس للمعاناة ومكابدة الجوع.

لقد أدى الارتفاع الصاروخي في أسعار المواد الغذائية إلى زيادة الاهتمام بالتحدي الأكبر المتعلق بالقضاء على الجوع وسوء التغذية، ذلك الهدف الإنمائي للألفية للأمم المتحدة الذي سقط "في غياهب النسيان".

وبرغم أن مكافحة الجوع وسوء التغذية يأتيان في إطار الهدف الأول من الأهداف الإنمائية للألفية، ويتجاوزا مجرد تقديم المعونات الغذائية التقليدية، فإنهما لم يحصلا إلا على 10 في المائة فقط من الموارد الموجهة بصورة مناسبة إلى جهود مكافحة فيروس ومرض الإيدز، وهو أحد الأمراض الفتاكة الأخرى. بيد أن لسوء التغذية آثاراً "مضاعفة" أكثر حدةّ وأشدّ فتكاً: فهو أكثر عوامل الخطر وطأة على حياة الأطفال دون سن الخامسة، والسبب الأساسي لوفاة ما يقدر بنحو 3.5 مليون طفل سنوياً في هذه الشريحة العمرية. أضف إلى ذلك أن أكثر من 20 في المائة من حالات الوفاة النفاسية تُعزى إلى سوء التغذية. فهو يؤدي إلى إضعاف مقاومة الجسم ومناعته ضد الأمراض. وقد أظهرت بحوث أجريت في غواتيمالا أن الأولاد الذين حصلوا على مكملات غذائية خلال العامين الأولين من حياتهم يحققون دخلاً يزيد في المتوسط بواقع 46 في المائة عندما يكبرون مقارنة بنظرائهم الذين لم يحصلوا على تلك المكملات. ومن المُحزن أنه عندما تقلص العائلات الفقيرة من استهلاكها، فإن الفتيات الصغيرات هن أول الخاسرات. من هنا، فإن الجوع وسوء التغذية يشكلان سبباً للفقر، وليس نتيجة له.

ويتطلب هذا الاتفاق الجديد تقوية أنظمة تقديم الإمدادات والخدمات بهدف التغلب على التجزؤ الذي يعتري سياسات الأمن الغذائي، وأنظمة الرعاية الصحية، والزراعة، وإمدادات المياه والصرف الصحي، ومرافق البنية الأساسية الريفية، بالإضافة إلى السياسات المراعية للمساواة بين الجنسين.

ويجب أن يكون أي تحول من تقديم المعونة الغذائية التقليدية إلى مفهوم أوسع نطاقاً للمساعدات الخاصة بالأغذية والتغذية جزءاً لا يتجزأ من هذا الاتفاق الجديد. وفي حالات كثيرة، فإن تقديم مساعدات نقدية أو قسائم، بدلاً من دعم السلع الأساسية، يُعتبر حلاً مناسباً، وبوسعه تمكين استخدام المساعدات في بناء أسواق للمواد الغذائية وقدرات للإنتاج الزراعي على الصعيد المحلي. وعندما تكون هناك حاجة للسلع الأساسية، فإن الشراء من المزارعين المحليين يمكن أن يؤدي إلى تقوية المجتمعات المحلية. كما يمكن استخدام هذه الأموال في شراء المغذيات الدقيقة بما يتلاءم مع احتياجات كل منطقة. فالبرامج المدرسية التي تقدم وجبات الغداء تجتذب الأطفال إلى الفصول الدراسية، وهي بذلك تساعد في تنشئة أطفال أصحاء وتساعدهم في الوقت نفسه على التحصيل الدراسي والتعلم، كما يتيح بعضها كذلك قدراً من التغذية إلى الآباء.

