Click here for search results

تأمين القرن الحادي والعشرين: حماية كوكبنا

Available in: Français, русский, 中文, Português, 日本語, English, Español, Deutsch

جيمس د. وولفنسون

رئيس

مجموعة البنك الدولي

كلمة أمام مجلس المحافظين

واشنطن، العاصمة

3 أكتوبر / تشرين الأول 2004

 

السيد الرئيس، السادة المحافظون، الضيوف الكرام

 

أرحّب بكم أجمل ترحيب في اجتماعاتنا السنوية هذه – في السنة الستين بعد إنشاء مؤسستي بريتون وودز.

 

          أحيي زميلي الجديد رودريغو دي راتو مديراً عاماً لصندوق النقد الدولي.   وقد بدأنا هو وأنا العمل الوثيق معاً، وأخذت أقدّر خبرته وحكمته. ونود أنا وزميلي تهنئة صديقي هورست كوهلر على تعيينه رئيساً للجمهورية في ألمانيا – كما نشكره على إسهاماته الكبيرة في عمل مؤسستينا. 

 

          لمجموعة البنك الدولي تاريخ حافل نفخر به. فقد أسهمنا في إعادة إعمار العالم عقب الحرب العالمية الثانية وقبل الاضطلاع بدورنا الجديد في السعي لتخفيض أعداد الفقراء في مختلف مناطق العالم. ونحن قوة فاعلة من أجل تحقيق النمو والإنصاف.

 

          ومع أن مساهمات الدول في رأس مال البنك الدولي للإنشاء والتعمير بلغت 11 بليون دولار أمريكي فقط، استطعنا تقديم 400 بليون دولار أمريكي من القروض.  كما أن مؤسسة التمويل الدولية التي تم إنشاؤها في عام 1956 أتاحت ارتباطات بمبلغ 23 بليون دولار أمريكي.  وقامت الوكالة الدولية لضمان الاستثمار بإصدار ضمانات بقيمة 13.5 بليون دولار أمريكي. كما أن المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار عالج 159 قضية قام فيها بالمساعدة في تسوية منازعات من هذا القبيل.

         

          ومن خلال مساهمات الدول المانحة وبعض من حصيلة سداد الاعتمادات الممنوحة للدول المقترضة، أتاحت المؤسسة الدولية للتنمية ارتباطات بلغت 151 بليون دولار أمريكي. علماً بأن البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية هي موطن لما يبلغ 80 في المائة من أشد سكان العالم فقراً، حيث يعيشون على أٌقل من دولار أمريكي واحد في اليوم. فالمؤسسة الدولية للتنمية أداة رائعة حقاً تستهدف أن تكون فعالة وخاضعة للمساءلة. وكلي أمل أن تقوم الدول المساهمة في رأس مالها بزيادة مساهماتها في العملية القادمة لتجديد مواردها.

 

          يجب أن نحافظ على قوة المؤسسة الدولية للتنمية.

 

          أشعر بالفخر لما حققناه من إنجازات في السنوات العشر الماضية.  قد نكون بلغنا الستين من عمرنا كمؤسسة ولكننا في ريعان الشباب. فنحن مؤسسة موحدة مصممة على تحقيق هدفها المتمثل في "محاربة الفقر بكل جدية."

 

          نسعى لمساندة البلدان المتعاملة معنا بوصفها شريكة لنا، ونحترم ثقافتها وتطلعاتها. كما أننا بذاتنا متنوعون، فجهاز موظفينا يضم أشخاصاً من 140 دولة.

 

          فأكثر من ثلثي المديرين القطريين في مؤسستنا يعملون ويعيشون حالياً في الميدان، كما أن مكاتبنا مرتبطة بواسطة الأقمار الصناعية بما يجعل التواصل عبر الصوت والصورة والتعلّم عن بعد جزءاً لا يتجزأ من كافة أنشطة حياتنا. صاميدان، كما أن مكاتباشد بلدان العالمفنحن من بين أحدث مؤسسات الأعمال على الصعيد العالمي.

 

          وطوال هذه السنوات، سعينا بوضوح لوضع البلدان المتعاملة معنا في موقع قيادة عملية التنمية. فنحن نصغي أكثر مما نتكلم. ولسنا نخشى من أن ننتقد ذاتنا.

 

          نقوم بتقديم الموارد التمويلية للمشروعات ومن أجل المعرفة،

 

    فنحن نفهم أهمية التنمية الشاملة المستمرة ونعلم أننا نحتاج إلى الشراكة مع زملائنا في: صندوق النقد الدولي، والأمم المتحدة، والمؤسسات المالية الدولية، والوكالات والهيئات الثنائية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص حيث أنه يتمتع بأهمية جوهرية.

