Click here for search results
Online Media Briefing Cntr
Embargoed news for accredited journalists only.
Login / Register

تَحْدِيثُ نظام تعدد الأطراف والأسواق

Available in: Français, Español, Tetum, Português, 日本語, 中文, Deutsch, English, русский

الكلمة بالصيغة التي ألقيت بها

" تَحْدِيثُ نظام تعدد الأطراف والأسواق "

روبرت ب. زوليك
الرئيس
مجموعة البنك الدولي
معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، واشنطن العاصمة
السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2008

 


أولاً. النظر إلى ما فات ـ للتطلّع لما هو آت


كيف سينظر الناس في 2018 إلى هذا العام؟

تعتمد الإجابة على هذا السؤال على ما نقوم بعمله.

كان سبتمبر/أيلول شهراً عسيراً في عام بالغ التقلب: انهيار في الأسواق المالية والائتمانية والعقارية، واستمرار الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار السلع الغذائية والوقود، وتزايد مشاعر القلق والخوف بشأن الاقتصاد العالمي.

وفي العام الماضي، حققت معظم اقتصادات البلدان النامية معدلات نمو قوية رغم هذه الاضطرابات. وواقع الحال أن البلدان النامية الرئيسية كانت بمثابة قاطرة بديلة للنمو. ففي 2007، بلغ متوسط نمو إجمالي الناتج المحلي في هذه البلدان مستوىً قياسياً نسبته 7.9 في المائة، وبلغ في 2008 مستوىً ربما مازال مثيراً للإعجاب نسبته 6.6 في المائة.


لكن ثمار هذا النمو لم يتقاسمها الجميع، فالارتفاع الشديد في أسعار السلع الغذائية والوقود يدفع الفئات الأشدّ عرّضة للمعاناة دفعاً إلى منطقة خطرة.

وتتزايد معاناة الناس من جراء ذلك، وباتت الأسر تشعر بقلق شديد إزاء ما تخبئه الأيام المقبلة.

إن أحداث سبتمبر/أيلول الحالي، وما نجم عنها من تداعيات، قد تكون نقطة حاسمة بالنسبة للعديد من البلدان النامية. فأي انخفاض في الصادرات، وكذلك في التدفقات الرأسمالية الداخلة، من شأنه أن يؤدي إلى تراجع ملحوظ في الاستثمارات. وسيؤدي تباطؤ النمو وأوضاع التمويل الآخذة في التدهور، مقروناً بتشديد السياسات النقدية، إلى توقف الشركات عن العمل، وربما إلى أزمات طارئة في الجهاز المصرفي. وستنزلق بعض البلدان نحو أزمات في موازين المدفوعات. وكما هو الحال دوماً، فإن الشرائح الأكثر فقراً هي الأقل استعداداً لتحمل النتائج.

وبينما تتعلق أنظار الشعب الأمريكي بالتقاطع بين مصالح مؤسسات وول ستريت ومصالح رجل الشارع (Wall and Main Streets)، فإن لهذه القضية جوانب كثيرة أخرى. وعليه، لا بد أن تكون الاستجابة لهذه الأزمات أكثر شمولاً وأوسع نطاقاً.

تلقي أصوات في مختلف أرجاء العالم باللوم على ما حدث على نظرية السوق الحر. ويتساءل البعض عن الأسباب التي أفضت إلى إخفاقات المؤسسات الحكومية. ويشير كثيرون بأصابع الاتهام إلى الإخفاقات التي مرت بها الولايات المتحدة، بوصفها المهندس الرئيسي للاقتصاد العالمي الراهن.

إننا لا نستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بالنسبة للعولمة، كما لا يمكننا أن نسمح للأزمة الحالية أن تحجب عن أعيننا ما يزخر به المستقبل من فرص.

علينا أن نتعلم من دروس الماضي بينما نقوم بالبناء من أجل المستقبل. وعلينا أن نحْدث نظام تعدد الأطراف والأسواق من أجل اقتصاد عالمي آخذ في التغيّر.

فالاقتصاد العالمي يجب أن يقوم على أساس عولمة تتيح إمكانية تقاسم الفرص والمسؤوليات على نطاق أوسع. وما لم يتحقق ذلك، فإننا نكون قد صممنا بنياناً جديداً، لكنه سيكون أوهن من بيت العنكبوت.

إن نظام تعدد الأطراف، في أحسن أحواله، يشكل وسيلة لتسوية المشاكل فيما بين البلدان، مع استعداد المجتمعين على طاولة المفاوضات وقدرتهم على اتخاذ إجراءات بناءة معاً.

إنني خبير بنظام تعدد الأطراف وأعرفه حق المعرفة. فعلى مدى أكثر من 20 عاماً، شاركت في محاولة إنجاح النظام الدولي. وفي الأسبوع القادم خلال الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، سأتناول مدلولات الاثني عشر شهراً الأخيرة وآثارها بالنسبة لمجموعة البنك الدولي. أما اليوم، وفي ظل أزمة آخذة في التطور وانتخابات رئاسية على الأبواب، سأرسم لكم ملامح صورة أكبر حجماً.

 


ثانياً. التحول في مسار الاقتصاد السياسي العالمي


لفهم طبيعة الأزمة الحالية، علينا أن نمعن النظر ـ على أقل تقدير ـ فيما حدث على مدى العشرين عاماً الأخيرة.

فالعولمة والأسواق في صورتهما الحالية تعكسان تغيّرات هائلة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتدفقات المالية والتجارية، وحركة الأيدي العاملة، والصلات المتشابكة في العالم ـ "تلاشي المسافات" وبروز قوى متنافسة جديدة كبيرة.

 لكن حتى هذه التحولات لا تبرز التغيّر الأكبر، وهو: نمو اقتصاد الأسواق العالمية، على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، من نحو مليار نسمة إلى 4 أو 5 مليارات نسمة. كما ازدادت القوى العاملة العالمية المشتغلة في أسواق التصدير إلى أكثر من 800 مليون شخص، وهي ولا شك زيادات مذهلة في فترة قصيرة نسبياً.

بيد أن ما تشهده العولمة من منافسة، والتوسع الهائل في حجم القوى العاملة في العالم، والانخفاض النسبي في أسعار السلع الأولية أدت معاً إلى أمر آخر، وهو: خلق عصر ذهبي للمصارف المركزية في العالم. وأدت الآثار الكابحة للأسعار المرتبطة بهذه التحولات إلى ظهور المصارف المركزية بمظهر السحرة والعرافين العالمين ببواطن الأمور ـ وأحببنا ما جاءوا به من السحر.