ويمكن لمجموعة البنك الدولي أن تمد يد العون من خلال دعم التدابير الطارئة التي تساند الفقراء بينما تشجع الحوافز على إنتاج المواد الغذائية وتسويقها في سياق التنمية المستدامة. ولدى بلدان متنوعة ـ كبوتان والبرازيل ومدغشقر والمغرب ـ برامج تغذية من أجل فئات السكان الضعيفة والمعرضة للمعاناة. وتستخدم موزامبيق وكمبوديا وبنغلادش برامج أشغال عامة مختارة محلياً مقابل تقديم المواد الغذائية ـ من قبيل تعبيد الطرق، وحفر الآبار، وتشييد المدارس، وسبل الحماية ضد الكوارث الطبيعية، والحفاظ على الغابات. في حين تتيح بلدان مثل الصين ومصر وإثيوبيا والمكسيك تحويلات نقدية مشروطة باتخاذ خطوات مساعدة ذاتية ـ كإرسال الأطفال إلى المدارس أو خضوعهم لفحوصات الصحة الوقائية. كما يتعين على البلدان وضع حدٍ للحواجز الحدودية الخطرة التي تعترض سبيل التجارة في المواد الغذائية وتُعرض البلدان المجاورة التي تمسّ فيها الحاجة إلى تلك المواد إلى مخاطر أكبر، وتؤدي إلى خنق الإشارات المحفزة لزيادة الإنتاج.

وسنعمل مع البلدان المعنية، وبخاصة في أفريقيا، والمؤسسات الشريكة، لاغتنام تلك الفرصة التي يتيحها ارتفاع الطلب على المواد الغذائية. وفي هذا الصدد، فإن مطبوعة البنك الدولي الصادرة بعنوان "تقرير عن التنمية في العالم 2008: الزراعة من أجل التنمية" تحدد معالم الطريق الذي يجب أن نسلكه. ونستطيع المساعدة في خلق "ثورة خضراء" من أجل أفريقيا جنوب الصحراء عن طريق مساعدة بلدانها على تعزيز مستويات الإنتاجية عبر سلاسل القيم الزراعية، ومساعدة المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة على الفكاك من حلقة الفقر. وسنعمل على مضاعفة ما نتيح من قروض من أجل الزراعة في أفريقيا تقريباً، وذلك من 450 مليون دولار أمريكي إلى 800 مليون دولار أمريكي، كما يمكننا أيضاً مساعدة البلدان والمزارعين على إدارة المخاطر النظامية، بما في ذلك عن طريق تدابير مالية مبتكرة لمجابهة تقلبات الأحوال المناخية كالجفاف. ويمكننا كذلك توفير سبل الوصول إلى التكنولوجيا والعلوم بغرض تعزيز إنتاجية المحاصيل الزراعية.

وستعمل مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وهي ذراع مجموعة البنك الدولي المعني بالتعامل مع القطاع الخاص، على توسيع نطاق الاستثمارات والمساندة الاستشارية إلى الأعمال التجارية الزراعية في أفريقيا وغيرها من مناطق العالم، وذلك من خلال العمل مع البنك في مجالات: تسجيل ملكية الأراضي وإنتاجيتها، والتمويل بالعملات المحلية، ورؤوس الأموال العاملة، والتوزيع والدعم اللوجيستي، وتقديم المساندة إلى خدمات الوساطة التي يجب أن يعتمد عليها المزارعون.

وحتى تُتكلل جهودنا بالنجاح، سيتعين علينا إدماج واستقطاب مجموعة متنوعة من الشركاء ـ تضم: منظمة الأغذية والزراعة، وبرنامج الغذاء العالمي، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية(IFAD) ؛ وبنوك التنمية المتعددة الأطراف الأخرى؛ والمانحين من القطاع الخاص، مثل مؤسسة غيتس؛ ومؤسسات البحوث الزراعية؛ والبلدان النامية التي تتمتع بخبرات وتجارب زراعية كبيرة مثل البرازيل؛ والأهم من كل ذلك القطاع الخاص.

وسيساهم التوصل إلى اتفاق جديد من أجل السياسات الغذائية على مستوى العالم في تحقيق التنمية المستدامة التي لا تستثني أحداً. وسيعود ذلك بالنفع على سائر بلدان العالم بغض النظر عن تصنيفاتها. فقوة مكاسب الدخل المتحققة من قطاع الزراعة تزيد بواقع ثلاثة أمثال في جهود التغلب على الفقر مقارنة بالزيادة التي تشهدها القطاعات غير الزراعية، كما أن 75 في المائة من الفقراء في العالم يعيشون في مناطق ريفية، ويشارك معظمهم في أعمال الزراعة. وتنخرط جميع الريفيات تقريباً اللائي ينشطن في اقتصادات البلدان النامية في أعمال الزراعة. ويمكن للمرأة، في حال توافر المساندة والدعم الملائمين، أن تغتنم الفرص التي يتيحها ارتفاع الطلب العالمي على المواد الغذائية.