 

          واسمحوا لي أيضاً بأن أعبّر عن عميق تقديري للمديرين التنفيذيين في المجلس التنفيذي ولأسلافهم في المجلس على عديد ما قدموه من مساهمات بناءة. فهم يقومون بدور صعب ولكنه حيوي كمسؤولين كبار في مؤسستنا وكمندوبين عن البلدان التي يقومون بتمثيلها.

 

 

عالم غير آمن

 

          في الاجتماعات السنوية السابقة في السنوات العشر الماضية، تحدثت إليكم عن: التحدي الماثل في ضرورة اشتمال الجميع، وسرطان الفساد، وأهمية التنمية الشاملة، والحاجة إلى توازن عالمي جديد بين الأغنياء والفقراء.

 

          وأود اليوم أن أبحث ما قد يكون أصعب تحدٍ لفترة السنوات العشر القادمة. كيف يمكننا تحسين إدارة شؤون كوكبنا؟ كيف نقوم بإدارة القضايا العالمية الكبيرة – وهي: الفقر، وعدم الإنصاف، والبيئة، والتجارة، والمخدرات غير القانونية، والهجرة، والأمراض، وأيضاً الإرهاب؟ كيف نستفيد من تحليلاتنا وخبرتنا العملية ووعودنا في بناء عالم أكثر أمناً؟

 

          قمنا في هذه السنة بالإبلاغ عن معدلات نمو قياسية في بلدان العالم النامية. ومع ذلك مازلنا بصورة ما نشعر بأننا أقل أمناً وطمأنينة فيما يتعلق بالمستقبل. ففي أعماقنا هاجس ملحّ فيما يتعلق بالطريقة التي يتطور فيها العالم. هناك خوف واحتمالات مجهولة يحيطان بنا في هذا العالم الواحد الذي نشترك جميعاً في العيش فيه.

 

          فكل ما ينبغي على المرء فعله هو النظر إلى الحواجز الإسمنتية المحيطة بهذه المباني لكي يفهم الفرق الكبير عن السنة الماضية. فليست هذه الحواجز قائمة لإبعاد المحتجين. بل هي قائمة لإبعاد الإرهابيين. فقد أظهر قرص مدمّج تم العثور عليه في باكستان أن البنك والصندوق الدوليين هما من بين الأماكن التي يستهدفها تنظيم القاعدة. فقد وصل الإرهاب إلى عتبة دارنا.

 

          شاهدنا في السنة الماضية أشياء تجعلنا نرتاب في إنسانيتنا الأساسية. حرب دموية في أفغانستان والعراق وأجزاء كبيرة من أفريقيا. التطهير العرقي الفظيع في دارفور. أعمال إرهابية خسيسة في بالي وفي مدريد. العنف المتزايد بين إسرائيل والفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. وفي بيسلان، رأينا الأطفال يؤخذون رهائن وتطلق النار على ظهورهم. وفي بغداد، يجري قطع رؤوس الأبرياء بصورة وحشية.

 

          وفي إطار رد الفعل لكل ذلك، أصبح الأمن شغلنا الشاغل. ومن الصحيح على وجه الإطلاق أنه علينا اليوم محاربة الإرهاب سويّةً. غير أن الخطر هو أن انشغالنا بهذه الأخطار قد يجعلنا نفقد رؤية الأمد الطويل وقضايا بنفس الدرجة من الإلحاح في عالمنا غير الآمن وهي: الفقر والإحباط وفقدان الأمل.

 

          فنصف البشر على كوكبنا يكافحون للعيش على أقل من دولارين أمريكيين في اليوم. وخمسهم يعيشون على أقل من دولار أمريكي واحد في اليوم. وفي السنوات الخمس والعشرين القادمة، سيُضاف ما مجموعه بليونا [مليارا] شخص لسكان العالم – 97 في المائة منهم في بلدان نامية. فالكثيرون سيولدون في ظل محيط حافل بآفاق تربيتهم في أوضاع الفقر. وهم سيشعرون بالإحباط من عالم لا بدّ أن يروه غير منصف وغير عادل. وهذه هي الأرضية التي تنمو فيها بذرة عدم الاستقرار.

 

          كون المرء فقيراً لا يجعله إرهابياً، طبعاً. بل على النقيض من ذلك. زوجتي وأنا قمنا بزيارة أكثر من مائة بلد وقابلنا فقراءً في كافة هذه البلدان – في قرىً وفي البلدات المبنية من الأكواخ ، وفي مناطق ريفية قاصية، وفي مناطق البغاء في أحياء الفقراء.