وأغرت السياسات النقدية غير المحكمة ووفرة السيولة المستثمرين على "تعقب العائدات" ـ وتعقب بعضهم بعضاً. وقدموا قروضاً، وحصلوا على ائتمانات مقابل أصول بدت قيمتها آخذة في الارتفاع، دون أي اهتمام بالمخاطر الائتمانية، والقدرة على الكسب، والتدفقات النقدية. ولم يخطط المستثمرون للاحتفاظ بهذه الأصول في حيازتهم بما يكفي انتظاراً لتحقيق الإيرادات. وحتى عندما قاموا بذلك، كانت حصتهم "مضمونة" بتعهدات "معززة" بنفس الأسعار المرتفعة للأصول.

مع انفجار فقاعة الإنترنت، والأزمة العقارية والمصرفية التي عانت اليابان منها طويلاً، بدأ طوفان السيولة في التدفق بقوة إلى البلدان النامية، ولاسيما تلك التي ترتبط أسعار صرف عملاتها بالدولار الأمريكي. وانخفضت أسعار السلع الأولية مع انهيار الاتحاد السوفيتي، مما أدى إلى قصور الاستثمارات، خاصة في قطاع النفط والمعادن، ومن ثمّ ارتفعت ارتفاعاً كبيراً على أثر النهم الشديد للاقتصادات النامية للحصول على مستلزمات الإنتاج. وتزايد الترابط بين الوقود والسلع الغذائية، في ضوء ازدياد حصة الطاقة المستخدمة في إنتاج السلع الغذائية والنقل من جهة، وتحول مستهلكي السلع الغذائية ومستهلكي منتجات الطاقة إلى متنافسين من جهة أخرى: وبدأت إرهاصات أزمة "الغذاء مقابل النفط" تنمو شيئاً فشيئاً، وما لبثت هذا العام أن انفجرت أمام أعيننا.

إن ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى انزلاق نحو 100 مليون شخص في البلدان النامية ثانية إلى براثن الفقر. وسنجازف بالدخول في دورة أخرى من التضخم وأزمات ميزان المدفوعات، وضيق موارد الموازنات العامة.

كما أخذت مصادر مُجَمعات رؤوس الأموال الدولية في التحوّل هي الأخرى. وأدت الطفرة في أسعار السلع الأولية، وخاصة بالنسبة لمنتجات الطاقة، إلى توليد عائدات هائلة، انتهى بها الأمر في صناديق الثروات السيادية. وعقدت بعض البلدان النامية، ممن اكتوت بلهيب صدمة عامي 1997-1998، العزم على عدم المجازفة ثانية بالتعرض لهذه التجربة الأليمة، وأدارت أسعار الصرف على نحو أدى إلى تكوين احتياطيات ضخمة. وشكلت هذه المدخرات أساساً لإنشاء صناديق سيادية أخرى.

لكن التغييرات في القوى العاملة، والسيولة المالية، وأسواق السلع الأولية، والصناديق السيادية تعكس تحوّلاً أكثر أهمية، وهو: بزوغ نجم قوى اقتصادية جديدة.

وأدت مشاركة القوى الصاعدة في الاقتصاد العالمي إلى جعلها "صاحبة مصلحة مباشرة" في النظام العالمي. فالصين باتت في الوقت الحالي ثالث أكبر كيان تجاري على مستوى العالم. ومع نمو شريحة الطبقة الوسطى في آسيا، سيصبح هؤلاء المدخرون مستثمرين هامين في أسهم الشركات في البلدان المتقدمة، مما يؤدي بدوره إلى زيادة تدعيم الصلات والروابط العالمية.

وتريد هذه القوى الصاعدة أن يكون لها صوت مسموع، وتريد كذلك معرفة الدور الذي ستضطلع به في وضع القواعد الجديدة للاقتصاد العالمي. وبعد نجاحها في إبراز قدراتها على المنافسة، باتت هذه القوى الصاعدة تشعر بالارتياب في أن أصحاب المصلحة الأكثر رسوخاً سيعملون على إعاقة تقدمها، سواء من خلال قواعد التجارة والتمويل القديمة أم القواعد الجديدة المتعلقة بتغيّر المناخ وحماية البيئة.

أما الاقتصادات المتقدمة "صاحبة المصلحة المباشرة" فقد استفادت بدورها من هذه التغيرات، وإن شكلت في الوقت نفسه مصدر خطر عليها. وتتيح الاقتصادات الصاعدة تعدداً في أقطاب النمو من شأنه مساعدة الاقتصادات المتقدمة على استعادة عافيتها، كما تتيح إمكانات جديدة، لكنها تشكل أيضاً حطباً يذكي نيران المتوجسين. ومع تحقيق حوالي 25 بلداً من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ـ بها ثلثا سكان المنطقة تقريباً ـ معدلات نمو بلغت في المتوسط نحو 6.6 في المائة سنوياً خلال فترة السنوات 1997-2007، فقد باتت تتيح رؤية بظهور قطب آخر للنمو يمكن أن يتطور خلال العقود التالية. ويمكن أن يشكل ذلك إنجازاً عظيماً، ليس فقط على صعيد تعزيز التنمية والتغلب على الفقر، ولكن أيضاً على صعيد إطلاق العنان للمهارات والطاقات غير المستغلة.

لكن، ما لم تكن لدينا الرؤية وما لم نتحلَّ بالشجاعة للوقوف في وجه التحديات التي تنطوي عليها النزعات الانعزالية الاقتصادية في الداخل، والمساهمة بدور قيادي في المساعدة على تحقيق ذلك، فإن بلوغ هذه الغاية سيصبح بعيد المنال. وستعزز المصاعب والمخاوف المالية والاقتصادية الميل إلى الانزواء. والبعض يشعر أن قواعد اللعبة ـ ممثلة في التعامل مع عمليات الإنقاذ المالية، وأسعار الصرف، والتجارة، والهجرة، والمعونات الأجنبية ـ قد تخلت عنه، حتى ولو بدا ذوو الدخول الأعلى في وضع يؤهلهم من الاستفادة من هذه التغيرات. وشعر كثيرون بالقلق من أن "شبكات الأمان" القديمة ـ التي تهدف إلى مساعدة الناس على التكيف مع التغير ـ لم تعد تتعايش مع الواقع على نحو يبعث على الأسى. إن هذه الأجندة ـ وليست الآثار المترتبة على خطط الإنقاذ المالي فقط ـ هي التي يتعين على القادة الجدد أن يفهموها فهماً جيداً.