التوصل إلى اتفاق بشأن التجارة العالمية الآن وإلا فات الأوان
تمسّ حاجة الفقراء حالياً إلى تخفيض أسعار المواد الغذائية، إلا أن نظام التجارة العالمية في المنتجات الزراعية مازال عالقاً في شرك الماضي. وإذا ما كان هناك وقت مناسب لتخفيض الدعومات المالية المقدمة لقطاع الزراعة التي تشوّه التجارة وفتح الأسواق أمام الواردات الغذائية، فلابد أن يكون الآن. فإذا لم يكن الآن، فمتى يكون؟

 إن إقامة نظام تجاري عالمي أكثر إنصافاً وانفتاحاً في مجال المنتجات الزراعية ستتيح مزيداً من الفرص ـ والثقة ـ للأفارقة وغيرهم من المزارعين في البلدان النامية لزيادة الإنتاج. ويمكن لمجموعة البنك أن تساعد البلدان النامية على استغلال هذه الإمكانات من خلال توسيع القدرات أمام التجارة، وإزالة الحواجز التي تعوق الوصول إلى الأسواق، والمساعدة من خلال تمويل التجارة. ويمكن لدافعي الضرائب (الممولين) والحكومات توفير تكاليف الدعومات، مما يؤدي بدوره إلى تحسين أوضاع المالية العامة.

 والحل هنا يكمن في تجاوز الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات الخاصة بجدول أعمال الدوحة للتنمية في عام 2008. ويتطلع المدير العام لمنظمة التجارة العالمية (WTO)، باسكال لامي، إلى عقد اجتماع لوزراء التجارة في الأسابيع المقبلة. فهذه اللحظة ولا شك هي لحظة الحسم واتخاذ القرارات بالنسبة لجولة الدوحة. ويعمل باسكال لامي بصبر وثبات مع رؤساء لجان المجموعات المفاوضة التابعة لمنظمة التجارة العالمية على تضييق الخلافات. وثمة اتفاق جيد على مائدة المفاوضات قيد البحث. ولذلك، علينا التوصل إلى اتفاق الآن وإلا فات الأوان.

ولا شك أن التوصل إلى هكذا اتفاق يشكل نتيجة طموحة: إذ إن خفض التعريفات الجمركية على كل من السلع الزراعية والسلع المصنعة سيتم عن طريق تطبيق صيغ تؤدي إلى إحداث خفض كبير أكثر بدلاً من تطبيق نسب مئوية مباشرة؛ كما سيتم تخفيض الدعومات الزراعية الأكثر ارتفاعاً بصورة أكثر عمقاً.

 ويكمن التحدي الحقيقي الآن في تحقيق الموازنة بين التخفيضات العميقة والتصاعدية في التعريفات الجمركية و"المرونات" التي تتيح استثناءات. إذ ينبغي ألا تبتلع تلك الاستثناءات التخفيضات التي يتم إجراؤها؛ وحيثما أمكن، ينبغي أن تظل المرونات ـ التي تتضمنها قواعد منظمة التجارة العالمية ـ تتيح آفاقاً لتوسيع نطاق التجارة مع نمو الاقتصادات.

 وقد أوحى البعض أن البلدان النامية ستحقق مكاسب في قطاع الزراعة في الوقت الذي تتخلى فيه عن حماية السلع المصنعة. إلا أن هذا أمر مضلل. فلو نظرنا إلى ارتفاع مستويات التصنيع في البلدان النامية وتزايد استخدام المصادر العالمية، فإن اقتصادات البلدان النامية والبلدان المتقدمة على حد سواء ستحقق مكاسب من تقليص الحواجز أمام السلع. وينبغي أن يؤدي هذا الاتفاق أيضاً إلى تعزيز أسواق الخدمات، التي باتت تشكل حصة متزايدة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وعوامل تسهيل لتحقيق التنمية وتطوير مقومات البنية الأساسية على الصعيد الوطني، وتكميل الإجراءات الرامية إلى تسهيل التجارة. ويمكن كذلك لهذا الاتفاق أن يوضح "القواعد" التي تعوق التجارة.