 

          فهم مثلي ومثلكم يودون أن يحيوا مع احترام تاريخهم وتقاليدهم الحضارية. يريدون أن يحصل أطفالهم على التعليم اللازم. ويريدون بيئة نظيفة. وهم أيضاً يريدون الأمن – ولو أنهم لا يعرّفونه بالطريقة التي نعرّفه بها. فبالنسبة لهم، ليست القضية حواجز إسمنتية أو القوة العسكرية. بل هو بالنسبة لهم فرصة الخلاص من براثن الفقر.

 

          لا يمكننا – ولا يجب - أن يغيب عن ناظرنا هذا التعريف الواسع النطاق للأمن.

 

          يجب أن تكون مهمتنا إذا أردنا الاستقرار العالمي وضع حد للفقر. فمنذ مؤتمر بريتون وودز الذي جرى عقده في فترة الحرب العالمية، ومروراً بلجنة بيرسون ولجنة براندت ولجنة برنتلاند، وحتى بيانات زعماء بلدان العالم في جمعية الألفية لعام 2000 يؤكّد الجميع على أن القضاء على الفقر أمر جوهري لتحقيق الاستقرار والسلام.

 

التنمية تنجح

 

          سيدي الرئيس، اهتمّت مجموعة مؤسساتنا منذ ستين سنة بإعادة الإعمار وإقامة السلام من خلال مكافحة الفقر. وقد كتبت مع زميلي فرانسوا بورغينون دراسة من أجل اجتماعاتنا هذه تلقي نظرة على ما فات وتستشرف ما هو آت من التحديات التي تواجهنا.

 

          فنحن نعرف من خبرتنا العملية أن التنمية تنجح. ففي عقدي السنين الماضيين فقط هبطت نسبة من يعيشون في أوضاع الفقر في عالمنا بنسبة النصف – من 41 في المائة إلى 21 في المائة. كما زاد العمر المتوقع عند الولادة في البلدان النامية بواقع 20 سنة. أما أمّية البالغين فقد خفضت إلى النصف حيث أصبحت نسبتها 25 في المائة.

 

          ومع ذلك نعرف أن المستقبل حافل بتحديات جسام. ففي عام 2000، أدرك زعماء العالم هذا حين اتفقوا على الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة. وقد شارك العديدون منكم في اجتماعات الدوحة ومونتيري وجوهانسبورغ حيث اتفقنا على مسؤوليات البلدان المتقدّمة والبلدان النامية وأعطينا التزامات.

 

          ووعدت البلدان الغنية بالمساعدة في بناء القدرات، وفي فتح أسواقها للتجارة، وبزيادة المعونات. ووعدت البلدان الفقيرة والبلدان المتوسطة الدخل بتدعيم القدرات، ويناء الأنظمة القانونية والقضائية، وحماية حقوق الإنسان والملكية، وإقامة أنظمة مالية متسمة بالشفافية والقوة لتقديم الخدمات لكل من المستثمرين الكبار وجهات تقديم الائتمانات البالغة الصغر.

 

          والتزموا بصورة خاصة بمكافحة الفساد، فهو ليس قضية كبرى بالنسبة للبلدان النامية فحسب، بل مصدره في أكثر البلدان غنىً. وللمساعدة في هذا الشأن، نود إصدار تقرير في السنة القادمة عن التقدّم الذي تحرزه البلدان في القضاء على الفساد. فلدينا الكثير من بيانات البحوث ونعتقد أن الشفافية أكثر أدواتنا فعالية. ونحن بالتأكيد على مستوى من الغنى كاف لتمويل تحقيق أهدافنا. فإذا رغبنا، يمكننا فتح أسواقنا وإتاحة كافة الموارد اللازمة من أجل التنمية، كما يمكن لزعماء الدول النامية الوفاء بالتزاماتهم بشأن نظام الإدارة العامة ومكافحة الفساد.

 

تصعيد الحرب على الفقر

 

          سيدي الرئيس، الحقيقة هي أننا لا نقوم بالعمل اللازم. فالوقت أخذ يصبح متأخراً ولسنا نفي بما قطعناه من وعود. وما هو معرض للخطر ليس سوى أمن عالمنا.

 

          من منظوري الشخصي، هناك ثلاث قضايا جوهرية يجب أن نعالجها. أولها تصعيد الحرب على الفقر، والثانية تحسين طريقة إدارتنا لكوكبنا، والثالثة تعليم شبابنا.