 

ثالثاً. سحب كثيفة تلف نظام تعدد الأطراف والأسواق


تمثل أحداث هذا العام صيحة تحذير لنا جميعاً.

فثمة سحب كثيفة تلقي بظلالها على نظام تعدد الأطراف والأسواق.

فمع الارتفاع الشديد في أسعار السلع الغذائية، بدأت الأسواق الزراعية في التصدع تحت وطأة الضغوط السياسية. حيث قام حوالي 40 بلداً بفرض قيود على صادراتها من السلع الغذائية أو بحظر تصديرها. في حين قامت بلدان أخرى بفرض ضوابط سعرية، وفسخ عقود التصدير، وإيقاف حركة التجارة. وتعرضت الأمم المتحدة لضغوط شديدة لإقناع البلدان بمضاعفة مساهماتها لتقديم المساعدات الغذائية إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها. وكابدت البلدان الفقيرة الأمرين لتوفير البذور والأسمدة للمزارعين، وسعت إلى إصلاح "شبكات الأمان" لصالح الفئات الأكثر تعرّضاً للمعاناة. وازدادت معدلات الفقر والجوع وسوء التغذية.

ومع جنوح النظام العالمي الخاص بالزراعة، انجرفت منظمة التجارة العالمية إلى مياه محفوفة بالمخاطر. وتعثرت جولة الدوحة.

 وستؤدي حالة الشقاق والخلاف التي تعصف بمنظمة التجارة العالمية إلى زيادة المصاعب أمام المفاوضات المتعلقة بتغيّر المناخ التي يجري تنظيمها تحت مظلة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية المعنية بتغيّر المناخ، مما سيؤدي بدوره إلى تفاقم حدة التوتر بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية. وحتى في أفضل الأوضاع، فإن هذه المفاوضات ستكون عملية شاقة.

علاوة على ذلك، يشير التشريع المتعلق بتغيّر المناخ "آلية فرض السقوف والمقايضة البيئية" الذي أخفق مجلس الشيوخ الأمريكي في تمريره هذا العام، إلى التحدي التالي أمام نظام تعدد الأطراف والأسواق. وقام هذا التشريع ـ لتجنب وضع الصناعات التي تندرج ضمن آلية فرض سقوف محددة لانبعاثات الكربون في وضع تنافسي غير ملائم ـ بتفعيل إجراءات الحماية التجارية ضد المصدّرين الذين لم يراعوا سقوفاً محددة لانبعاثات الكربون.

ورغم تنامي احتياجات البلدان الفقيرة، فإن النظام الدولي لتقديم المعونات لا يساير ذلك النمو.

وتتيح الجهات المانحة الأفكار والطاقة والموارد، لكن قد تؤدي أيضاً إلى إرباك ملكية البلدان النامية لعملية تقديم المعونات، مما يلحق الضرر بفعالية هذه المعونات. ففي العام 2006، على سبيل المثال، كان هناك أكثر من 70 ألفاً من معاملات تقديم المعونات، وإن لم يتعد متوسط حجم المشروع الواحد 1.7 مليون دولار. وفي العام الماضي، بلغ متوسط الزيارات التي قام بها المانحون إلى البلد النامي الواحد 260 زيارة. وبلغ ذلك العدد 752 زيارة في فييتنام.

ويتزايد قيام الحكومات الوطنية بتقديم المعونات تحت مظلة أعلامها، وليس من خلال نظام متعدد الأطراف يشجع على تحقيق الاتساق والتواؤم ويبني شعوراً بالملكية المحلية لهذه المشروعات. ومع ذلك، فإن مجموعة البلدان السبعة (G-7) ككل تُعتبر أبعد ما تكون عن الوفاء بالالتزامات التي قطعتها في غلين إيغلز لزيادة المساعدات الإنمائية.

ستظل الأسواق المالية ومؤسسات الأعمال الخاصة تشكل أكثر العوامل الدافعة قوة للنمو والتنمية في العالم. إلا أن الأنظمة المالية في بلدان العالم المتقدمة، وخاصة في الولايات المتحدة، كشفت عن معاناتها من مواطن ضعف صارخة بعد أن تعرضت لخسائر هائلة.

وأخذ النظام الدولي الذي يستهدف التعامل مع مثل هذه الظروف يئن تحت وطأتها.

ولعل الخسائر التي تعرضت لها بلدان مجموعة السبع تمثل التغيّر الأكثر مدعاة للدهشة منذ عملي في إدارة الخزانة الأمريكية في ثمانينيات القرن الماضي. لقد لعبت هذه المجموعة ذات يوم دوراً قيمّاً في تنسيق السياسات، والتوصل إلى اتفاقات ـ كاتفاق بلازا واتفاق اللوفر. لكن القمم الاقتصادية أولت ـ منذ وقت طويل ـ أهمية للمظاهر والمراسم الاحتفالية على حساب السياسات. ومازال يحدونا الأمل في أن تتيح اجتماعات وزراء المالية نظاماً متعدد الأطراف في التعامل مع المشكلات المالية والاقتصادية العالمية. لكن هذا المنتدى أقل بكثير من الوفاء بهذه الحاجة.

 


رابعاً. شبكة جديدة متعددة الأطراف من أجل اقتصاد عالمي جديد


بينما تسعى الولايات المتحدة والعالم إلى الخروج من الأزمة الحالية، علينا التطلع إلى ما هو أبعد من ذلك: إننا في حاجة إلى شبكة جديدة متعددة الأطراف من أجل اقتصاد عالمي جديد.

لقد خلف لنا جيل بريتون وودز تركتين اثنتين: تتمثل الأولى في المؤسسات والأنظمة الدولية ـ وهي تمر الآن بمراحل مختلفة من الإصلاح. أما الثانية، والأهمّ، فهي أن ذاك الجيل ترك لنا التزاماً فكرياً وسياسياً والتزاماً بالسياسات للعمل على نحو متعدد الأطراف لتحويل المشاكل التي تواجه أية حقبة زمنية إلى فرص سانحة.