 وهذه المفاوضات ليست مسابقات عالمية للبُوكَر، يمسك فيها كل من الوزراء ببطاقاته بقوة، ويحوز الفائز كل شيء. بل إنها عبارة عن تمارين لحل قضايا شائكة ومعقدة. ويجب أن يعود جميع المشاركين إلى بلدانهم وقد حققوا مكاسب، وفي جعبتهم إيضاحات وتفسيرات للقيادة السياسية عما تم الاتفاق عليه.

 وينبغي على الزعماء السياسيين كذلك الدفع باتجاه تحقيق مكاسب "عامة". وسيسهم هذا الاتفاق في إقامة عولمة مستدامة لا تستثني أحداً: إذ سيتيح مزيداً من الفرص أمام البلدان النامية دون استثناء، الكبيرة والصغيرة، المتوسطة الدخل والأكثر فقراً، كي تصبح أكثر إنتاجية ولتخفيض الأسعار من خلال التجارة؛ وسيتحقق قدر أكبر من الإنصاف للجميع في الاقتصاد الدولي عن طريق تحديث نظام التجارة الدولية الذي ولد قبل نصف قرن. ومن شأن تحقيق اختراق في جولة الدوحة أن يرسخ الثقة في نظام اقتصادي واقع تحت ضغوط من جراء أوجه القلق التي تقضّ مضجع النظام المالي حالياً.

 إن لحظة الحسم واتخاذ القرارات هذه لا تتعلق فقط بجولة الدوحة؛ بل إنها تتعلق بنظام التجارة نفسه. وتنادي أصوات قوية من جميع الأطياف السياسية ـ بما في ذلك بلدي ـ بممارسة إجراءات حمائية وتقنينية. وترسل هذه النزعة الانعزالية في مجال الاقتصاد إشارات بالانهزامية التي لا تجلب من وراء العولمة سوى الخسارة.

 وفي عصر العولمة الذي نعيشه، فإن مصير مفاوضات الدوحة يتجاوز نطاق التجارة والعوامل الاقتصادية التقليدية. فمباحثات التجارة الجارية تشكل اختباراً حاسم الأهمية بالنسبة للتحدي الخاص بالتوصل إلى اتفاق عالمي بشأن تغيّر المناخ. كما أن العوامل الاقتصادية التي ترتكز عليها مباحثات التجارة هي عوامل لاقت قبولاً عاماً لسنوات عدة. وإذا لم يستطع مفاوضو 150 بلداً أن يديروا المفاضلات السياسية التي تنطوي عليها جولة الدوحة حتى يتمكنوا من جني مكاسب واضحة، فإن ذلك سيشكل نذير شؤم على عدم مقدرة البلدان المتقدمة والبلدان النامية على التوصل معاً إلى اتفاق جديد بشأن مكافحة تغيّر المناخ.


عكس اتجاه لعنة الموارد: إطلاق مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية 2 (EITI++)
 يتيح الارتفاع الحالي في أسعار منتجات الطاقة والمعادن، الذي يؤدي إلى تكبد البعض تكاليف باهظة، فرصاً هائلة أمام آخرين في البلدان النامية. وقد استخدمت بعض البلدان مواردها الطبيعية كمنطلق للتنمية، لكن هذا الكنز من الموارد يمكن أن يصبح لعنة بالنسبة لآخرين. فقد شهدت البلدان المتقدمة والبلدان النامية على حد سواء المخاطر المحدقة بهذه القطاعات: الاقتصادات "المزدوجة" التي تستبعد معظم مواطنيها؛ والفساد الناجم عن منح التراخيص وتفشي المحاباة والمحسوبية في إبرام الصفقات؛ وتقلب العائدات بما يُغْوِي المسؤولين ويضعف قدرة الموازنات والنمو على الاستمرار؛ وارتفاع سعر الصرف الحقيقي (Dutch disease) بسبب زيادة الصادرات من الموارد، مما يُلحق الضرر بالتجارة وفرص التوظيف في قطاعات الاقتصاد الأخرى الأوسع نطاقاً؛ و"ريع" الموارد الذي يزكي نيران الصراعات بين الفصائل الباحثة عن الثروات؛ والتكاليف البيئية الباهظة؛ بل وحتى الشعور بفقدان السيادة الوطنية نظراً لاستئثار قلة مميزة بالمنافع المتأتية من بيع "الإرث الوطني".

 وتوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، هو من أطلق مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية (EITI) في عام 2002، مع التزام القادة الأفارقة الأعضاء في "الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا (NEPAD)" بالانضواء تحتها لوائها. وتؤدي هذه المبادرة إلى تحسين نظام إدارة الحكم في البلدان الغنية بالموارد الطبيعية عن طريق الدعوة إلى نشر كامل المعلومات المتعلقة بمدفوعات الشركات وإيرادات الحكومات من أنشطة النفط والغاز والتعدين، والتحقق من صحتها. وقد تطورت هذه المبادرة إلى تحالف دولي يضم حكومات البلدان المعنية، ومجموعة البنك الدولي، وشركات النفط والغاز والتعدين، وهيئات الصناعة، والمستثمرين، ومنظمات المجتمع المدني مثل منظمة الشفافية الدولية، وأوكسفام، ومنظمة الشاهد العالمي. واليوم، هناك أربعة وعشرون بلداً يقومون بتطبيق مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية ـ سبعة عشرة منها تقع في أفريقيا جنوب الصحراء.

  غير أن شفافية الإيرادات ليست كافية بمفردها. وللمساعدة في ضمان ترجمة ارتفاع أسعار منتجات الطاقة وموارد التعدين إلى تحسينات في حياة الفقراء، فإننا سنعمل مع البلدان النامية المتعاملة معنا والشركاء الآخرين على توسيع نطاق مفاهيم الشفافية والحكم الرشيد في مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية في "المراحل الأولية" المتعلقة بعمليات الإنتاج و"المراحل اللاحقة" المتعلقة بإنفاق الإيرادات ـ بحيث يؤدي ذلك إلى صياغة مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية 2 (EITI++) كنهج شامل لتكملة المشروع الأصلي للمبادرة.

ونحن حالياً بصدد تحديد الخطوات اللازمة لمساعدة الصناعات الاستخراجية في المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة من خلال معالجة المخاطر على طول سلسلة القيم. ومن بين الأمور التي سندرجها في هذه المبادرة: إرساء العقود، ورصد ومتابعة العمليات، وتحصيل الضرائب، وتحسين القرارات المتعلقة باستخراج الموارد وإدارة الاقتصاد، وإدارة تقلبات الأسعار بشكل أفضل، بالإضافة إلى استثمار الإيرادات في التنمية المستدامة على نحو يتسم بالفعالية.

وللمضي قدماً في هذا الاتجاه في الوقت الراهن، فإننا نعكف على تصميم تسهيل للمساعدة في بناء قدرات الحكومات، من خلال تقديم مساعدات أكثر سرعة مقارنة بعمليات الإقراض التقليدية للبنك؛ وسنعمل على تطوير ونشر أفضل الممارسات والمعايير ومدونات السلوك، وسنقترح كذلك أطراً للمالية العامة وأطراً قانونية وتنظيمية. ونسعى حالياً إلى إقامة علاقات شراكة أكثر قوة في تطوير هذه الأفكار مع البلدان المتعاملة معنا، بالنظر إلى أن "الالتزام الوطني" بنهج المرحلة الثانية من المبادرة يكتسي أهمية بالغة في نجاحها. كما سنقوم بجمع لجنة استشارية من أصحاب المصلحة المباشرة لتقديم الإرشاد والتوجيه.

فعلى سبيل المثال، فإننا نعمل حالياً ـ بالتعاون والتنسيق مع البنك الأفريقي للتنمية، والاتحاد الأفريقي، والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، والاتحاد النقدي لغرب أفريقيا ـ على إطلاق مبادرة (EITI++) في غينيا. ومن شأن نجاح عملية التنمية في هذا البلد الغني بالموارد أن يعزز التنمية المستدامة للمنطقة بأسرها.

ويمكن لمبادرة (EITI++) أن تؤدي إلى النهوض بالعولمة المستدامة التي لا تستثنى أحداً من خلال توسيع قاعدة المستفيدين من تنمية الموارد. وستؤدي إجراءات الشفافية ومكافحة الفساد إلى تدعيم ثقة المواطنين في حكوماتهم، كونها مؤتمنة على المصلحة العامة. وستشكل مراعاة البيئة إضافة إلى النمو المستدام. ومن شأن الوصول الفعال إلى الموارد المعدنية وموارد الطاقة تلك في مختلف المراحل أن يدعم استدامة المكاسب الناشئة عن العولمة بالنسبة للآخرين.