 

          وفيما يتعلق بتصعيد الحرب على الفقر، التقينا في شانغهاي في هذه السنة مع الحكومة الصينية وألقينا عليهم سؤالاً عن كيفية البناء على مشروعات ناجحة صغيرةومضاعفة نجاحها. وهذه قضية حقيقية بالنسبة للبنك الدولي وشركائنا. فنحن ننجز مشروعاً لبناء مدارس أو 100 ميل من الطرق أو 10 برامج لمجتمعات محلية. ولكن ما نحتاجه هو 5000 مدرسة أو 10000 ميل من الطرق أو 5000 برنامج لمجتمعات محلية.

 

          اتّضح من أكثر من 100 من دراسات الحالات أنه من الممكن بسرعة تعجيل خطى عملية التنمية إذا عاملنا الفقراء بوصفهم قوة تغيير – وليس هدفاً للإحسان. ولأول مرة منذ قرون، أمكن لبلدان مضاعفة مستوياتها أو زيادتها إلى ثلاثة أمثالها في إطار جيل واحد. فمن الممكن تخفيض أعداد الفقراء سريعاً وعلى نطاق واسع.

 

          شاهدت ذلك يحدث. ففي عام 1996، أثناء زيارتي للصين، قابلت امرأة من هضبة ليس حيث ساندنا مشروعاً زراعياً في تلك المنطقة الجبلية القاحلة. فهي كانت تعيش في مغارة دونما كهرباء أو مياه جارية ودون احتمال القدرة على تحسين حياتها.

 

          في ربيع هذا العام، التقيتها ثانية في جو مشحون بالعواطف، وأخبرتني عن مدى التحسّن في حياتها وعن أنه أصبح لديها مياه وتدفئة. كما أخبرتني عن شراء دراجة نارية لابنها، وعن تطلّعها لإرسال ابنتها إلى المدرسة.

 

          كانت تلك السيدة واحدة من ثلاثة ملايين شخص مثلها وجدوا الأمل في بضع سنوات فقط ومن خلال سلسلة من 32 مشروعاً مماثلاً في تلك الهضبة. وهي مشروعات قام بتنفيذها آلاف الأشخاص مستخدمين الرفش والمعول لتحويل الأراضي الجبلية إلى تربة صالحة للزراعة. ولم تعد تلك المنطقة جافة ومتوعدة بالأخطار، بل أصبحت مُخضرّة وحافلة بالمحاصيل والحيوانات.

 

          بفضل الصين والهند اللتان تفهمان مقاييس الحجم، سيفي العالم بواحد من الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة وهو الهدف العالمي الخاص بتخفيض أعداد الفقراء بنسبة النصف بحلول عام 2015. كما أن هذين البلدين سيكونان الدافع للازدهار والنمو العالميين في السنوات المقبلة.

 

          ولكننا نعرف أنه في أفريقيا، وهي موطن 670 مليون شخص، لن يجري بحلول عام 2015 الوفاء ببعض الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة، بل في تاريخ لاحق بعيد عن ذلك التاريخ وهو 2165.

 

          والأكيد أن 150 سنة فترة أطول مما يمكن انتظاره للقيام بما يلزم لمكافحة المرض والأمية. فترة أطول مما يمكن انتظاره للحصول على الفرص. أطول مما يمكن انتظاره للحصول على الأمن والاستقرار. كما أنها أطول مما يمكن انتظاره للحصول على الأمل. سيدي الرئيس، هذه قضية أمن للعالم كافة. فمساعدة أفريقيا وغيرها على تصعيد الحرب على الفقر وتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة أمر حاسم الأهمية بالنسبة لبناء عالم أكثر أمناً من عالم اليوم.

 

إدارة شؤون كوكبنا

 

          القضية الثانية التي أود تناولها هي إدارة شؤون كوكبنا.

         

          ما من شك في أن تحقيق النمو ضروري من أجل محاربة الفقر. غير أن تحقيق النمو بأية تكلفة ليس محمولاً بالنسبة لكوكبنا.

 

          يجب علينا جميعاً أن نقوم بعمل أفضل من عملنا الحالي في مجال إدارة شؤون بيئة كوكبنا الهشّة ومعالجة الاحترار العالمي. فالأمريكي أو الكندي العادي يستخدم قدراً من الطاقة يفوق بواقع 8.6 أمثال ما يستخدمه الصينيّ العادي و 14 مثلاً ما يستخدمه الأفريقي أو الهندي العادي. ولكن ذلك سيتغيّر مع ازدياد الدخل وازدياد الطلب على الطاقة. ومع تغيّر المناخ، سيكون الفقراء في الدول الجزيرية الصغيرة وبلدان جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الأكثر عرضة للمعاناة.