وفي حين يدعو البعض إلى اعتماد نهج يقوم على القرن الحادي والعشرين، فإن الكثيرين مازالوا متشبثين بنماذج تعود إلى منتصف القرن العشرين.

إن نظام تعدد الأطراف الجديد، الذي يلائم العصر الحالي، يجب أن يكون شبكة مرنة، وليس نظاماً ثابتاً أو مركزياً. وسيتعين عليه تحقيق الاستفادة القصوى من جوانب قوة التشابك والتداخل بين الأطراف المؤثرة والمؤسسات ـ العامة والخاصة على السواء.

وقد رأينا بأم أعيننا أن الاقتصادات الوطنية الأكثر قدرة على التكيف تتعامل مع الصدمات والتغيرات المحتومة بأقصى قدر من الفعالية؛ وسيحتاج النظام المتعدد الأطراف، في إطار تفعيل هذه الخبرات والتجارب، إلى التحلي بالمرونة. كما سيتعين عليه استخدام الأسواق والحوافز من أجل منظمات القطاع الخاص والأفراد، والمؤسسات التي تستهدف تحقيق الربح ومنظمات المجتمع المدني غير الحكومية.

ويجب أن يحترم نظام تعدد الأطراف الجديد سيادة الدول، مع التسليم في الوقت نفسه بأن الكثير من القضايا لا تراعي الحدود الوطنية للدول.

ولا بد أن تتسم هذه الشبكة الجديدة المتعددة الأطراف بطابع عملي. بحيث يتمثل عملها الأساسي في تعزيز التعاون من خلال تشجيع تبادل وجهات النظر بشأن المصالح، المحلية والدولية على حد سواء. وتبادل المعلومات هو بداية طيبة في أحوال كثيرة.

ويجب علينا تشجيع البحث عن مصالح مشتركة فيما بيننا. ويمكن تعزيز المصالح المشتركة، في بعض الأحيان، باستخدام الحوافز ـ وأن تصبح المؤسسات الدولية عناصر تحفيز على العمل. فالأسلوب العملي لحل المشاكل يبني ثقافة قوامها التعاون والتعاضد.

ويجب أن يبني نظام تعدد الأطراف الجديد إحساساً بالمسؤولية المشتركة نحو سلامة الاقتصاد السياسي العالمي. ويعني ذلك ـ بشكل رئيسي وحاسم الأهمية ـ ضرورة أن يضم كافة الأطراف صاحبة المصلحة الرئيسية في هذا الاقتصاد، والأطراف الراغبة في المشاركة في تحمل المسؤوليات ـ إلى جانب الحصول على المكاسب المترتبة على الحفاظ عليه.

لا بد أن نعيد تعريف نظام تعدد الأطراف الاقتصادي على نحو يتجاوز التركيز التقليدي على التمويل والتجارة. فالاقتصاد العالمي الآخذ في التغيّر يقتضي منا التفكير بطريقة أكثر شمولاً. واليوم، تشكل الطاقة، وتغيّر المناخ، وتحقيق الاستقرار في الدول الضعيفة والخارجة من رحى الصراعات، قضايا اقتصادية من الطراز الأول. فهي بالفعل جزء من الأمن الدولي والحوار بشأن حماية البيئة. ويجب كذلك أن تكون الشغل الشاغل بالنسبة لنظام تعدد الأطراف الاقتصادي.

 

خامساً: الأولويات


فريق توجيهي جديد

سيظل نظام تعدد الأطراف الجديد يعتمد بصورة رئيسية على القيادة والتعاون الوطنيين، فلمشاركة البلدان المعنية أهميتها.

لقد أخفقت مجموعة السبع (G-7) في القيام بعملها. ولذلك، فنحن في حاجة إلى مجموعة أفضل لحقبة زمنية مختلفة.

كما أن مجموعة العشرين (G-20)، رغم قيمتها، تفتقر إلى الطابع العملي في الانتقال من النقاش إلى العمل.

إننا نحتاج إلى فريق أساسي من وزراء المالية الذين يضطلعون بمسؤولية توقع القضايا، وتبادل المعلومات والرؤى المتعمقة، واستكشاف آفاق المصالح المشتركة، وحشد الجهود لحل المشكلات، وعلى أقل تقدير إدارة الاختلافات.

وعلى صعيد التعاون المالي والاقتصادي، لا بد أن ننظر في إنشاء فريق توجيهي جديد يضم في عضويته كلاً من البرازيل، والصين، والهند، والمكسيك، وروسيا، والمملكة العربية السعودية، وجنوب أفريقيا، وبلدان مجموعة السبع الحالية.

ومن شأن فريق توجيهي من هذا القبيل أن يجمع معاً أكثر من 70 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، و 56 في المائة من سكان العالم، و 62 في المائة من إنتاج الطاقة، والبلدان الرئيسية المسؤولة عن انبعاثات الكربون، والمانحين الإنمائيين الرئيسيين، والأطراف الفاعلة الإقليمية الكبيرة، والجهات الفاعلة الرئيسية في أسواق رؤوس الأموال والسلع الأولية العالمية، وأسواق النقد العالمية.

لكن هذا الفريق التوجيهي لن يكون مجموعة الأربع عشرة (G-14). فنحن ببساطة لن نستخدم أساليب العالم القديم في صياغة العالم الجديد. بل لا بد ألا يكون محدد العضوية، وأن يتسم بالمرونة، ويمكنه التطور بمرور الزمن. ويمكن إضافة بلدان أخرى، ولاسيما إذا كان نفوذها المتنامي يضاهي رغبتها في المساعدة على تحمّل المسؤولية.

وينبغي أن يلتقي هذا الفريق التوجيهي الجديد ويعقد اجتماعات عبر الفيديو بصورة منتظمة بغرض تعزيز مسؤولياته. ولا بد أن يجري ممثلو البلدان الأعضاء مناقشات بشكل متكرر وغير رسمي. ومن شأن وجود شبكة فاعلة من المشاورات الثنائية داخل هذا الفريق وخارجه أن يوفر دعماً له. إننا في حاجة إلى آلية تواصل على نمط موقع "Facebook" للقيام بدبلوماسية اقتصادية متعددة الأطراف.