 

"حل قائم على نسبة واحد في المائة" للاستثمار في أسهم رأس المال في أفريقيا
 نجحت اقتصادات الصين والهند والبرازيل الصاعدة، وغيرها، في تدعيم وموازنة الاقتصاد الدولي، وأتاحت بذلك أقطاباً جديدة للنمو. وتشكل تلك البلدان "أصحاب مصلحة مباشرة جدد" في العولمة. وستكون مجموعة البنك الدولي كذلك متأهبة لمد يد العون إلى هذه البلدان المتعاملة معها إذا ما اعترضت عاصفة الائتمان وموجة جفاف السيولة سبيلها.

ولدينا كذلك هدف إستراتيجي أكبر، وهو: أن علينا أن نُمكّن اقتصادات أفريقيا التي تشهد نمواً من أن تصبح قطباً تكميلياً للنمو على مدى 10-15 عاماً التالية.

ونعكف حالياً على صياغة "حل يقوم على نسبة واحد في المائة" بالنسبة للاستثمار في أسهم رأس المال في أفريقيا ليكون خطوة نحو تحقيق الهدف المبين أعلاه. وفي حين ينظر البعض إلى الصناديق السيادية بوصفها مصدراً للقلق والتوجس، فإننا نرى ـ على العكس ـ أنها تشكل فرصة متاحة يتحتم اغتنامها. وتشير التقديرات اليوم إلى أن حجم الأصول التي تحتفظ بها صناديق الثروات السيادية في حدود 3 تريليونات دولار أمريكي. وإذا ما استطاعت مجموعة البنك الدولي إقامة مناهج استثمار في أسهم رأس المال ووضع معايير استرشادية في هذا الشأن بغرض استقطاب هؤلاء المستثمرين، فإن تخصيص ولو نسبة واحد في المائة من أصول هذه الاستثمارات سيستدر 30 بليون دولار أمريكي لصالح النمو والتنمية وإتاحة الفرص في أفريقيا. ويمكن أن تكون نسبة الواحد في المائة تلك البداية لأشياء أكبر بكثير، قد تشمل مزيداً من الصناديق بمختلف فئاتها والبلدان، نظراً لأن استثمار الثروات في أسهم رأس المال من أجل التنمية يتيح فرصاً ولا يشكل أمراً تُخشى عواقبه.

وقد يهز المشككون رؤوسهم. لكن، لننظر إلى مظاهر الشك وعدم اليقين التي كانت تلف الآفاق المستقبلية لكل من الصين والهند في عام 1993. فبعد انقضاء خمسة أعوام، تطلع العالم إلى الصين فقط للمساعدة في الحفاظ على استقرار العملات وسط الاضطرابات المالية التي عصفت بمنطقة شرق آسيا. واليوم، فإن الصين والهند تُعتبران محركي دفع للنمو، ومازالت أمامهما مشاكل معقدة وصعبة، لكنهما يدفعان قاطرات النمو إلى الأمام. فالأهداف التي قد تبدو ذات يوم مستحيلة التحقيق، يمكن أن تبدو في اليوم التالي أمراً لا غنى عنه.

 وماذا عن أفريقيا؟ بين عامي 1995-2005، حققت 17 بلداً في أفريقيا جنوب الصحراء، تمثل 36 في المائة من السكان، معدل نمو بلغ متوسطه 5.5 في المائة سنوياً دون أن تكون متمتعة بقوة دافعة من الموارد الطبيعية الكبيرة؛ كما حققت ثمانية بلدان منتجة للنفط ـ تمثل 29 في المائة من السكان ـ معدل نمو سنوي بلغ متوسطه 7.4 في المائة خلال تلك الفترة.

 وترغب هذه البلدان في البناء على أسس التنمية الاجتماعية للأهداف الإنمائية للألفية، وترغب كذلك في تحقيق النمو. وهي في حاجة إلى مصادر طاقة منخفضة التكلفة ويمكن التعويل عليها؛ وبنية أساسية؛ وتكامل إقليمي مع القدرة على النفاذ إلى الأسواق العالمية؛ وقطاع خاص أكثر قوة.

 كما أنها تتيح فرصاً استثمارية.
 