 

          مضى على مؤتمر ستوكهولم المعني بالبيئة ثلاثة عقود من السنين، غير أن طريقة إساءتنا لاستخدام كوكب الأرض منذ ذلك الحين مثيرة للذعر. فالغابات تتعرّض لقطع أشجارها بدون توقف، وانقرض نتيجة الصيد 90 في المائة من الأسماك الكبيرة في المحيطات، ونحن في العالم الغني أفرطنا في استخدام وهدر مقادير هائلة من مصادر الطاقة. فمن بين أجناس الحيوانات في مختلف أنحاء العالم أصبحت نسبة 12 في المائة من الطيور و 24 في المائة من الحيوانات اللبونة و 30 في المائة من الأسماك إما عرضة للفناء أو مهددة بالفناء الفوري – ففي السنة الماضية وحدها تم قتل 12 مليون دولفين و 100 مليون سمكة قرش.

 

          لقد أثبتنا أننا أقدرُ على أن نهدّد كوكبنا من أن نصونه.

 

          واتضح ذلك لي جلياً في الشهر الماضي عندما زارنا مزارع فقير يعيش قرب ماتشو بيكتشو في مرتفعات بيرو. كان موجوداً في واشنطن لحضور افتتاح المتحف الوطني للهنود الأمريكيين مع آلاف آخرين من ممثّلين عن الشعوب الأصلية، وكان لدينا في البنك الدولي لقاء حول الثقافة والتقاليد الحضارية والتنمية.

 

          كان يلبس القبعة الصوفية والملابس التقليدية، وكان وجهه كالجلد المدبوغ أثّرت فيه سنوات من العيش في مناطق مرتفعة. وأخبرني وهو يتحدّث بلغة الكويتشاو الوطنية أن جبال منطقته " حزينة ". فالجموديات التي تشكلت عليها لآلاف السنين كانت الابتسامة على وجهها، وهي حالياً تتضاءل مع مرور السنين حسبما قال. ومع انحسارها ليست هناك المياه اللازمة لإعادة ملء البحيرات والأنهار. وتعاني الحيوانات – فحجم إنتاج حيوانات الألباكا أصبح نصف ما كان عليه. كما أن دخل الوادي انخفض بنسبة النصف، وأخذ المزارعون في هجر مواطنهم والنزوح عنها.

 

          وهكذا كان لدى ذلك الرجل القادم من ماتشو بيكتشو سؤال بسيط: " هل بإمكانكم مساعدتي على استعادة الجموديات التي كانت لي؟ ". فبالنسبة للذين يشكّون في أثر الاحترار العالمي، كان سؤال ذلك الرجل صرخة طلباً للمساعدة. فتلك ليست قضية أمد طويل – إنها قضية أمد قصير هو اليوم.

 

          وعند قرن ذلك بتدهور الغابات والمحيطات والتنوّع البيولوجي، ندرك أن من غير الممكن تفويض الغير بصون كوكبنا – فتلك قضية هذا اليوم.

 

الشباب والتعليم

 

          القضية الثالثة في العالم الآمن سيدي الرئيس هي التحدي الماثل في إعطاء الأمل وقدر معقول من التحصيل العلمي للشباب الذين يشكلون الآن نصف سكان العالم.

 

          ففي عالمنا الذي يعيش فيه 6 بلايين شخص، هناك 2.8 بليون شخص دون سن 16 سنة و 1.8 شخص دون سن 14 سنة. وفي السنوات الخمس والعشرين القادمة، سيولد 2.5 بليون طفل بحيث يكون صافي الزيادة بليوني شخص ويصبح بذلك عدد سكان كوكبنا 8 بلايين شخص يعيش 7 بلايين منهم في بلدان نامية وبلدان متوسطة الدخل.

 

          فما الذي سنقوم بفعله؟ أين هي فرص العمل من أجل هؤلاء الشباب؟ ما الذي نفعله إذا كان نصف سكان كوكبنا – شباب ذوو نية حسنة – غير قادرين على الحصول على فرصة عمل والقيام بأود أسرة، أي لا يمكنهم أن يروا لهم مستقبلاً.