ويمكن لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، وقد يكون ذلك بالعمل مع منظمة التجارة العالمية، المساعدة في مساندة هذا الفريق التوجيهي. ويمكننا تحديد المشاكل المستجدة، وتوفير الدراسات التحليلية، ووضع الحلول، والاعتماد على قاعدة عضويتنا الأوسع نطاقاً بغرض اقتراح تحالفات لمعالجة تلك القضايا.

وسيظل يتعين على أعضاء هذا الفريق العمل من خلال المؤسسات والأنظمة الدولية القائمة، التي تشمل دولاً أخرى. وستجري في غضون ذلك مراعاة السيادة الوطنية للبلدان. إلا أن هذا الفريق الأساسي سيعمل على زيادة إمكانية انضمام البلدان للعمل معاً بغرض التصدي للمشكلات التي يفوق حجمها قدرات أية دولة منفردة.

إننا في حاجة إلى هذه الآلية حتى لا تُترك البلدان تتجرع مرارة الإخفاق دون أن نمد لها يد العون ـ مع ما ينطوي عليه ذلك من عواقب إنسانية واقتصادية وسياسية بالنسبة لها وبالنسبة للبلدان المجاورة. إننا في حاجة إليها حتى يمكن ليس فقط التعامل مع آثار المشكلات العالمية بعد وقوعها، ولكن أيضاً توقع حدوثها. نحتاج إليها لتنمية عادة الحوار والعلاقات الضرورية القائمة على الثقة قبل وقوع الأزمات، ولصياغة حلول متعددة الأطراف.
 

التمويل والتنمية الدوليان

لقد رأينا الجانب المظلم لتشابك الأنظمة والأسواق العالمية. والآن لا بد أن نبحر بالاقتصاد العالمي نحو الضوء.

وستكون المهمة الأولى هاهنا في الولايات المتحدة. فالعام القادم سيشهد جهداً رئيسياً في الولايات المتحدة لإصلاح نظام الرقابة والإشراف الماليين الذي أخفق في القيام بوظائفه. وسيتعين إدخال تحسينات على أنظمة المقاصة والتسويات. ويجب تَحْدِيث القواعد المتعلقة بالشفافية، ورؤوس الأموال، والاستدانة (الرفع المالي)، والمحاسبة، وبصورة متزايدة الأهمية مستويات السيولة.

ويجب أن نتساءل عن الأسباب التي أدت إلى تعثر الكثير من المؤسسات الخاضعة بشكل كامل للتنظيم والإشراف. فأي نموذج قائم على المخاطر، مهما بلغ تطوره وخضوعه للإشراف، يعتمد بشكل أساسي على الافتراضات. لكن، ماذا يحدث عندما تخفق الافتراضات نفسها؟

وسيتزايد اعتماد الظروف المتغيرة التي أدت إلى هذا الإخفاق على التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. وبقدر اتسام هذه الأزمة بالطابع الدولي بسبب التشابك والترابط الذي يتسم به الاقتصاد العالمي، سيتعين أن تتسم الإصلاحات بطابع متعدد الأطراف.

وقد شرع منتدى الاستقرار الاقتصادي (FSF) بالفعل، الذي يرأسه بكل جدارة واقتدار السيد/ ماريو دراغي، محافظ المصرف المركزي الإيطالي، في تناول هذه القضايا. إلا أن منتدى الاستقرار الاقتصادي يركز على البلدان الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD). وسواء أكان ذلك من خلال توسيع عضويته، أم تقوية الصلات بينه وبين صندوق النقد الدولي، أم الفريق التوجيهي، فمن الضروري معالجة قضايا الرقابة المالية هذه في سياق متعدد الأطراف أوسع نطاقاً.

ويجب علينا تدعيم نظام للإنذار المبكر لدى صندوق النقد الدولي عن الاقتصاد العالمي يركز على منع وقوع الأزمات، وليس فقط الاكتفاء بمعالجتها.

مازالت الصدمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول تتردد أصداؤها في الاقتصاد العالمي. وتتمثل الحقيقة القاسية في ضرورة أن تستعد البلدان النامية لمواجهة انخفاض في التجارة، وتدفقات رؤوس الأموال، والتحويلات، والاستثمارات المحلية، بالإضافة إلى تباطؤ النمو.

ومن الضروري تشجيع البلدان التي تتمتع بسلامة أوضاع ماليتها العامة وميزان مدفوعاتها على حفز الطلب المحلي عن طريق الاستهلاك والاستثمار. لكن ثمة بلدان أخرى تعاني من محدودية حيز ماليتها العامة، وعجز حاد في حساباتها الجارية، ومشاكل في ميزان مدفوعاتها، ومخاطر مالية، أو كل ذلك. وسيتعين على صندوق النقد الدولي وبنوك التنمية مد يد العون إلى هذه البلدان. وفيما يتعلق بالبلدان الأكبر حجماً المعرّضة للخطر، يتعين على الفريق التوجيهي والبلدان الصديقة العمل بالاشتراك مع الصندوق وبنوك التنمية لتقديم المساندة المرتبطة بإصلاحات السياسات التي من شأنها إعادة هذا البلد إلى مسار النمو المستدام.

ويجب أن يكون لصندوق النقد الدولي دور مستمر في أنظمة أسعار الصرف في العالم، على نحو يتجاوز دوره الرقابي. ووفقاً لما كتبه مؤخراً جان بذاني فيري، فإن جانباً كبيراً من بلدان العالم النامية ليس على استعداد بعد لإجراء تعويم مستقل لعملاتها، ويرجع ذلك إلى عدم اكتمال تحرير أنظمتها المالية، ومشاعر القلق والخوف التي تساورها بشأن التكيف غير الخاضع للرقابة. ويمكن لصندوق النقد الدولي، بدعم من الفريق التوجيهي، أن يتيح مزيداً من الخيارات، منها ربط قيمة العملة بسلة من العملات أو السلع الأولية. ولا بد، مع مرور الوقت، أن نعد نظام تمويل دولي يقوم على استخدام عملات احتياطية متعددة، وأخرى مربوطة بسلة من العملات المختلفة.

ويجب أن يضع نظام تعدد الأطراف الجديد التنمية العالمية على قدم المساواة مع التمويل الدولي. وإلى أن نبني عولمة أكثر اشتمالاً، سيظل العالم مزعزع الاستقرار، مهما كبر حجم خطط الإنقاذ المالي.