وأحد الدروس المستفادة من إعادة تدوير الدولارات النفطية في سبعينيات القرن العشرين هو أن الاستثمارات في أسهم رأس المال تُعتبر أكثر استدامة من الديون. وقد بدأ العديد من صناديق الأسواق الناشئة بالفعل في استثمارات طويلة الأجل في أفريقيا.

 ومن سخريات الأقدار في الاقتصاد العالمي اليوم أنه ثمة وفرة في السيولة طويلة الأمد برغم جفاف السيولة القصيرة الأجل. ولننظر إلى صناديق الثروات السيادية كدليل على ذلك، وهي إحدى السمات البارزة للعولمة الجديدة والنفوذ المتنامي لاقتصادات البلدان النامية.

تقوم بعض الصناديق السيادية على الطلب على النفط والسلع الأولية الأخرى، بينما جاء إنشاء صناديق أخرى، وبخاصة في شرق آسيا، نتيجة للصدمة التي حلت ببلدان تلك المنطقة في عامي 1997-1998: ففي سبيل توفير "التأمين الذاتي" ضد الأزمات والكوارث التي تحل بأسواق رؤوس الأموال، قامت الحكومات ببناء احتياطيات وقائية تستند إلى سياسات أسعار الصرف، وتحقيق فوائض تجارية، والإدارة الرشيدة للمالية العامة.

وتشكل الصناديق السيادية بالفعل دعامة بالنسبة لرسملة المؤسسات المالية؛ وأتوقع أنها ستواصل في الأشهر المقبلة تعزيز قدرة العولمة على الاستمرار ـ وتوسيع نطاق اشتمالها للجميع ـ من خلال زيادة الاستثمارات في أسهم رأس المال بينما يعمل النظام المالي على التخفيف من مستويات الاستدانة العالية، ويؤدي تحسّن المعلومات المتاحة إلى توضيح صفقات الشراء الأفضل.

 وبطبيعة الحال، فإن الصناديق السيادية تحتاج إلى ترسيخ مبدأ الشفافية، ولابد أن تسترشد في عملها بأفضل الممارسات لتلافي خطر التسييس. لكنني أعتقد أن علينا الاحتفال بإمكانية قيام الصناديق التي ترعاها الحكومات باستثمارات رؤوس الأموال في عملية التنمية.
 
 ويمكن لمجموعة البنك الدولي، ولاسيما من خلال مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، أن تساعد على ربط السيولة العالمية الطويلة الأجل بفرص الاستثمار في أفريقيا. وقد استثمرت مؤسسة التمويل الدولية زهاء 8 بلايين دولار أمريكي في أفريقيا جنوب الصحراء منذ بدء نشاطها، منها حوالي 160 مليون دولار أمريكي في أسهم رأس المال في العام الماضي فقط. وتقوم مؤسسة التمويل الدولية حالياً بإنشاء صندوقين جديدين بقيمة 100 مليون دولار أمريكي من أجل البنية الأساسية والمساهمات في رؤوس أموال منشآت الأعمال البالغة الصغر. ونحن نعتقد أن آفاق الاستثمار في أسهم رأس المال آخذة في الزيادة والتوسع بسرعة. وتعمل مؤسسة التمويل الدولية حالياً على إعداد منهج ذي هيكل مفتوح لهذه الصناديق، مستندة في ذلك إلى قدرتها على الوصول، ومواردها المعرفية، ورؤوس الأموال، ولكنها ترحب في الوقت نفسه بالدخول في مشاريع مشتركة مع الحكومات والصناديق التابعة لها.

ويمكننا مساعدة المستثمرين الآخرين في التغلب على العراقيل الأولية للاستثمار في فرص الاستثمار الجديدة في أسهم رأس المال في أفريقيا. ويمكننا كذلك مساعدة البلدان المعنية على معالجة العوائق القانونية، وتحسين القواعد التنظيمية وأنظمة التسعير فيما يتعلق بالاستثمارات في مرافق البنية الأساسية. كما تتيح الوكالة الدولية لضمان الاستثمار (MIGA) ضمانات التأمين ضد المخاطر السياسية .

 ويمكن حينئذ لصناديق الثروات السيادية أن تنضم إلينا، بل والاستثمار معنا، ليس كمصدر آخر للمساعدات الإنمائية، وإنما بالأحرى كجهات استثمار طويلة الأجل. ولا شك أن المركز الذي نتمتع به يجعل منا "شريكاً مفضلاً".