 

          في الشهر الماضي، وقفت عند جسر موستار ورأيت كيف يمكن لبلد ما الاتحاد وراء رمز للسلام والوفاق. وحين التقيت في مدينة سراييفو 170 من قادة الشباب من 83 بلداً من مختلف مناطق العالم، أدهشتني رغبتهم الحقيقية في بناء مستقبل أفضل قوامه الانسجام والاحترام والسلام. فالشباب البوسنيون والصربيون والكرواتيون الذين التقيتهم كانوا تواقين لوضع ماضي بلادهم خلف ظهورهم ولكنهم شكوا من أن الكبار في السن مازالوا يحملون معهم آثار الحرب التي أزهقت أرواح 250000 شخص. وهؤلاء الكبار في السن هم الذين كانوا يمسكون الشباب ويمنعونهم من نسيان الماضي. ولذلك، يجب علينا توعية وتحرير شبابنا لكي يتمكنوا من خلق عالمهم الأفضل لهم.

 

          الشباب اليوم مختلفون عن شباب جيلي. ففي باريس في السنة الماضية، أخبرت مجموعة من القادة الشباب أننا نحن الكبار في السن قلقون بشأن مستقبلهم. فأجابني أحدهم وأنا الآن أكرر ما قاله " السيد الرئيس، لسنا المستقبل، بل نحن الحاضر ".

 

          يمكن أن لا يكون المُدقعون قبل عشر سنوات عرفوا ما كان يفعله المنعَمون في بلدان أكثر غنىً. ولكنهم الآن يعرفون ذلك. فحيثما ذهبت في هذا العالم تقريباً، تجد الإنترنت والتلفزيون أو المذياع العامل على بطارية يتم شحنها بحركة دوران مولدة صغيرة. فكل الناس قادرون الآن على رؤية عدم الإنصاف. وهم يعرفون.

 

          وهم محبطون. فأنت وأنا نكون محبطين أيضاً لو كنا في نفس الوضع. فهذا الإحباط أي فقدان الأمل هذا هو السبب الأساسي لانعدام الأمن في عالمنا. فعدم الاستقرار ينشأ في الأماكن التي يجد السكان من الشباب المتزايدين سريعاً أن الأمل أكثر ميلاً إلى أن يكون عذاباً من أن يكون وعداً. فيجب أن يُستشاروا – فهم يريدون أن يكونوا من المشاركين في التخطيط للمستقبل وتنفيذه.

 

          في البلدان الغنية، علينا القيام بالمزيد لتوعية الشباب في كيف يمكن أن يكونوا مواطنين عالميين. فحين نشأت في أستراليا، تعلمت عن تاريخ الملكة وثورة الشاي في مدينة بوسطن. أما اليوم، فإن الشباب في البلدان الأكثر غنىً يحتاجون لمعرفة المزيد عن: الإسلام، وأفريقيا، والصين، والهند. وعلى الشباب في البلدان الفقيرة تعلم المزيد عن ما تحفل به الحياة من وعد في البلدان الغنية لكي يتوصل الجانبان إلى فهم عالمي من شأنه أن يمكّنهم من العثور على حلول عالمية للتحديات العالمية.

 

          ولكن اسمحوا لي أن أعود من هذه الملاحظات الثلاث إلى الموضوع الرئيسي الذي طرحته. إذا كنا تعلمنا الكثير وتوصّلنا إلى اتفاقات في إطار الأمم المتحدة بشأن معظم القضايا العالمية، فلماذا لا نقوم الآن بتنفيذ ما اتفقنا عليه؟

 

          سيدي الرئيس، نحن ماهرون تماماً في عقد المؤتمرات بشأن القضايا العالمية الرئيسية ومتابعتها بعد خمس إلى عشر سنوات لتفحّص مدى التقدّم المُحرز. ففي السنة القادمة سنجتمع في الأمم المتحدة لرصد التقدم المحرز على الصعيد العالمي في الوفاء بالأهداف الإنمائية للألفية الجديدة بعد انقضاء خمس سنوات على انعقاد جمعية الألفية.

 

          اسمحوا لي بدقيقة للحديث عن التعليم لكي أوضح ما أعنيه بالوفاء بوعودنا وتحليلاتنا وخبرتنا العملية.

 

          في مؤتمر جوميتين في عام 1990، تعهّد العالم بتمكين كافة الأطفال من الالتحاق بالمدارس بحلول عام 2000 وفي إطار مبادرة تعرف باسم التعليم للجميع.