إن تعدد الأقطاب الاقتصادية يحقق الاستقرار ويتيح الفرص، شأنه في ذلك شأن حافظة الاستثمارات المتنوعة. ولكن لتعزيز النمو المستدام والأكثر اشتمالاً، يجب التفكير في المعونات بشكل مختلف.

قبل أسبوعين في الأمم المتحدة، نجح الشركاء الدوليون في تعبئة 16 مليار دولار أمريكي لصالح مشروعات إنمائية. وهذه الأموال على درجة كبيرة من الأهمية، ونحن في حاجة إلى المزيد إذا أردنا الوفاء بالأهداف الإنمائية للألفية الجديدة.

ولكن يتعين علينا أيضاً توسيع نطاق النهج الذي نعتمده. وعلينا أن نصغي إلى الأعداد المتزايدة من البلدان الأفريقية التي لا تفتأ تقول لنا إنها راغبة في النفاذ إلى الأسواق والحصول على الفرص، وليس في الاعتماد على المعونات. وستظل رؤوس الأموال والأسواق الخاصة تشكل القوة المحركة للنمو. ويجب علينا أن نتطلع بأبصارنا إلى ما وراء المشروعات والبرامج، وصولاً إلى طرق جديدة للقيام بأعمال التنمية. إننا في حاجة إلى أدوات وخدمات وساطة مالية مبتكرة بغرض: المساعدة على الربط بين صناديق الثروات السيادية والاستثمار في أسهم رأس المال في أفريقيا، وبناء أسواق سندات بالعملات المحلية في الأسواق الناشئة، وإدارة مخاطر التنمية عن طريق برامج تسهيلات التأمين ضد الظواهر المناخية والكوارث، ومساعدة صغار المزارعين، والتدليل على جدوى شراكات التمويل بين القطاعين العام والخاص لتنمية البنية الأساسية، وتوسيع نطاق أشكال المساعدات، بحيث تتراوح بين الارتباطات المسبقة، وتطوير مستحضرات صيدلانية منقذة للحياة، وشراء القروض أو تقديمها بأسعار فائدة منخفضة.

وفي الوقت الذي نبني فيه الأسواق والمؤسسات على الأمدين المتوسط والأطول، يحتاج نظام تعدد الأطراف الجديد إلى آليات للتحرك بطريقة أكثر سرعة وفعالية لمساعدة البلدان الأشدّ عرضة للمعاناة عندما تقع أزمة ما. ومن بين الأمثلة على ذلك برنامج التمويل السريع الجديد الذي أقامه البنك الدولي بقيمة 1.2 مليار دولار من أجل مساعدة البلدان المعرّضة لمخاطر ارتفاع أسعار السلع الغذائية.

وثمة مثال آخر هو إصلاح عملية تقديم المساعدات الغذائية الإنسانية. فمع إجراء تَحْدِيث بسيط على المساندة التي يقدمها المانحون إلى برنامج الأغذية العالمي (WFP) ـ من قبيل التمويل الأساسي أو المتعدد السنوات والتسهيلات الائتمانية، يمكننا تفعيل أدوات السوق المالية لمساعدة هذا البرنامج على إدارة المخاطر المتعلقة بالسيولة والأسواق والعمليات. ويمكن لبرنامج الأغذية العالمي والبنك الدولي، من خلال التعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تحسين مستوى الاستعداد، وخفض التكاليف، والاستجابة بصورة أسرع. إننا في حاجة إلى اتفاق عالمي للامتناع عن فرض حظر أو ضرائب باهظة على صادرات الأغذية الموجهة لأغراض المشتريات الإنسانية، بالإضافة إلى الاتفاق على تحرير المخزونات الاحتياطية الوطنية عندما تزداد الأسعار بصورة مبالغ فيها بسبب التخزين أو المضاربات. وتعادل أدوات إدارة المخاطر هذه في القرن الحادي والعشرين في قيمتها بناء مخزنات غذائية كبيرة لتحقيق الأمن الغذائي في العصور السالفة. بيد أننا في حاجة إلى قيادة سياسية لتجاوز النماذج البيروقراطية القديمة.

ويجب على مجموعة البنك الدولي أيضاً التكيف بسرعة أكبر لتلبية الاحتياجات الجديدة للبلدان المتعاملة معها، وتحقيق مصالح البلدان المساهمة. وعلينا تحسين التواؤم بين هياكلنا الإدارية وواقع الحال في القرن الحادي والعشرين. وفي إطار التطلع إلى ما يتجاوز خطواتنا الأولية الرامية إلى تغيير هياكل التصويت والتمثيل والمسؤوليات، سأشكل لجنة رفيعة المستوى للنظر في تَحْدِيث حوكمة مجموعة البنك الدولي ـ حتى يمكننا العمل بقدر أكبر من الحيوية والفاعلية والكفاءة والمشروعية في اقتصاد سياسي عالمي متحوّل. ويسعدني موافقة السيد/ إرنيستو زاديللو على قيادة هذا العمل. وقد طلبت منه العمل مع الزملاء الذين يبحثون قضايا الحوكمة الخاصة بصندوق النقد الدولي.

في العام 1944 في بريتون وودز، اغتنم الآباء المؤسسون لنظام تعدد الأطراف الاقتصادي الفرصة لبناء مستقبل أفضل. علينا اليوم ألا نكون أقل طموحاً منهم.


منظمة التجارة العالمية والنظام التجاري العالمي

دخلت مفاوضات جولة الدوحة للتجارة في إطار منظمة التجارة العالمية في النزع الأخير من حياتها. ومن الأهمية بمكان ألا ندفن معها منظمة التجارة العالمية ونظام تجارة عالمي مفتوح.

إن مفاوضات التجارة ستتواصل في مكان آخر. لقد أظهرت بحوث أُجريت مؤخراً كيف يمكن للمفاوضات المتعلقة باتفاقات التجارة الحرة أن تدعم فتح الأسواق على نطاق أوسع. لكن من الممكن أن تؤدي اتفاقات التجارة الحرة والترتيبات التفضيلية الضيقة النطاق إلى إضعاف التحرير العالمي. ومن الضروري ربطها بالأنظمة العالمية. ويظل نظام تعدد الأطراف الخيار الوحيد لرفع هيمنة الدعم المقدم إلى المنتجات الزراعية الذي يؤدي إلى تشويه التجارة، ومازال يكلف حوالي 260 مليار دولار سنوياً.