ومثلما يقوم مشروع صندوق السندات العالمية بالعملات المحلية الخاصة بالأسواق الناشئة (GEMLOC) التابع لمجموعة البنك الدولي حالياً بالمساعدة في تسريع عجلة تطوير الأسواق المحلية للديون المقومة بالعملات المحلية في البلدان النامية بوصفها فئة منفصلة من الأصول قياساً على مؤشر جديد للأداء، يمكننا بالمثل تشجيع مخصصات المستثمرين إلى استثمارات أسهم رأس المال في أفريقيا بوصفها فئة من الأصول "الرائدة" قادرة على الاستمرار. وستشكل هذه الأصول مكاسب إضافية في أداء وتنويع مشاريع الحوافظ حسب الموقع الجغرافي وحسب نوع الاستثمار.

 وستعمل مجموعة البنك الدولي كذلك، من خلال المساعدة في إقامة مؤشرات خاصة بالاستثمارات الأفريقية، على استقطاب المستثمرين الذين يحتاجون إلى علامات قياسية ومرجعية يسترشدون بها في قياس مستوى الأداء. ومن ثمّ، سيتعين علينا أو على الجهات الأخرى ذات الصلة تطوير صناديق لصالح أفريقيا مستندة إلى تلك المؤشرات. ويمكن لهذه الأدوات والآليات، بمرور الوقت، أن تجتذب مجموعة أوسع نطاقاً من المستثمرين، منها صناديق المعاشات التقاعدية.

 إن "الحل القائم على نسبة واحد في المائة" ليشكل سبيلاً لإدراج أفريقيا في دائرة المستفيدين من كامل المكاسب المتأتية من العولمة. إنه إستراتيجية لتقوية هذا النظام المحكوم بالعولمة، وإضافة مصادر للنمو، وتشجيع استدامة العولمة.


الخاتمة
 قال بسمارك ذات يوم إن سمة رجال الدولة تكمن في مدى مقدرتهم على قراءة الأحداث واستشراف آفاقها المستقبلية حتى يمكنهم الإمساك بتلابيبها وإخضاعها لمشيئتهم.

 إنها للحظة فارقة لوضع فن إدارة الاقتصاد في الدولة موضع التنفيذ.

 فالهياكل القديمة بدأت تتهاوى. ومصادر القوة الاقتصادية الجديدة آخذة في الصعود. لكن رؤانا مازالت مشوشة بفعل الأعاصير الهوجاء التي حاقت بالأسواق المالية حيث بتنا نشهد أفول نجوم شركات وسقوطها سقوطاً مدوياً ـ وهي التي كانت يوماً تمثل "الإمبراطوريات" التجارية التي يزدان بها تاج هذا العصر ـ وصعوداً لشركات أخرى.

 لقد رسمت مجموعة البنك الدولي مخططاً لمحاور تركيزها الإستراتيجية الستة كي تلفت انتباهنا بالضروريات والفرص المتاحة بينما تمر الأحداث متسارعة. وتركز هذه المحاور اهتمامنا على حلول إنمائية جديدة لصالح البلدان الأكثر فقراً؛ والدول التي تواجه خطر الانهيار والتفكك أو الدول التي خرجت لتوها من صراعات؛ والبلدان المتوسطة الدخل، وجعل سلع النفع العام ـ كمكافحة تغيّر المناخ ـ جزءاً لا يتجزأ من عملنا؛ وإتاحة الفرص في العالم العربي؛ والاستمرار في تحديث برامجنا الخاصة بالمعارف والتعلم.

 إن التحدي الذي نواجهه يكمن في ضرورة قيامنا الآن باتخاذ خطوات عملية تستلزم منا عملاً دءوباً ومثابرة، مسترشدين في ذلك بأفق إستراتيجي نسير في ظله.

 وهل هناك ما هو أكثر أهمية ـ في ماضٍ أفل ومستقبل أطل ـ من توفير المواد الغذائية والطاقة والمعادن والتجارة وتوجيه استثمارات أسهم رأس المال إلى أوجه إنتاجية في مناطق تحفل بالفرص المتاحة وتعززها أسس الحكم الرشيد؟ دعونا نغتنم هذه الفرصة التي يتيحها مشهد عالمي آخذ في التغيّر: وهذا هو التحدي الذي نواجهه في فن إدارة الاقتصاد.

 

 





Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/GNQ5BYWKH0