 

          الفكرة كانت بسيطة. التعليم جوهري من أجل التنمية. فهو ما يعطي الأطفال الأمل، ويبني القدرات، كما أن تعليم الفتيات يساعد في تمكينهن من أسباب القوة لكي تكون أُسرهن أصغر عدداً ولكي يحرصن على تعليم أطفالهن. علماً بأن تنمية الطفولة المبكّرة التي يعتبر البنك الدولي طليعتها في العالم بالغة الأهمية لسنوات المستقبل ويمكن أن تسفر عن عائد بنسبة 700 في المائة على مدى حياة الطفل. فالتعليم أداة قوية في مكافحة انتشار الإيدز. وتفيد التقديرات أنه لو انتظم في المدارس الابتدائية 115 مليون طفل غير ملتحقين بها حالياً لأمكن في عقد من السنين تفادي 7 ملايين إصابة جديدة بفيروس مرض الإيدز.

 

          ولكن بعد 10 سنوات في داكار، لم يكن قد تم تحقيق تقدم يُذكر ولذلك أعرب العالم مرة أخرى عن نفس الالتزام. وفي مونتيري في عام 2002، جرى قطع التعهّد ذاته مرة أخرى. وبعد مؤتمر مونتيري، شرعنا بتنفيذ مبادرة مسرّعة باختيار 18 بلداً فقيراً كانت لديها استراتيجية سليمة لتخفيض أعداد الفقراء مع خطة للتعليم على الصعيد الوطني. ولكن مازال هناك اليوم 115 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس.

 

          يقدّر البنك الدولي وجود حاجة لتدفقات إضافية تبلغ 3.6 بليون دولار كل سنةلمدة ثمان إلى عشر سنوات قادمة لضمان إتمام كافة الأطفال لمرحلة التعليم الابتدائي. ويعادل ذلك المجهود الإضافي 30 دولاراً أمريكياً لكل طفل أو ما مجموعه 1200 دولار لصف دراسي من 40 تلميذاً لتغطية تكلفة المعلّم والكتب واللوازم المدرسية.

 

          تعهّد البنك الدولي وبعض البلدان المانحة بإتاحة بعض الأموال من أجل هذا المسعى. ولكن أقصى ما تمكنّا من تعبئته حتى الآن مبلغ إضافي قدره 250 مليون دولار أمريكي في السنة ولمدة سنتين. هذه مأساة فنحن لسنا نعالج حتى مسألة النوعية والمضمون فنحن لا نتيح سوى ما مجموعه 9 دولارات أمريكية لكل تلميذ ابتدائي في البلدان المنخفضة الدخل. وكم من المُحزن أنه يتم بطريقة ما العثور على المال للإنفاق بمتوسط يبلغ 150 دولاراً لكل رجل وامرأة وطفل على الأغراض العسكرية في كل سنة.

 

          يمكن لنا القول بأن أفضل استثمار يمكننا القيام به في الأمن هو الاستثمار في التعليم. غير أننا لا نقوم بذلك الاستثمار.

 

قيادة أكثر عالمية

 

سيدي الرئيس، هذه القضايا الثلاث – كسب الحرب على الفقر وتحسين طريقة إدارتنا لشؤون كوكبنا وتعليم شبّاننا– حاسمة الأهمية من أجل زيادة أمن عالمنا.

 

          نعلم جميعاً أن هذه القضايا حيوية. ونعرف ما ينبغي علينا فعله. ولذا، لماذا لا نقوم بما بلزم على نحو أفضل؟ لماذا لا يحدث ذلك؟

 

          أعتقد أننا لم نهيّأ بعد العناصر الأساسية في نظام الإدارة العالمي.

 

          فنحن بحاجة إلى ما يشبه لجنة تنفيذية من زعماء العالم تعمل لضمان تنفيذ الخطط. فزعماؤنا يلتقون فعلاً في اجتماعات في مناسبات مجموعات الأربع والسبع والثمان والعشر والإثنتا عشرة والثلاثين والسبع وسبعين – أو على هيئة تجمعات إقليمية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا وغيرها.

 

          مع فائق الاحترام، أود حثّ الزعماء على النظر في تشكيل مجموعة تضم ممثلين عن البلايين الخمسة من البشر في البلدان النامية – على مستوى رؤساء الدول وتكليفها بالمسؤولية عن إدارة كوكبنا، وذلك من أجل بلوغ الأهداف المتفق عليها. وليس من الضروري الانتظار خمس أو عشر سنوات لاستعراض ما قطعناه على أنفسنا من وعود لنجدها غير محقّقة. يجب تدبّر أمرها. يمكن لهذه المجموعة الاستفادة من وكالات الأمم المتحدة والهيئات الدولية – وليس الحلول محلها. وتحتاج هذه المجموعة إلى سكرتارية تتيح لها الاستمرارية ولضمان تذكّر خططها وتجديدها حتى مع تناوب الزعماء - وأيضاً ممثليهم الشخصيين. لن تكون لهذه المجموعة صلاحية الإصرار بل صلاحية الإقناع. وحتى لو أنها ببساطة نشرت سنوياً مدى أداء كل من البلدان المعنية في الوفاء بوعودها، فإنها أداة إدارة مفيدة.