إن نظام التقاضي في منظمة التجارة العالمية يفضي إلى رابحين وخاسرين، وما لم تتم موازنته بمفاوضات تربح فيها كافة الأطراف المعنية، فمن المرجح أن تتعرض منظمة تجارة عالمية يقتصر عملها على إجراءات التقاضي إلى فقدان الدعم والمساندة. وستحتاج البلدان الأعضاء فيها إلى النظر في كيفية الاستمرار في تعزيز التحرير العالمي.

ويتمثل أحد الخيارات في تحويل تيسير التجارة من عملية مفاوضات إلى خطة إنمائية. فثمة فرص متاحة لتقليص تكاليف التجارة تفوق بكثير التكاليف الناجمة عن خفض التعريفات الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية الأخرى. وتتيح مؤشرات البنك الدولي المتعلقة بالتجارة عبر الحدود في تقرير "ممارسة أنشطة الأعمال"، وأداء "الخدمات اللوجستية" أساساً تشخيصياً في هذا الصدد. كما تحدد الهيئات الإقليمية، كرابطة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC)، معالم الطريق في الواقع العملي.

ويمكننا مساعدة البلدان على تبسيط الإجراءات والدورة المستندية ومواءمتهما على طول سلسلة التوريد. وبوسع البلدان تطبيق أساليب إدارة المخاطر في مجالات عمليات التفتيش الحدودية والتخليص الجمركي، مدعومة بنظام معالجة إلكتروني للبيانات. ويمكننا كذلك تقوية القدرات والتكنولوجيا، بالإضافة إلى إتاحة التمويل التجاري.

كان المنطق الأصلي لنظام تعدد الأطراف، الذي تستند إليه مفاوضات الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT) التي أفضت إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية، يتمثل في "التفاوض حول التعريفة الجمركية". ورغم أنه يجب أن يكون من مصلحة أي بلد ـ اقتصادياً ـ أن يقوم بخفض تعريفاته الجمركية وتقليص التكاليف، فإن المصالح السياسية اقتضت "التضحية بها" لصالح الحواجز التي دافعت عنها مجموعات الضغط.

ومن شأن أجندة جديدة لتيسير التجارة والتنمية أن تقوم بتفعيل المصلحة الذاتية المتعلقة بخفض تكاليف التبادل التجاري من أجل مصلحة متعددة الأطراف تتعلق بتشجيع زيادة التكامل، وتحقيق الكفاءة، وإتاحة الفرص ـ مما يعني خلق مزيد من فرص العمل، وزيادة معدلات النمو، وتقليص الفقر. ومع زيادة حجم أعمال كل من المصدّرين والمستوردين، فقد يكون بمقدورهم زيادة أصواتهم لتحرير المفاوضات أيضاً.

هذا هو نظام تعدد الأطراف في خطوات عملية ـ المضي قدماً إلى الأمام حيثما يكون ذلك ممكنا.


الطاقة وتغيّر المناخ

يجب أن تربط الشبكة الجديدة المتعددة الأطراف أيضاً بين الطاقة وتغيّر المناخ.
فأسواق الطاقة العالمية تمر حالياً بحالة من الفوضى. ويخشى المصدّرون، الذين يتخوفون من انهيار الأسعار، من القيام باستثمارات جديدة. وتريد البلدان المستهلكة أسعاراً أقل من أجل المستهلكين، لكن تبقي الأسعار مرتفعة بدرجة تكفي لتشجيع الاقتصاد في الاستهلاك، وتحسين مستوى الكفاءة، واستخدام الموارد البديلة، وتطوير تكنولوجيات جديدة. أما البلدان والشعوب الأكثر عرّضة للمعاناة فتقع ضحية لهذه الفوضى ـ بالنظر إلى تضررها من ارتفاع الأسعار وتقلباتها، بالإضافة إلى الآثار الناجمة عن تغيّر المناخ.

تسيطر شركات نفط وطنية في الوقت الحالي على معظم عمليات إنتاج النفط. وهؤلاء الموردون لا يستجيبون لإشارات السوق بالطريقة ذاتها التي يتبعها المنتجون التابعون للقطاع الخاص.

إننا في حاجة إلى "اتفاق عالمي" فيما بين كبار منتجي منتجات الطاقة ومستهلكيها. وقد نظمت وكالة الطاقة الدولية (IEA) البلدان المستهلكة الأعضاء في منظمة التجارة والتعاون في الميدان الاقتصادي، إلا أنها لا تضم جميع القوى الصاعدة. وكانت الصين قد اقترحت قبل بضع سنوات أن يقوم كبار مستهلكي الطاقة في العالم بتنظيم صفوفهم للتعامل بقدر أكبر من الفعالية مع اتحاد المنتجين. وهي فكرة جديرة بالنظر، وإن كانت ذات هدف أوسع نطاقاً.

ويجب أن يشمل أي اتفاق من هذا القبيل، كحد أدنى، المشاركة في خطط زيادة الإمدادات، بما في ذلك الخيارات الأخرى بخلاف النفط والغاز؛ وتحسين كفاءة الاستخدام وتقليل مستوى الطلب؛ ومساعدة الفقراء في الحصول على منتجات الطاقة؛ ودراسة مدى ارتباط هذه السياسات بالسياسات المتعلقة بإنتاج الكربون وتغيّر المناخ.

وينبغي على البلدان المتقدمة تطوير تكنولوجيات جديدة وإتاحتها في الأسواق، بغرض مساعدة البلدان المتقدمة والبلدان النامية على السواء. وعلى البلدان النامية العمل على خفض تكاليف الدعم الباهظة، وزيادة مستوى الكفاءة، في الوقت الذي تعالج فيه الاضطرابات الاجتماعية. ويجب أن يكون من مصلحة الجميع الحيلولة دون أن تؤدي موارد الطاقة إلى إثارة مخاطر تتعلق بالأمن القومي.

وسيتمثل هذا الاتفاق في جانب منه في إتاحة الفرصة للبلدان النامية للقيام باستثمارات أطول أجلاً بغرض الحد من التعرض لمخاطر ارتفاع أسعار الوقود وتقلباتها، مع مساندة الفقراء من خلال شبكات الأمان. ومن الضروري أن تكون إتاحة سبل الحصول على الطاقة عنصراً مكملاً حاسم الأهمية لاستثمارات الطاقة النظيفة. ولا تتوافر الكهرباء لأكثر من مليار ونصف المليار نسمة في العالم، بما في ذلك حوالي ثلاثة أرباع السكان في أفريقيا جنوب الصحراء. وبناءً على طلب المساهمين الأساسيين، تعكف مجموعة البنك الدولي حالياً على إعداد مبادرة "الطاقة من أجل الفقراء" بغرض مساعدة البلدان الأكثر فقراً على سد احتياجاتها من الطاقة بطرق تتسم بالكفاءة والاستدامة.

ويمكن أن ننظر في تطوير هذا الاتفاق العالمي. وقد تكون هناك مصلحة مشتركة في إدارة نطاق سعري من شأنه التوفيق بين المصالح أثناء مرحلة التحوّل إلى استراتيجيات نمو منخفض الكربون، وبين توسيع حافظة الإمدادات، وتعزيز الأمن الدولي.

وقد تكون التفاهمات المتعددة الأطراف حول العقود الآجلة لمنتجات الطاقة ـ التي تؤدي إلى تسعير واضح لحقوق مبادلة انبعاثات الكربون ـ ذات أهمية حيوية بالنسبة للمفاوضات الخاصة بتغير المناخ في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية المتعلقة بتغيّر المناخ (UNFCCC). وتساور البلدان مخاوف من أنه في عالم تسوده حالة من عدم اليقين بشأن أسعار الطاقة والتكنولوجيات والإمدادات، فإن التوصل إلى أية معاهدة بشأن تغيّر المناخ سيؤدي إلى الحد من نموها أو من مرونتها على التكيف. ويمكن للتوصل إلى اتفاق فيما بين المنتجين والمستهلكين الأساسيين أن يناهض تلك المخاطر، مما يسهل الالتزام بخفض مستويات انبعاثات الكربون.

وسيتعين كذلك أن يحظى أي اتفاق بشأن تغيّر المناخ بمساندة من جانب الأدوات الجديدة. إننا في حاجة إلى آليات جديدة لمساندة تحريج مناطق الغابات (إعادة تشجيرها) وتفادي إزالة الغابات، وتطوير تكنولوجيات جديدة وتشجيع انتشارها بشكل سريع، وإتاحة المساندة المالية إلى البلدان الأفقر، والمساعدة في التكيف مع الآثار الناجمة عن تغيّر المناخ، وتدعيم أسواق مبادلة حقوق انبعاثات الكربون.

وللمساعدة في تقديم موارد إضافية لمواجهة هذه التحديات، استضاف البنك الدولي قبل أسبوعين اجتماعاً لإعلان التبرعات نجح في تعبئة 6.1 مليار دولار لصالح صندوقي استثمار جديدين في مجال الأنشطة المناخية.

وينبغي أن يساعد الفريق التوجيهي على تسريع اتخاذ تدابير بشأن قضايا الطاقة، والبيئة، والتمويل لمساعدة مفاوضات الأمم المتحدة، والتطبيق العملي لأية معاهدة يتم التوصل إليها.

الدول الضعيفة: كفالة تحقيق التنمية

ما من مكان يحتاج إلى الشبكة الجديدة المتعددة الأطراف أكثر من الدول الضعيفة والدول الخارجة لتوها من صراعات حيث يعيش "مليار القاع" ـ وهو المليار الأشدّ فقراً من سكان العالم.  

فكثيراً ما تعاملت الأوساط الإنمائية مع الدول التي تمزقها الأوضاع الهشة والصراعات كما لو كانت ببساطة حالات إنمائية أكثر صعوبة. إلا أن هذه الأوضاع تقتضي منا التطلع إلى آفاق تتجاوز مجرد الدراسات والتقارير التحليلية المتعلقة بالتنمية ـ إلى إطار مختلف لبناء الأمن، والشرعية، والحوكمة الرشيدة، والاقتصاد. وليس القصد هنا ـ بطبيعة الحال ـ الأمن أو التنمية من المنظور المعتاد. كما لا يتعلق ذلك بما نعتقد أنه عمليات لبناء أو حفظ السلام.

تتعلق كفالة تحقيق التنمية بجلب الأمن والتنمية معاً بادئ ذي بدء لضمان سلاسة التحول من الصراع إلى السلام، ثم ترسيخ الاستقرار حتى تثبت التنمية وتترسخ جذورها على مدى عشر سنوات وما بعدها. وما لم نكفل تحقيق التنمية، فمن المتعذر أن تضرب بجذورها في أعماق تلك البلدان بما يكفي لكسر حلقة الضعف والعنف.

ومازال تقديرنا لأنجع السبل اللازمة لكفالة تحقيق التنمية ـ والتوليف بين عناصر الأمن والحوكمة والاقتصاد لتحقيق أقصى فعالية ـ متواضعاً. إننا نواجه ثغرات حرجة في قدراتنا الدولية.

وفي نهاية المطاف، فإن أكثر العناصر أهمية في الدول الضعيفة أو الدول الخارجة لتوها من صراعات يتمثل في شعوبها. ولكن الأمر سيستلزم مساعدات متعددة الأطراف أكثر قوة ولمدة أطول لمساعدة شعوب تلك البلدان في التحول من كونهم ضحايا إلى أن يصبحوا العناصر الأساسية الفاعلة لاستعادة العافية والانتعاش. وفيما يتجاوز تقديم المساعدات، سيتطلب الأمر علاقات متشابكة جديدة بين قوات حفظ السلام والعاملين في أوساط التنمية، وصياغة نهج جديد بشأن الأمن.

سادساً: الخاتمة


في الشهر القادم، ستنتخب الولايات المتحدة رئيساً جديداً لها. وسيتعين على هذا الرئيس التحرك إلى ما وراء معركة تحقيق استقرار النظام المالي. وسيكون التعامل مع الآثار الاقتصادية لهذه الأزمة إحدى المسؤوليات الرئيسية للإدارة الأمريكية القادمة.

لكن هذا العمل لا يتعلق بالولايات المتحدة وحدها. فكلا المرشحين تحدث عن تعزيز أواصر علاقات الولايات المتحدة مع العالم. ولكيفية قيام الرئيس الأمريكي المقبل بذلك أهمية كبيرة.

لقد أتاحت لنا الأقدار فرصة مغلفة بثوب الضرورة الملحة: فرصة لتحديث نظام تعدد الأطراف والأسواق.





Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/DZAT2K7OB0