 

          الزعماء يقضون بالطبع قدراً كبيراً من الوقت في إطفاء حرائق دولية. ولكن ينبغي فعل المزيد.

 

          فهل من الكثير جداً الطلب من مجموعة زعماء العالم تخصيص 5 في المائة من وقتهم أو 10 أيام في السنة للانخراط الملموس في قضايا عالمية؟ فمن شأن هذا تسليط الضوء على التنفيذ وإظهار أنه تتم إدارة شؤون القضايا العالمية.

 

          يتزايد علم الناخبين بأن البلدان لا تعيش خلف جدرانها الخاصة بها. وبأننا مرتبطون ليس فقط على الصعيد الإقليمي بل على الصعيد العالمي وأن كل شخص ليس فقط مواطن في بلده ولكنه أيضاً مواطن على كوكب الأرض. فهم يعرفون أن مرض الإيدز لا يتوقف عند الحدود. وأن الاحترار العالمي لا يتوقّف عند الحدود. كما أن عدم الاستقرار لا يتوقف عند الحدود.

 

          وخوفي الكبير هو أنه بدون هذا النهج الجديد تجاه القيادة العالمية – أو شكل من أشكالها – لن نتمكّن من تحقيق الاختراقات والنجاحات التي نحتاجها.

 

خاتمة

 

          سيدي الرئيس، سنناقش في هذه الاجتماعات قضايا حاسمة الأهمية بالنسبة لمحاربة الفقر. كما أن أفكاراً مبتكرة لإتاحة تخفيف أعباء الديون والموارد التمويلية لأغراض التنمية مطروحة على بساط البحث وينبغي الترحيب بها.

 

          في هذا الإطار، آمل أن يرى المساهمون في رأس مال مؤسساتنا أن من المناسب زيادة مساهماتهم في المؤسسة الدولية للتنمية، فهي أكبر مصدر للتمويل بشروط ميسّرة بالنسبة لأشد بلدان العالم فقراً. فالبلدان الثمان وثمانون المؤهلة للحصول على الموارد من المؤسسة الدولية للتنمية هي موطن 90 في المائة من أفقر الناس في العالم، فهم يعيشون على أقل من دولار أمريكي في اليوم. ففي السنة المنصرمة، قامت المؤسسة بتقديم قروض بلغت رقماً قياسياً عند مستوى 9.1 بليون دولار أمريكي، وتوجه نصف هذا المبلغ إلى إفريقيا.

 

          غير أن القضية اليوم ليست قطع الوعود أو القيام بتحليلات أو إعطاء التزامات. فهذه الأمور لن تساعد الفلاح الذي قدِم من بيرو على استعادة الجموديات لجبال منطقته، أو المرأة الصينية على تحسين حياتها في هضبة ليس، ولا الشاب البوسني على بناء حياة أفضل.

 

          بل القضية اليوم هي قضية الالتزام السياسي والقيادة السياسية – القيادة الواضحة والمتسمة بالشفافية.

 

          بالطبع لن يحل تجديد القيادة العالمية مشاكلنا بدون فهم مستنير ومسؤولية مشتركة. فلنبدأ بتخصيص 100 بليون دولار أمريكي أو 20 دولاراً أمريكياً للشخص الواحد في البلدان النامية وذلك لأغراض التنمية وإحلال السلام، ودعونا لا ننسى 115 مليون طفل يحتاجون إلى 30 دولاراً أمريكياً لكل منهم في السنة من أجل الالتحاق بالمدارس. ومن الأكيد أن بوسعنا فعل ذلك، فنحن ننفق 150 دولاراً أمريكياً لكل شخص في العالم على هيئة إنفاق عسكري ودفاعي.

 

          يمكن أن يكون السلام والاستقرار في متناول أيدينا. فلدينا الوعود والتحليلات والالتزامات. وما نحتاجه هو القيادة المرئية والإرادة السياسية. ونحن في البنك الدولي على استعداد ونتشوق للقيام بدورنا.

 

          فذلك واجبنا تجاه أنفسنا. وواجبنا تجاه أطفالنا. وهو خيار من أجل السلام.




Permanent URL for this page: http://go.worldbank.org/7CXJNCNRD0